أيقظ سارة صوت صفير عالٍ في أذنها. عاود الصفير، فانكمشت متألمة من الإزعاج. ومع استمرار الصفير، تمكنت سارة من إعادة تركيزها، مدركةً أن الصفير يتوافق مع نبضات قلبها. راحت أصوات صفير أخرى صغيرة تطالب بانتباهها، من داخل غرفتها وخارجها، فهمت لترفع يدها نحو أذنيها، لتدرك فقط أن ذراعيها مغطتان بالأسلاك، مما حدّ من حركتها. شعرت سارة بالمزيد من الأسلاك الملصقة على صدرها. ومع كل هذا الضجيج، أبقت سارة عينيها مغمضتين عن قصد.
كانت تعرف ما ستحققه برؤيته على أي حال. كانت في مستشفى، ولا تزال تتذكر كيف يبدو ذلك.
قال صوت أمها فوراً مخترقاً كل شي: "يا للهول، يا بنيتي، لقد استيقظت".
همست: "أمي، لا أريد أن أكون هنا".
قالت أمها: "أعرف يا بنيتي، لكنك كنت فاقدة للوعي لساعات، ولم تستطع الإسعاف إيقاظك".
فتحت سارة عينيها، دون أن تلاحظ الضوء الأبيض الساطع الذي يملأ الغرفة الصغيرة. نزعت فوراً الملقط الناعم المثبت بإصبع يدها اليسرى، ثم شرعت في نزع الشريط اللاصق الذي يثبت محلولها الوريدي عندما أمسكت أمها بيديها. انطلق إنذار متواصل وعالٍ من الجهاز المجاور لها، غامرًا أي شيء كانت تقوله أمها.
صرخت سارة: "أريد الذهاب إلى المنزل! هذا لا يساعد!"
اندفعت ممرضتان إلى داخل الغرفة، وقامت إحداهما بإعادة تثبيت الجهاز الذي كان على إصبعها. ورغم توقف نغمة الإنذار الطويلة، واصلت سارة الشد ضد قبضة أمها، محاولة الوصول إلى اللصقات على صدرها. أصبحت أصوات الصفير المنتظمة أسرع، وارتجفت عيناها مع كل تكرار. صاحت إحدى الممرضتين بشيء ما، ورأت سارة الممرضة الثانية تستدير وتمد يدها داخل درج. راحت سارة تتخبط بقوة أكبر، محاولة الإفلات من الأيادي التي تثبتها.
همست وهي تلفظ: "أرجوكم، أنا فقط أريد..."، إذ تحولت الغرفة فجأة إلى اللون الأصفر.
هذه المرة لم تتوقف عن المقاومة، حتى عندما بدأت عيناها وأذناها تحترقان. ولم تشعر حتى بوخزة إبرة في كتفها وهي تفقد السيطرة على ذراعيها، وتتلوى في السرير بينما كانت أمها تتابع الممرضتين وهما تعملان.
حين استيقظت سارا هذه المرة، كانت الغرفة هادئة تماماً. سمعت خطوات خارجاً، يصحبها صوت مسح متكرر. كان شخصاً يمسح الرواق غالباً. وانبعث صوت صفير عبر الباب من الخارج أيضاً. وسمعت أحدهم يتنفس داخل غرفتها. لم يكن سوى أمها، هذا إن لم يكونوا قد طردوها لسبب ما. سمعت طريراً خافتاً لبعض الآلات، لكنه كان منتظماً وهادئاً نسبياً. ركّزت سارا على الحفاظ على انتظام تنفّثها، وحاولت الإنصات إلى صوت الهواء وهو يتحرك عبر أنفها.
فركت يديها بنسيج بطانية المستشفى الخشن. وشعرت بضغط البطانية أيضاً، إذ دسّها أحدهم من الجانبين لتنضغط على ساقيها. استنشقت رائحة المنظّفات المعقّمة التي تملأ عادةً مثل هذه الأماكن، مع لمسة خفيفة من غسول الأزهار الذي تستخدمه أمها ليديها. كان طعم فمها مقرفاً، ومكسواً بطبقة لزجة. ما إن لاحظت ذلك حتى وجدت سارا صعوبة في التفكير في أي شيء آخر بينما يملأ ذلك الطعم البائت فمها.
فتحت عينيها، وفوجئت بسرور حين رأت أضواء السقف في غرفتها مطفأة، غير أن الشاشات والتوهّج الأبيض مكّناها من تبيّن كل ما حولها بسهولة. كانت أمها نائمة على مقعد صغير، ورأسها مائل إلى الجانب بزاوية بدت غير مريحة البتة. توقعت أن تجد كوباً أبيض صغيراً وممّاصاً فيه ماء مثلج على الطاولة المجاورة لها، لكنها كانت فارغة. مررت سارا لسانها على أسنانها، وابتلعت اللعاب المتجمع في فمها.
ثمة حمّام صغير في الغرفة، وستكون فيه مغسلة، وسيكون ذلك أفضل بكثير. تستطيع المضمضة والبصق بدلاً من ابتلاع كل ما يجعل طعم فمها سيئاً إلى هذا الحد. شرعت في التدحرج على جانبها لتنهض لكنها صُدمت بما يمنعها. كانت الذراعان مثبتتين بشرائط من الشاش. لم يكن ربطاً محكماً، بل بالقدر الذي يمنعها من بلوغ إحدى ذراعيها بالأخرى. استلقت سارا، وكانت بحاجة ماسة لمضمضة فمها.
قالت: "أمي".
وأخرجت صوتها أجشّ قليلاً وهي تحاول الهمس. بلا أي استجابة.
قالت مرة أخرى: "أمي".
وهذه المرة بصوت طبيعي أكثر. فوجئت سارا قليلاً بمدى طبيعية صوتها. انتفضت أمها فجأة ونظرت إلى سارا بتعبير فارغ.
قالت سارا: "أمي، أيمكنني الحصول على بعض الماء؟ طعم فمي سيّئ حقاً".
قالت وهي تنحني نحو الأرض: "بالتأكيد".
سحبت قنينة ماء فولاذية كبيرة من حقيبتها وحملتها إلى سارا. رأت سارا أمها تعضّ وجنتيها بينما رُفعت القنينة إلى فم سارا، لكن شعور الماء المنعش وهو يغسل فمها غمرها تماماً. حاولت سارا الشرب بشراهة، لكن أمها أبعدت القنينة.
عضّت أمها على شفتها ومسحت وجهها قائلة: "أنا آسفة يا حبيبتي، لكني لا أعرف إن كان مسموحاً لي بإعطائك المزيد. الأطباء لم يذكروا شيئاً... كيف تشعرين؟".
توقّفت سارا. لم تكن مرتاحة، وأرادت حقاً العودة إلى المنزل، لكنها بخلاف ذلك كانت تشعر بحال جيدة. لا وجع، ولا شيء خاطئ على الإطلاق. فحتى عيناها اللتان بدا وكأنّهما تحترقان من قبل، صارتا بخير الآن. ربما كان فيهما القليل من الرمل، لكنهما بخير. على العكس، شعرت بتحسّن. عادةً ما تجعل المصابيح الصغيرة في غرفة خافتة كهذه عينيها توجعانها، لكنهما لم تكونا تزعجانها بتاتاً. ربما فعل المستشفى شيئاً خاصّاً بها، وربما وضعوا عليها نوعاً من الفلاتر.
يبدو أنها في نوع من الغرف الهادئة على أي حال.
قالت سارا: "أشعر بحال جيدة يا أمي. متى يمكننا العودة إلى المنزل؟".
قالت أم أمها: "دعيمني أحضر الطبيب فحسب".
في غضون ثوانٍ من فتح أمها الباب المفضي إلى الرواق المضيء خارجاً، كان رجل طاعن في السن يرتدي بنطال بدلة وقميصاً وحذاء رياضياً داخل الغرفة. طرح عليها أسئلة لكنه بدا مهتماً أكثر بالأوراق عند نهاية سريرها والمعلومات الظاهرة على الشاشات في أنحاء الغرفة. لم تكن سارا لتخبره عن الضباب الأبيض الذي يتحول إلى أصفر، ولم ترغب في إخباره عن العيون والجلد المحترقين أيضاً.
أخيراً، شرع يكلم أمها: "لا نعرف بعد على وجه الدقة ما يسبب لها هذه النوبات. ومع أننا محظوظون بوجودها تحت تخطيط الدماغ الكهربائي ليلة أمس، إلا أن ذلك استبعد النوبات الصرعية فحسب. لحسن الحظ، ليست أغلب الأسباب الأخرى خطيرة للغاية. ونظراً لحساسيتها للضوء والصوت، أرجّح أنها تعاني فقط من الصداع النصفي. يمكن لهذا الأخير أن يتسبب بأمور جنونية أحياناً".
"قلقنا الحقيقي يكمن في احتمال كون هذه نوبة إقفارية عابرة، سيّما مع الطريقة التي ارتفع بها ضغط دمها فجأة قبيل نوبتها مباشرة. يبدو الأمر مرعباً أكثر مما هو عليه، لكنه يشبه السكتات المصغرة. ونظراً لسنها، فهذا مستبعد للغاية، لكننا بحاجة ماسة لإجراء بعض الفحوص لاستبعاده احتياطاً. سأرتب لإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي لاحقاً اليوم، وسنواصل مراقبة تخطيط قلبها أيضاً. إن كان ذلك هو المشكلة، فثمة علاجات كثيرة، ولن يصبح الأمر مشكلة إلا إذا ترك بلا علاج".
ختم كلامه قبل أن ينسحب خارج الغرفة قائلاً: "سأطلب من الممرضات إحضار بعض الإفطار لها الآن، ويمكنها استقبال الزوار أيضاً".