الفصل الخامس: يوم الرحيل
كانت الطريق إلى بيت أبي طويلة أكثر مما تذكّرتها. المدينة تغيّرت، الأبنية ارتفعت، والوجوه غريبة، لكن الشعور نفسه ظلّ يرافقني — ذاك الثقل في صدري الذي يسبق كل لقاءٍ مؤجّل.
كان يعيش في شقة صغيرة فوق محل قديم لتصليح الساعات. حين فتحت الباب، بدا وجهه أكبر بكثير، وملامحه مرهقة، كأن الزمن لم يمرّ عليه فقط… بل سحقه.
نظر إليّ بارتباك، ثم قال:
"Van… ما توقعت تشوفني بعد كل هالسنين."
قلت له بصوتٍ متردّد:
"ما كنت جاي أعاتبك… بس في شي لازم أعرفه."
جلسنا بصمتٍ ثقيل. كانت هناك صورة باهتة على الحائط تجمعنا نحن الأربعة — أنا، أمي، Alisha، وهو. وقبل أن أفتح فمي، نظر إليها وقال بصوتٍ مبحوح:
"كل يوم أقعد قدامها وأسأل نفسي لو كنت قدرت أغيّر النهاية."
سألته مباشرة:
"بابا… Alisha ماتت ليش؟ كيف؟"
تجمّد للحظة، ثم أغمض عينيه وقال:
"كان المفروض أكون معاها ذاك اليوم."
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل:
"أمك كانت في العمل، وأنا وعدتها أجي أشوفكم. تأخّرت، كنت مشغول في شغل تافه. Alisha كانت تبغى تشتري بالونات لعيد ميلادكم، راحت لحالها… والسيارة ما انتبهت لها."
ثم سكت.
كانت الجملة الأخيرة كطعنة باردة. لم يقل “حادث”، لم يقل “قدر”، قالها وكأنها جريمة لا يغفرها إلا الزمن الذي لا يرحم.
همستُ بصوتٍ متكسّر:
"هي كانت تستناك، صح؟"
هزّ رأسه ببطء، والدموع تسيل من عينيه دون صوت.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب… دفء مفاجئ في الغرفة، ورائحة خفيفة من عطر Alisha الذي كانت تحبه. التفتنا نحن الاثنان في الوقت نفسه نحو النافذة — ستارة خفيفة تحرّكت، رغم أن الهواء ساكن.
كأنّ روحها كانت تقول:
“كفى لومًا… سامحوه.”
لم أستطع الكلام. كل ما فعلته أنني وضعت السوار الوردي على الطاولة، وقلت لأبي:
"هي كانت تبغى الغفران، مو اللوم."
غادرت بعدها بصمت، لكن قلبي كان مختلفًا — أخفّ قليلاً، وأثقل في الوقت نفسه.
تلك الليلة، عندما نظرت في المرآة، رأيت Alisha تبتسم للمرة الأولى منذ رحيلها.
لكن في ابتسامتها كان هناك شيء غامض… كأنّها تقول إن القصة لم تنتهِ بعد.