الفصل الثلاثون: السيف والجسد
أطلقت سيلفي زقزقة متحمسة عند فكرة استكشاف زنزانة بينما بقيت أنا صامتاً، أطيل النظر إلى السيفين المشدودين إلى مؤخرة خصري.
أكدت لي معركة اليوم مع كاسبيان أموراً كثيرة. لقد أمضيت وقتاً طويلفاً في التكيف مع نظام السحر في هذا العالم وتَعَلُّمه. والاندماج مع إرادة وحش سيلفي، وصقل تقنيات سمات البرق والجليد الخاصة بي إلى جانب كل العناصر الأخرى. لقد كنت منغمساً جداً في حقيقة أن هذا العالم جعل من الممكن حقاً إنتاج مظاهر جسدية للعناصر لدرجة أنني أهملت أساسياتي، الشيء ذاته الذي كنت الأفضل فيه، وهو القتال الجسدي.
في حياتي الماضية، كنت قد استخدمت أبسط التقنيات لأقصى استفادة من مخزون الكي الهزيل الخاص بي. وبهذا وسيفي، كنت قادراً على الصعود إلى القمة. قدم ديكاثين احتمالات أكثر بكثير، ولكن إذا كان لي أن أتفوق حقاً وأصبح الأفضل في هذا العالم، فلن أضطر فقط إلى استخدام مواهبي في هذه الحياة، بل وخبراتي من حياتي السابقة أيضاً.
في خضم أفكاري، شعرت بشخص يصطدم بكتفي عابراً. رافعاً بصري، لمحت النبيل الأشقر المسمى لوكاس وهو يتبختر ممارراً بجانبي وسط حاشيته من الحراس والخدم.
"أنت لست سيئاً بالنسبة لزائد، ولكن هذا كل ما أنت عليه. لا تصبح مغروراً لمجرد صدفة تواجدنا في نفس الفصل. حتى في الرتب نفسها توجد مستويات، وستكون أنت في القاع. اعرف قدرك أيها العامي!" بصق لوكاس هذه الكلمات بحقد. أطلق الفتى الأشقر ابتسامة خبيثة بينما كان يرجع رأسه إلى الوراء متعمداً لكي يستطيع التطلع إلي باحتقار. حقيقة أن طوله كان أقصر بقثير مني جعلته يبدو سخيفاً فحسب.
يا له من سلوك نمطي لشخصية جانبية مزعجة.
غير مكترث بجداله، واجهت جاسمين وحدها. "لنذهب إلى البوابة."
بالعثور على طريقي عبر بوابة الانتقال الآني، انتفضت حواسي من المنظر. امتلكت مدينة زايروس أكبر عدد من بوابات الانتقال الآني بين المدن نظراً لكونها الطريقة الوحيدة التي يمكن للمرء دخولها بها، كونها مدينة طافية وكل ذلك. قادتنا البوابة التي عبرناها مباشرة إلى المدخل الأمامي للمنطقة المعروفة باسم غابات الوحش.
أرست زقزقاة الطيور، وصرخات الوحوش وزئيرها بين الحين والآخر، والصوت المستمر للمياه الجارية التي تملأ الخلفية كلها سحراً تناغمياً للطبيعة. جعل منظر الأشجار الشاهقة والتلال العديدة المغطاة بمختلف النباتات والشجيرات من الصعب تصديق أن هذا المشهد الجميل كان مليئاً بالوحوش السحرية القادرة على قتل حتى أقوى السحرة. ومع ذلك، وبسبب وفرة الموارد الطبيعية في الضواحي، كانت الوحوش ذات الرتب الأدنى هي التي تسكن هذه المنطقة في الغالب. وكلما توغل المغامر أكثر، أصبح المشهد أكثر غموضاً وخطورة، مليئاً بمقرات الوحوش القوية التي حشدت كنوزها وقوتها في عزلات المناطق غير المستكشفة في غابات الوحش.
أخذت رشفة من الهواء المنعش بينما وصلت جاسمين خلفي عبر بوابة الانتقال الآني عندما قفزت سيلفي فجأة من فوق رأسي وهرولت مسرعة.
"انتظري يا سيلف! إلى أين تتجهين؟" ناديت خلفها وأنا مندهش.
نقلت سيلفي استجابة غامضة؛ استطعت أن ألمس مشاعر حماسها وهي ترسل أفكاراً حول خططها للتدرب أيضاً.
إن حقيقة أن رابطتي لم تغادر جانبي أبداً منذ أن فقست وحتى الآن ملأتني بالقلق، ولكن بعد أن أدركت أنني قادر على استشعار مكان وجودها، هدأت.
"ستكون بخير. تمتلك الوحوش المانا غريزة طبيعية لتصبح أقوى. لابد أنها شعرت بالاختناق الشديد لوجودها في بيئة محمية طوال حياتها"، هكذا أوضحت جاسمين وهي تمشي بجانبي.
واضعة يدها على كتفي، أشارت لكي نبدأ في التحرك. "هناك مكان أود زيارته أولاً قبل الذهاب إلى زنزانة. يجب أن نسرع مع ذلك؛ تصبح الأمور أكثر خطورة بعض الشيء في الليل."
دافعتاً بالمانا إلى جسدها، انطلقت جاسمين بسرعة نحو الأفق، دافعة إياها مانا سمة الرياح بسرعة أكبر.
تبعتها، مشكلاً عاصفتين من الرياح تحت قدمي بينما هرولت خلفها. لقد حرصت على تتبع أخبار سيلفي ولكن لم يمثل ذلك مشكلة كبيرة نظراً لأن كلآ منا أنا وهي كنا مرتبطين عقلياً. وحتى مع اتساع المسافة بيننا، ظل الاتصال قوياً، واستطعت أن أستشعر أن سيلفي كانت تقتنص فرائس صغيرة، مما أثر علي بمزاجها المبتهج أيضاً.
استمرت الرحلة بضع ساعات وبدأ الظلام يحل. والسبب الوحيد الذي جعلني قادراً على مواكبة جاسمين، حتى عندما كانت في مرحلة الأصفر الداكن، كان بفضل استخدام دوران المانا طوال الطريق. لقد أصبحت هذه المهارة بمثابة الطبيعة الثانية لي الآن حيث كنت أستخدمها لا شعورياً كلما بذلت المانا.
بحلول وقت متأخر من المساء، كنا قد اجتزنا غابة كثيفة ووصلنا إلى مساحة صغيرة خالية. وحولها الأشجار، كانت هناك رقعة صغيرة من العشب يجري من خلالها جدول من الماء الصافي.
"سنعسكر هنا لأيام قليلة"، أعلنت جاسمين وهي تضع حقيبتها وتخرج زوجاً من الأغراض.
"ألم نكن ذاهبين إلى زنزانة على الفور؟" وضعت حقيبتي أنا الآخر.
اكتفيت بهز رأسها، ملتقطة بعض فروع الخشب وجامعة إياها معاً.
دخلت إلى الغابة، فوجدت بعض الفروع ذات الحجم اللائق لصنع نار بها. وبعد قليل، كانت لدينا نار تتفرقع وتفرقع في منتصف معسكرنا. وجعلت نفسي مرتاحاً، فأزلت قناعي وجلست بصمت بجانبها، بجوار النار.
محاولاً كسر الصمت، سألت جاسمين: "ما الذي جعلك ترغبين في أن تصبحي مغامرة؟"
"..."
لم تحول نظرتها قط عن النار وبعد بضع دقائق أخرى من الصمت المحرج، أطلت النظر إلى اللهب، مفترضاً أنها لا تريد الإجابة.
"أردت الابتعاد عن عائلتي." كدت أفوّت ما قالتْه بسبب مدى هدوء حديثها وسط خشب النار وهو يتشقق بشراسة.
"أرى... أكنت في علاقة سيئة مع عائلتك؟" رددت وعيناي مركزتان على النار.
"..."
"كان منزل فليمزورث مساهماً رئيسياً في الحرب ضد الإلف. لقد قدم منزلنا العديد من السحرة الأقوياء، سواء السحرة العاديين أو الزائدين. وكان سلالتنا في عنصر سمة النار يضاهيها أحد. لقد فخرنا كثيراً بهذا، لأن النار تعتبر الأقوى بين العناصر"، هكذا صرحت بنبرة رتيبة.
على الرغم من جملها القصيرة، كان هذا أكثر ما تحدثت به جاسمين في جلسة واحدة.
"ولكن يا جاسمين، ألستِ..." نظرت إليها وهي تومئ استجابة لذلك.
"منذ وقت مبكر، عندما استيقظت لأول مرة وبدأت التدريب، حاولت عائلتي اختبار مانا الخاصة بي لمعرفة تقارب النار. مررت باختبارات مختلفة لكي يروا كيف كانت مانا تُبذل وكيف كانت تتدفق عبر قنوات المانا الخاصة بي." أخذت استراحة ونكزت النار قبل أن تستتابعة حديثها. "عندما اتضح أنه لم يكن لدي أي استعداد لسمة النار، اعتبرتني عائلتي أدنى شأناً."
"..."
لم أكن أعرف كيف أرد عليها. وللمرة الأولى، بدت جاسمين المتجهمة والباردة دائماً...ضعيفة.
"أنا آسف لما حدث..." كان هذا هو الرد الوحيد الذي تمكنت من تلفظه.
هزة رأسها، فمنحتني ابتسامة خفيفة. "لقد عاملني التوأم القرني بشكل جيد ولا أكرهم ما أنا عليه."
ألقيت نظرة سريعة على كفها بينما كانت جاسمين تشكل دوامة صغيرة من الرياح، ومشاعر مختلفة تسري عبر وجهها وهي تتفرس في يدها.
كان هذا العالم مكاناً للتمييز والتصنيف. إن الجذور الهرمية المترسخة في هذه الأرض لن تختفي حقاً أبداً. اعتبر البشر العاديون أشخاصاً من الدرجة الثانية، بينما حتى بين السحرة، تم التمييز ضد الزائدين من قبل السحرة العاديين. لقد تجاوز الأمر ذلك لدرجة أنه، ما لم يكن المرء منحرفاً أو متخصصاً في عنصر مزدوج، فإن بعض العناصر اعتبرت "أعلى طبقة" من غيرها.
ولكونها مولودة من عائلة من سحرة سمة النار الأقوياء، فقد تم التخلي عنها باعتبارها أدنى شأناً بسبب سمة العناصر التي تمتلكها؛ وهو أمر سيقتل معظم السحرة لاكتسابه. لقد كانت زائدة صفراء داكنة ماهرة في القتال ومعالجة المانا في سن الرابعة والعشرين المزهرة. سيعتبرها الكثيرون عبقرية ولكن من المعايير التي نشأت معها، اعتبرت نفسها أدنى شأناً.
وضعنا المزيد من الخشب ليدوم طوال أبرد أجزاء الليل وفرشنا أكياس النوم الخاصة بنا على بعد بضع أقدام حتى نتمكن من الشعور بالحرارة.
مستلقياً، توغلت في عقلي لأشعر بوجود سيلفي. كانت على مسافة جيدة ولكن كان بإمكاني معرفة أنها كانت بأمان. لقد أرسلت لي فكرة تأكيد، قائلة ألا أقلق وأن علي البقاء آمناً أنا الآخر.
مغلقاً عيني، انتظرت الانجراف للنوم عندما سمعت جاسمين تمتم بشيء ما.
"...إنه لأمر غريب. عندما أتحدث إليك، لا يبدو الأمر وكأنني أتحدث إلى طفل."
لم أرد. متظاهراً بأنني نائم، أملت ألا تدفع الأمور أكثر للحصول على رد.
"صباح الخير." كانت جاسمين مستيقظة وتطبخ شيئاً فوق النار بحلول الوقت الذي استيقظت فيه وخرجت من كيس النوم الخاص بي.
أطلق معدتي قَرْقَرَةً لتذكرني بأنني لم آكل شيئاً منذ بعد ظهر أمس بينما نظرت بجوع إلى الأسماك المعلقة التي كانت تُشوى على النار.
"صباح الخير! كان يجب أن توقظيني يا جاسمين. لا داعي لأن تقومي بكل الأعمال المنزلية وحدك."
"...لقد حاولت إيقاظك... ولم تكن لتتحرك." عيناها نصف المغمضتين اللتان تعطيان نظرة لا مبالية نظرتا إلي بقلق. "لو لم أسمعك تتنفس، لكنت ظننتك جثة."
"هاها..." أطلقت ضحكة محرجة. "أنا آسف، حقاً أحتاج لإصلاح ذلك."
بعد التهام السمك المشوي على الفطور، أخمدنا النار. وباستخدام الجدول المجاور للاستحمام ونفض ملابسي، ارتديت قناعي وسيفي، مفترضاً أننا سنذهب لصيد بعض الوحوش السحرية حول المنطقة، عندما أوقفني جاسمين.
"خصمك طوال هذه الأيام سيكون أنا."
"هاه؟" لم أستطع إلا أن أتفاجأ بهذا التحول في الأحداث. هل جئنا طوال هذا الطريق لنتدرب بالسيوف؟
"هذه المنطقة قريبة من الزنزانة التي سنستكشفها، ولكن طوال هذه الأيام، أيدك أن تركز على قتالك لي. لاحظت أن أسلوب قتالك يبدو... محرجاُ في بعض الأحيان. مثل أنك تعرفه في رأسك، ولكن جسدك لا يستمع إليك... أو شيئاً من هذا القبيل."
مستلة خنجريها، أشارت بواحد نحوي، متابعة: "لن نستخدم أي نوع من المانا طوال هذين اليومين أثناء التدريب."
لم أكن أتوقع أن تدرك جاسمين ما كنت قلقاً بشأنه، لكنها كانت فرصة جيدة.
"فكرة جيدة"، أجبْتُ، مستلاً سيفي القصير.
"استخدم سيفك الآخر..." تحولت عينا جاسمين نحو أغنية الفجر.
"كيف عرفتِ أن هذا سيف؟" لم أكن أنوي إخفاء سلاحي عنها لكنني ما زلت فوجئت.
"بمعرفتك، يجب أن يكون هذا العصا السوداء شيئاً أكثر من مجرد عصا أو عصا تدريب"، هزت كتفيها، مشية خطوات قليلة أقرب إلي.
مامناً إياها إيماءة تأكيد، رميت السيف القصير بالقرب من نار المعسكر.
بينما انزلق السيف بلا صوت من غمده، توهج النصل الشفاف بلون مخضر فاتح بينما عكس الأشعة القوية للشمس.
حاملاً إياه أمامي، وضعت نفسي في وضعية الاستعداد. "جاهز متى شئتِ."
"أ-أجل"، تلعثمت جاسمين بينما ظلت عيناها متسمرتين على أغنية الفجر.
قمنا بتخفيف حواف أسلحتنا باستخدام المانا قبل البدء. ودون مانا تقوي جسدي، أدركت كم كنت أهمل نفسي حقاً. بعد بضع تلويحات، شعرت أن ذراعي ثقيلتان وترتجف ساقاي وهما تدفعان بضعف عن الأرض.
كان هذا خطئي. كنت أعرف حدود جسدي اليافع، ولكن بدلاً من محاولة إصلاح عيوبي، اخترت فقط إخفاءها باستخدام المانا.
بينما كان السحر في هذا العالم قادراً على أشياء كثيرة، يجب استخدامه فقط كملحق لقدراتك، وليس كبديل لتغطيتها.
اندفعت للأمام بطعنة حادة تستهدف عظمة قص جاسمين. على الرغم من أن سيوفنا كانت مطلية لمنع الإصابات المميتة، إلا أنها ستترك كدمات بل وحتى عظاماً مكسورة إذا أُخذت باستخفاف؛ مما جعل تجربة التدريب أكثر كثافة وواقعية.
لوحت جاسمين بخنجريها للأسفل في قوس خارجي، صادّة طعنتي ومسددة نصل سيفي إلى الأرض.
أحضرت قدمي الخلفية للأمام للحفاظ على التوازن بينما غرق نصل الأخضر المزرق الخاص بي في الأرض أدناها. ومع ذلك، بحلول ذلك الوقت، كانت جاسمين قد أعادت خنجريها إلى وضعيهما للمتابعة بضربة سريعة هابطة للأسفل.
مستخرجاً سيفي، قمت فوراً بإدارة جسدي إلى الجانب لتجنب الضربة العلوية. وبينما مر خنجراها بأمان متجاوزين قميصي الفضفاض، ركلت ذراعها بعيداً وخطوت مبتعداً إلى مسافة أكثر راحة.
كانت ذراعي تحترقان من الحركات السريعة والمتتالية بينما وضعت سيفي في وضعية دفاعية.
"إنه فوزي"، قالت جاسمين، مستلة خنجريها ببراعة في غمديهما المربوطين بفخذيها.
"أنت محقة"، ضحكت وأنا أسقط أغنية الفجر على الأرض. لقد تدربنا لأقل من خمس دقائق بقليل ولكن ذراعي وساقي صرختا اعتراضاً من الإفراط في الاستخدام. مدلكاً ساعدي، التقطت نصلتي مرة أخرى وأنزلتها في غمدها الأسود.
انتهى النزال بوجود الغلبة لها، ولكن لم تكن لدي القوة للمتابعة. لقد كانت خسارتي.
"مهلا يا جاسمين، أعتقد أنني سأحتاج إلى أكثر من بضع أيام لحل هذا الأمر"، اعترفت بضحكة.
التوت شفتاها قليلاً وهي تومئ موافقة.
كان لدي ثلاث سنوات قبل أن ألتحق بأكاديمية زايروس. وخلال وقتي في المدرسة، سيكون لدي الكثير من الفرص للتركيز على دراسة المانا.
كنت أعرف ما هي أولوياتي في هذا الوقت.
حاسباً حساباً تقريبياً في رأسي، رفعت إصبعين. "عامان يا جاسمين. سأكرس عامين لجعلي جسدي يتكيف حقاً مع قتال السيوف دون الاعتماد على المانا."
"هذا كل شيء؟" قالت، مندهشة.
"فقط راقبي"، ابتسمت بابتسامة خبيثة.