كانت سارة تضع مساحيق التجميل مجددا. ليس بقدر ما فعلت ليلة الحفل، لكنها وضعت قليلا من ظلال العيون والماسكرا. ربما كان من الجيد أنها لم تضع كريم الأساس الكامل، نظرا لكمية العرق التي تفرزها. كانت هي ووالدتها تجلسان تحت شمس الصيف في انتظار بدء حفل التخرج من المدرسة الثانوية. راحت تعبث بالسوار الذي صنعته من عظام كادلس، مسلطة أصابعها على طول العمود الفقري بينما كان يزحف ببطء في حلقة حول ذراعها.
ومع بدء حفل التخرج، أطلقت الفرقة النحاسية مقطوعة موسيقية، وبقيت سارة تحدق في الفراغ أثناء استماعها. لقد اجتازت ثلاث سنوات من المدرسة الثانوية بطريقة ما وهذه هي المرة الأولى التي تسمعهم فيها يعزفون حقا. لقد مررت بجانبهم وهم يتدربون مرات أكثر من أن تحصيها، لكنها لم ترهم قط بالزي الرسمي يعزفون لحنا أتقنوه. كانوا مفعمين بالحيوية، لكن سارة اعتقدت أن جوقة المدرسة ومنسق أسطوانات الحفل كانا أفضل بكثير.
ربما كان مفترضا بهم أن يبدوا هكذا. تلاشت النخبة الأخيرة ببطء، ووقف مدير المدرسة عند المنصة، ملقيا بضع كلمات قبل تسليم الميكروفون إلى أحد الطلاب. لم تكن سارة تعرف الفتى، فلم يسبق أن شاركها أي صف، وكان الطلاب الوحيدون في السنة النهائية الذين تتحدث معهم هم أولئك الذين يحيطون بأليكسا. تردد صدى صوتة في الملعب، لكن سارة لم تكن منتببة. لم يسبق لها حضور حفل تخرج من قبل، لكنها عرفت بطريقة ما أنه يتحدث عن الفرص، وكم كانت المدرسة رائعة، وربما سيشارك بعض المقولات أو اقتباسات شعرية عن الخيارات أو الفرص.
ألقت سارة نظرة سريعة على والدتها، ورأت الدموع تلمع في عينيها. لابد أن والدتها كانت تستعيد ذكريات أيام دراستها الثانوية. كتمت سارة تثاؤبا، وسمحت لعينيها بمسح الحشد. كانت عائلات كثيرة تجلس تحت الشمس أيضا، وكان الكبار منتبهين في الغالب بينما كان الأطفال قلقين. لاحظت سارة والدي أليكسا يجلسان في أقصى اليمين، ولم يتمكن سوى شقيق واحد لأليكسا من الحضور. ابتسمت سارة عندما لاحظت أشخاصا آخرين يفحصون الحشد بدلاً من الاستماع إلى الخطاب، فقد وجدت أعيُنُهم ما يثير اهتمامهم في الناس من حولهم أكثر من الكلام في المقدمة.
كانت فتاة صغيرة بالذات تحدق بها وتبادلت نظرات العيون مع سارة. قطبت سارة حاجبيها في وجه الفتاة، ضاقت شفتيها وعقدت حاجبيها حتى استدارت الفتاة ووجهت انتباهها إلى الأمام. بدت الفتاة في الرابعة عشرة من عمرها ربما، لذا ربما كانت أكثر مللا من سارة حتى. التفتت الفتاة الصغيرة لتنظر إلى سارة مرة أخرى، فأخرجت سارة لسانها، مما جعلها تستدير إلى الأمام مرة أخرى. انتهى الحديث أخيرا، ونُودي على أسماء الخريجين واحدا تلو الآخر.
مشت أليكسا بثقة عبر المسرح بعد النداء على اسمها، وبسمة مشرقة تزين وجهها. بدأت الفرقة بمعزوفة أخرى، وتعزف هذه المرة مقطوعة مراسم وترتيب، وتعزفها بشكل أفضل بكثير مما كانت تعزفه من قبل. عزفت الفرقة في الخلفية بينما تلقت أليكسا وبقية طلاب السنة النهائية شهادات تخرجهم، مما يمثل رسميا نهاية رحلتهم في المدرسة الثانوية. وعندما انتهى الحفل، انفجر الحشد في هتافات وتصفيق، ولمحت سارة أليكسا وهي تشق طريقها عبر بحر الخريجين.
شقت سارة ووالدتها طريقهما عبر حشد الناس للعثور على صديقتهما، رغبة في الاحتفال بهذه اللحظة الخاصة معها.
قالت سارة وهي تجذب صديقتها في عناق محكم: "تهانينا يا أليكسا! لقد انتهيت من هذا المكان!".
ردت أليكسا، وصوتها يتهدج بالعواطف: "شكرا لك. أنا سعيدة جدا لأنك جئت".
أضافت والدة سارة، وعيناها لا تزالان رطبتين بالدموع: "لقد عملت بجهد كبير، ونحن فخورون بك جدا".
قالت أليكسا وهي تلوح بيدها ضاحكة: "ليس إلى هذا الحد".
"ومع ذلك، عمل جيد".
قالت أليكسا قبل أن تلتفت إلى سارة: "مهلا، علي الذهاب لدقيقة، ستبقين هنا أليس كذلك؟ للتقاط الصور على الأقل. هل يمكنك البقاء من أجل الحفل؟".
قالت والدة سارة: "نعم، يمكنها البقاء. هاتفك مشحون، أليس كذلك؟".
قالت سارة: "بالطبع".
"جيد، إذن أنا ذاهبة، الجو حار جدا اليوم. اتصلي بي إن تأخرت بعد الثانية عشرة، حسنا؟ أعلم أن هذه الأمور تتأخر، فقط أعلميني".
لم تنتظر إجابة سارة، بل استدارت وغادرت الملعب. بينما كانت أليكسا تختلط بالجميع، وجدت سارة شجرة وجلست على العشب في الظل. سرعان ما وجدتك أطفال آخرين ينضمون إليها هربا من الحرارة الحارقة. كان معظمهم من أطفال الجوقة الذين تعرفت عليهم أثناء استراحة الغداء، وابتسمت لنفسها بينما كان حديثهم المتبادل يتردد صعودا وهبوطا. كانت الأولى في الجلوس تحت الشجرة، لذا حجزت مكان الشرف مسندة ظهرها إلى جذعها.
لم تشعر برغبة حقيقية في المشاركة في النميمة حول خطط الصيف والطلاب الجدد المنضمين حديثا ويتنافسون على المقاعد، لذا سلّت نفسها بالتقليب بين الأوراق الساقطة على العشب من حولها. كانت تضع القليل من الضوء الأزرق داخل الأوراق، على الأقل كانت تضع الضباب في الأوراق التي تقبل ذلك. لم تكن الأوراق الخضراء المتساقطة حديثا تقبل أي ضوء، وشعرت كأنها غير مرئية لقوتها. لكن الأوراق التي جفت كانت تقبل القليل منه.
كانت تفصلها بكسل بينما تمدها بالطاقة، مرتبة إياها حسب سلامتها؛ الفتات الصغير يوضع على يسار الخط، والأوراق السليمة غير المكسورة على اليمين. رفعت رأسها، فرأت الفتاة الصغيرة من قبل تقف وتراقبها. الآن وبعد أن أصبحت قريبة، أدركت سارة أنها قد تكون أصغر بكثير مما كانت تعتقد. كانت أطول من سارة، لكن ضفيرتيها وفستانها الأصفر الساطع جعلاها تبدو صغيرة جدا. جعلت الحالة سارة ترفع يدها لتستقر قرب رقبتها، لكن الفتاة استمرت في التحديق باليد التي كانت سارة تمسكها في حجرها.
سائلة وهي تشير إليه: "ما نوع هذا السوار؟".
قالت سارة: "صنعته بنفسي. استخدمت عظام أفاع وقمت بتوصيل الأسلاك وما شابه لمشروع فني. أسميه كادلس. رائع، أليس كذلك؟".
قالت وهي تنحني لتلقي نظرة أقرب على ذراعها: "هل رسمت عليه أيضا؟ مثل ما تفعلين بالأوراق؟".
قبضت سارة يديها لتصيرا قبضتين واستندت بقوة إلى لحاء الشجرة الخشن. لم تكن تستخدم الضباب سوى منذ بضع أشهر، لكنها أقنعت نفسها بأن أحدا لن يلاحظ طالما أنها لا تجعل الأشياء تتحرك بطريقة غير طبيعية في الأماكن العامة. فبعد كل شيء، لم يسبق لأحد أن قال إنه رأى شيئا من قبل، ولم تسمع أبدا عن أي شخص آخر يرى الضباب المتوهج في كل مكان، ولم يصدق أحد حقا أي شيء قالته عما يمكنها رؤيته، لذا لم تكن قد فكرت حقا في أن احدا قد يرى أشياءها المضيئة.
والآن كانت هذه الفتاة ترفع إحدى أوراقها الزرقاء، محركة إياها تحت ضوء الشمس لفحصها. كان على سارة أن تقاوم الرغبة في استدعاء الورقة لتعود إليها، ربما كان بإمكانها جعلها تنطلق من يديها وتطير عائدة إليها. لكن ذلك لن يحقق شيئا، وقد يجعل الأمور أسوأ إذا رآها شخص آخر. لكن قبل أن تتمكن سارة من قول أي شيء، قطفت الفتاة ورقة أخرى من الشجرة وحدقت بها بتركيز. وفجأة غطى الورقة ضباب أحمر، ومعها نصف الشجرة والأشخاص الجالسين بالقرب في الظل، وانهارت الفتاة الصغيرة على الأرض.
قالت سارة وهي تقفز على قدميها لتصل إلى الفتاة: "تبا".