الفصل 167: الترابط بين الصدمات [1]
حدث كل شيء بسرعة كبيرة لدرجة أن الفتيات لم يتمكنّ من رد في الوقت المناسب.
تنقيط… تنقيط…!
بينما كانت أنظارهنّ مركزة على من كانوا يصرخون، تردد صوت تنقيط خافت من جانبهن.
تفاجأت الفتيات، وأدرن رؤوسهن نحو مصدر الصوت، لتسقط أنظارهن على ليون، الذي بدا بحالة غريبة.
“ليون…؟”
كانت إيفلين أول من اقترب منه.
كلما اقتربت أكثر، أصبح واضحًا لها وللأخريات أن هناك خطبًا ما.
“ليون!”
نادته عدة مرات، لكنه لم يرد. بدا واعيًا، على الأقل بدا مدركًا أنهن يحاولن التحدث معه.
ومع ذلك، بدا وكأنه لا يعرف كيف يتصرف.
كان الأمر أشبه بتوقف قدراته الإدراكية تمامًا.
تنقيط.
استمر الدم بالتنقيط من فمه بينما كان يحدق فيهن بخواء.
مائلًا رأسه، نظر إليهن نظرة فارغة.
كان هناك شيء مخيف بشكل خاص بشأن الحالة التي كان فيها ليون، إلى درجة أن كيرا شعرت بالحاجة إلى التراجع قليلاً.
شعرت أويف بنفس الشيء.
شيء في حالته الحالية جعل صدرها ينقبض.
إيفلين كانت الوحيدة التي اقتربت منه.
“ليون؟ هل تسمعني؟ ليون!”
نظرًا للصراخ من حولهم، لم يلاحظ أحد الفوضى التي أحدثوها.
على الأقل، حتى تحولت عينا ليون إلى اللون الأبيض وبدأ جسده يهتز.
”….!”
ارتجفت الفتيات من المنظر.
بدا القلق واضحًا على وجه إيفلين.
“ليون!”
لكن الأوان كان قد فات.
“هييييييييك—”
بدأ هو الآخر يصرخ.
صرخاته، تمامًا مثل الآخرين، اخترقت الأجواء.
الأسوأ من ذلك كله، أنه كان ينظر إلى المنطقة الداخلية من الملجأ.
تمامًا كما كان يفعل الآخرون.
“هييييييييك—”
تغير ليون المفاجئ جعل الفتيات في حالة صدمة، ولم تعرف أي منهن كيف تتصرف.
استغرق الأمر تدخل أحد أعضاء النقابة لإيقاع ليون أرضًا حتى يستفيقوا من صدمتهم.
“ليون…!”
أسرعت إيفلين لرؤية ليون، لكن تم دفعها فجأة من قبل أعضاء النقابة.
“تراجعي! الوضع حساس. إنه سيصاب بصدمة صرع. يجب أن نهدئه أولاً.”
وبالفعل، كما قال عضو النقابة، بدأ جسد ليون بالارتعاش على الأرض.
ظهرت الرغوة من فمه، بينما اهتز جسده بالكامل.
بفضل التجارب السابقة، عرف أعضاء النقابة ما يجب فعله وتمكنوا من تهدئته بسرعة.
كان الأمر نفسه مع الآخرين في الملجأ.
“بسرعة! أخرجوه من هنا!”
“أسرعوا!”
وُضع ليون على نقالة وحُمل خارج المنطقة.
طوال الوقت، لم تستطع إيفلين والبقية فعل شيء سوى المشاهدة.
“ما… هذا بحق الجحيم.”
كانت كيرا أول من كسر الصمت، بصوتها المرتجف قليلاً.
من الواضح أنها كانت متأثرة بما حدث.
”….. أفهم ما حدث للآخرين، لكن ليون تحديدًا؟ كيف يكون هذا منطقيًا؟ أليس هو الأفضل بعد جوليان؟”
لم ترد الفتاتان على كلماتها.
ولكن كان واضحًا أنهما شعرتا بنفس الشعور.
“هذا غير منطقي.”
تحدثت أويف أخيرًا.
وهي تضغط على ذقنها، عادة اكتسبتها مع الوقت، نظرت نحو المنطقة الداخلية من الملجأ وعضّت شفتيها.
”….لماذا ينظر الجميع في هذا الاتجاه؟ هل يمكن أن يكون هناك خطب مع جوليان؟”
“آه.”
أطلقت إيفلين صوتًا غير واعٍ عند ذلك.
على الفور، نظرت الفتاتان الأخريان إليها، لكنها لوحت بيدها.
“لا، لا شيء.”
… كانت فقط قد تذكرت ماضيًا أرادت نسيانه.
“لا، لقد تغيّر. لقد تغيّر.”
رغم شكوكها، كانت تثق بحكم ليون.
”….ومع ذلك، كان أقرب شخص إليه.”
عضت إيفلين شفتيها.
من الطريقة التي كان الجميع ينظرون بها إلى اتجاهه، إلى كيف تأثر ليون أيضًا.
كل الأدلة تشير إلى جوليان.
حقيقة أنها رأت كيف كان جوليان حقًا في الماضي زادت من شكوكها.
ومع ذلك، لم تقفز إلى الاستنتاجات.
“جوليان ليس غبيًا.”
جوليان قد يكون قد تغير، ولكن سواء في الماضي أو الحاضر، لم يكن غبيًا.
لا يمكن بأي حال أن يفعل شيئًا يفضح هويته هكذا.
من المحتمل جدًا أنه قد تم اتهامه ظلمًا.
“جوليان يتعرض لتلفيق التهم.”
يبدو أن أويف كانت تعتقد ذلك أيضًا.
“هاه؟ تهم ملفقة؟”
بدت كيرا مرتبكة.
“بشأن ماذا؟”
نظرت إليها أويف، ولم تكترث بالجدال معها ووضحت.
“هل لاحظت كيف أنه في اللحظة التي يصرخ فيها أحدهم، ينظر الجميع إلى اتجاه جوليان؟”
“أوه، نعم.”
“ما أحاول قوله هو أنه يتعرض لتلفيق تهم. لو كان حقًا مسؤولًا، لما فعل شيئًا يعرض هويته للخطر هكذا. إما يتم تلفيق التهم له، أو استهدافه.”
”….آه، صحيح. ربما.”
حكت كيرا أنفها.
“لكن لماذا يستهدفونه؟”
“كيف لي أن أعرف؟”
دحرجت أويف عينيها، بينما عبست كيرا.
وضعت كيرا يدها في جيبها واقتربت من أويف.
“ماذا؟”
”….لا شيء.”
“من الواضح أنه شيء ما. ما هذا الوجه؟”
“إنه فقط وجهي الطبيعي.”
“هراء! كنتِ تفكرين في شيء ما، من الواضح.”
“لماذا تستخدمين كلمات فظة هكذا؟”
“وما المشكلة؟ ما رأيك أن تمتصين خصيتي….”
م:م: تمنيت اني لو لم اقم بترجمة حديثها 🙃
”….؟”
شعرت أويف في البداية بالحيرة، لكن عندما استوعبت كلمات كيرا، بدت عليها علامات الاشمئزاز.
“هذا مقرف.”
“مثل أنني—”
“توقفي.”
قاطعت إيفلين فجأة. وهي تتنقل بنظراتها بين الاثنتين، عقدت حاجبيها.
“ما خطبكما؟”
التفتت أويف وكيرا نحوها.
وقبل أن ينطقا، رفعت إيفلين يدها لإيقافهما.
“لا، لا أريد سماع شيء. هذا ليس الوقت المناسب لذلك.”
كان هناك شيء شرير في داخل الملجأ. كان من الصعب تفسيره، لكن إيفلين شعرت بوضوح أن الوقت ينفد.
مهما كان ما يحدث، كان يتسلل إليهم تدريجيًا.
في الواقع، بما أن ليون قد وقع ضحية لما يحدث، فلا يوجد أي ضمان أنهم في أمان.
نظرت حولها، ورأت الهلع الواضح على وجوه الناس، فحاولت أن تجبر نفسها على الهدوء.
“بهذا المعدل، سنقع في مشكلة. ما اسمها مرة أخرى؟ شجرة الأشواك؟”
“إيبونثورن.”
صححتها أويف، بينما عقدت كيرا حاجبيها.
“شجرة ماذا؟”
“قلت ذلك لتوي.”
“أجل، سمعت. لكن ما هذا بحق الجحيم؟”
عند سماع كيرا وهي تلعن، تقلص وجه أويف قليلًا، لكنها تمكنت من كبح نفسها وبدأت تشرح.
“إنه شيء كان ليون وجوليان يحققان فيه قبل حدوث كل هذا.”
“هاه؟ حقًا؟”
“نعم.”
أخذت أويف نفسًا عميقًا واستعدت لتكمل، لكن كيرا قاطعتها فجأة.
“إذا كان الأمر كذلك، هل تعتقدين أن سبب وقوعهم في هذه المشكلة هو بسبب ذلك؟ قلتِ أنهم تعرضوا لتلفيق التهم، أليس كذلك؟ ماذا لو أدرك الذين وراءهم أن الاثنين كانا يتجسسان؟”
في البداية، كانت أويف مستعدة لرفض كلمات كيرا.
لكن عندما فكرت في الأمر، وجدت أنها غير قادرة على ذلك.
في الواقع، كلامها كان منطقيًا.
رفعت رأسها لتنظر إلى إيفلين، التي بدا أن لديها نظرة مماثلة من الإدراك على وجهها.
”…..لعنات.”
انزلقت كلمة من فم أويف.
“آه!”
بحلول الوقت الذي أدركت فيه ذلك، كان الأوان قد فات.
غطت فمها، ونظرت إلى كيرا التي كانت تحدق بها بعينين متجعدتين.
عضت أويف شفتيها واستعدت لانتقاد محتمل بكلمة “منافقة”، لكن بشكل غير متوقع، لم تقل كيرا ذلك.
بل،
“هذا ليس النطق الصحيح.”
بدت كيرا أكثر انزعاجًا من أن الكلمة لم تُنطق بشكل صحيح.
“إنها لعنة. ليست لعنات أو ما شابه. ما خطبك؟”
***
“هووو.”
أخذت نفسًا عميقًا، واختفت الجذور التي كانت تتشابك حول جسدي كالمعتاد.
لكنني لم أشعر بالراحة بسبب ذلك.
بل شعرت بزيادة في الإلحاح.
”….ما الذي أفعله؟”
نظرت حول الغرفة، ولم يكن هناك شيء أستطيع فعله.
نظرًا لقدراتي الحالية، لم أكن أستطيع إجبار نفسي للخروج من الغرفة.
ليس هذا فقط، حتى لو خرجت، ماذا سيحدث بعدها؟
كان هناك الكثير من الأشخاص الأقوى مني.
“هاه.”
شعرت بالعجز.
كلانك—
قطع سلسلة أفكاري صوت فتح باب الغرفة، ودخلت عدة شخصيات.
شعرت بالارتباك، ونظرت إليهم.
كانوا يرتدون زيًا أسود، وتعلو وجوههم تعابير جادة.
لم يعجبني ما قد يحدث…
“حدثت حادثة في القطاع الخارجي.”
قال رجل طويل ذو شعر أسود ممشط، يرتدي نظارات بإطار مربع، وعينين حادتين.
أثناء حديثه، ارتدى زوجًا من القفازات الجلدية السوداء.
“هل تعرف شيئًا عن ذلك؟”
حادثة في القطاع الخارجي؟
“هل حدث شيء مرة أخرى؟”
قبل أن أتمكن من سؤالهم، اصطف عدد من الرجال بالزي الأسود خلفي.
“آه؟”
نظرت حولي بحيرة.
“ماذا—أوك.”
شعرت بشعري يُسحب من الخلف بينما نظر إليّ الرجل القائد مباشرة في عيني.
“حادثة مماثلة حدثت من قبل. خمن أين كانوا ينظرون.”
”….”
في تلك اللحظة، فهمت أخيرًا ما يجري.
“الأمور لا تسير كما أريد.”
“سأطلب منك بلطف الآن. ماذا تعرف عن الوضع؟ تحدث الآن بينما ما زلت لطيفًا. أفهم أنك شخص مهم، ولكن لا يمكننا تحمل معاملتك كالشخص الذي أنت عليه بالنظر إلى الظروف الحالية. أنا متأكد أن “هافن” ستتفهم أسباب أفعالنا.”
”….”
ظللت صامتًا.
سواء أجبت أم لا، كانت النتيجة واحدة.
إن قلت إنني لا أعرف، سيقولون إنها كذبة.
في هذه الحالة، فضّلت أن أظل صامتًا وأبقيت نظري ثابتًا عليه.
“لا تريد أن تتكلم…؟”
بانغ—
شعرت برأسي يُضرب على الطاولة المعدنية أمامي.
على الفور، أصبحت رؤيتي ضبابية، وشعرت بدوار في ذهني.
مع ذلك، لم أُصدر أي صوت.
“ستتكلم الآن؟”
”….”
واصلت التزام الصمت.
بانغ—
وتكرر المشهد.
رأسي اصطدم مرة أخرى بالطاولة.
“لا أريد فعل هذا. إذا تكلمت الآن، لن أضطر لفعل هذا.”
”….”
بانغ—
“ستتكلم الآن؟”
”….”
بانغ—
“ما زلت لن تتكلم؟”
”….”
بانغ—
فقدت العد لعدد المرات التي تم فيها ضرب رأسي بالطاولة.
الألم كان هناك، لكن يمكنني تحمله.
المشكلة أنني بدأت أفقد الوعي ببطء.
رؤيتي أصبحت مشوشة، وشعرت بإحساس رطب ينزل عبر أنفي.
لحسن الحظ، لم يستمر “الاستجواب” طويلًا.
”….سيدي، المتدرب غير مستجيب.”
“أرى ذلك.”
أخيرًا، أطلقوا سراح رأسي، وشعرت بجسدي يتهاوى على الكرسي.
رغم أنني كنت واعيًا، إلا أنني بالكاد أستطيع الحركة.
جسدي رفض أن يستجيب لي.
وسط رؤيتي الضبابية، استطعت تمييز ملامح الرجل الذي كان يتحدث سابقًا.
“سنأخذ استراحة الآن. سأعود لزيارتك مرة أخرى. عندما تشعر بالرغبة في الحديث، سيتوقف كل هذا.”
ثم خرج مع الآخرين، تاركًا إياي وحدي في الغرفة.
كلانك—
ساد الصمت الخانق المكان بينما كنت أحدق بسقف الغرفة بصمت.
صمت كسرته بنفسي.
”….لم يلاحظ.”
أدرت رأسي قليلًا، وتمكنت من رؤية ذراعي اليمنى.
خرجت الكلمات من فمي بينما أغلقت قبضتي.
“خافيير مكدانيلز. أب أعزب لطفلين. توفيت زوجته في حادث العام الماضي.”
أغلقت عينيّ، ومرت عدة ذكريات أخرى في ذهني.
“هاااه..”
أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت عيني مجددًا.
“أحتاج إلى وقت أطول قليلاً.”
___________________
ترجمة : TIFA