الفصل 116: مثير للاهتمام [2]
اللحظة التي خرج فيها جوليان وأتباعه من المتاهة، لم يقل أي من المشاهدين شيئًا.
وقفوا في صمت يحدقون بهم.
… أو بالأحرى بجوليان تحديدًا.
مرة أخرى، جذب انتباه الجميع. لقد استحوذ على العرض مجددًا. ما فعله كان محفورًا في ذاكرة الحاضرين.
كان الأمر لا يُنسى.
في أحد أركان مدرجات الساحة، كان هناك رجل يتكئ على مقعده وهو يحدق بجوليان في الأسفل.
كان يرتدي قبعة و معطف بنيتين.
“…. كان عرضًا جيدًا.”
كان من الصعب تحديد من كان يخاطب، إذ لم يكن هناك أحد بجانبه.
“إنه بالتأكيد طالب سنة أولى قوي للغاية. لكن من المدهش كيف تمكن من هزيمة الوحش بمفرده.”
قد يكون بقية المتدربين قد بذلوا جهدًا بسيطًا لإرهاق الوحش، لكن في النهاية، هو من هزمه.
“الأمر مجنون.”
مد يده وأزال قبعته، كاشفًا عن شعره الداكن وعينيه البنيتين العميقتين. لم يكن سوى المحقق نفسه.
وهو يلمس ذقنه، مال قليلًا إلى الخلف.
“…. يكاد يكون وكأنه قد تناول شيئًا.”
بمجرد أن نطق بهذه الكلمات، استأذن جوليان، نجم العرض الرئيسي، وغادر.
تابعت عيناه خطواته حتى خرج.
“أوه…”
أغلق عينيه للحظة قصيرة، ثم أعاد وضع قبعته على رأسه وتمدد.
“…. يبدو أن الوقت قد حان للقيام بعملي أيضًا.”
“هاه…”
أجد صعوبة في التنفس. نظرت حولي، بدا العالم يدور. لم أستطع الرؤية بوضوح وكان من الصعب عليّ المشي.
رغم ذلك، ظللت أُبقي ملامحي صلبة وواصلت السير. كنت قد غادرت الساحة وفريقي منذ وقت طويل.
لم يحاولوا إيقافي، وتركوا لي حرية الذهاب. ربما كانوا مصدومين من أفعالي داخل الغرفة.
كان ذلك جيدًا بالنسبة لي.
“هاه… هاه…”
لم أكن أعلم إلى أين أنا ذاهب.
كنت أتجول بلا هدف في أرجاء حرم الأكاديمية.
‘بهذا المعدل، سأموت.’
كان ذلك واضحًا بالنسبة لي. صدري يحترق، وساقاي بدأت تتوقف عن التحرك.
الطاقة الزائدة التي كانت تتدفق في جسدي كانت تهدد بالانفجار في أي لحظة. يمكنني بالفعل تخيل مشهد ينفجر فيه جسدي إلى ملايين القطع فجأة.
‘… هذا ليس جيدًا.’
أثناء مشيي، شعرت بنظرات المارة تتجه نحوي.
بعضهم توقف ليتحدث همسًا مع بعضهم البعض، بينما اكتفى آخرون بالتحديق بي من بعيد.
ألقيت عليهم نظرة قصيرة قبل أن أواصل السير.
كنت متعبًا لدرجة أنني لم أستطع التمييز إذا كانوا ينظرون إلي بسبب أدائي، أو لأنني كنت أبدو مريضًا بشدة.
‘… إلى أين أذهب؟’
إلى المستوصف؟
لا، بالطبع لا.
إذا فعلت ذلك، سيكتشفون كل شيء عن العقار الذي تناولته. السبب الوحيد الذي لم يجعل أحدًا يشك في شيء هو أنه قبل دخول المتاهة، تم تفتيش جميع الطلاب من قبل مفتشي الأكاديمية.
لم يُسمح لنا سوى بجلب الأساور. وكانت الأكاديمية توفر الأسلحة.
العقار كان شيئًا لم يتخيل أحد أنني سأتمكن من الحصول عليه.
في الوقت الحالي، لم يكن هناك أي خطر.
… لكنني كنت أعلم أنني لم أخرج بعد من منطقة الخطر.
إذا فقدت الوعي هنا وأُرسلت إلى المستوصف، فسيصبح من الواضح فورًا أنني قد تناولت شيئًا.
أطباء الأكاديمية لم يكونوا سُذّجًا لهذه الدرجة.
‘لا يمكنني السماح بحدوث ذلك.’
سيُدمر كل ما حاولت بناءه بصعوبة.
“…..”
توقفت خطواتي تدريجيًا.
‘هل ليس لدي خيار…؟’
كان هناك مكان واحد في ذهني. مكان يمكن أن يحل جميع مشاكلي.
قبضت يدي ووضعتها على فمي.
“كحة…!”
سعلت، وشعرت بشيء يخرج من فمي.
تنقط! تنقط…!
لم أحتج إلى النظر لفهم ما كان عليه.
مسحت الدم سريعًا من فمي، وأغلقت عيني، وواصلت السير مجددًا.
هذه المرة، كان لدي اتجاه.
***
“هممم.”
داخل مكتب أطلس — مكتب واسع يطل على الأكاديمية بأكملها من الأعلى.
“تم الإبلاغ عن سبعة وعشرين حالة وفاة. جميعهم من المتدربين في الأكاديميات ذات التصنيف المنخفض. لم نعلن عن الخبر للجمهور بعد.”
أثناء استماع أطلس إلى صوت مساعدته، بقي جالسًا بملامح جامدة. أغلق عينيه للحظة وجيزة، محاولًا ضبط تعابير وجهه بينما استمرت مساعدته بالحديث،
“بفضل ظهور جوليان وأتباعه في منتصف الأحداث، تمكنا من تهدئة بعض الاحتجاجات بخصوص عدم ظهور بعض فرق المتدربين على شاشة العرض الرئيسية.”
كان هذا ملخصًا عامًا للوضع.
في كل مرة يُذكر فيها اسم “جوليان وأتباعه ”، كان حاجباه يرتعشان قليلًا. لكنه سرعان ما اعتاد على ذلك.
رغم أن الامتحانات نصف السنوية لم تنته بعد، إلا أن الفائز قد حُسم. بفارق نقاط ساحق، تصدروا الترتيب.
مع الوقت المتبقي، لم يكن من المستحيل على الفرق الأخرى الاقتراب منهم، لكنهم كانوا مرهقين للغاية للقيام بذلك.
في النهاية، كان من الآمن الافتراض أن فريق [جوليان وأتباعه ] سينتهي بهم المطاف في المركز الأول.
لكن المشكلة الآن كانت مختلفة.
“كيف يجب أن نبلغ رؤساء الأكاديميات الأخرى بالخبر؟ ظهور جوليان ومساعديه هدّأهم قليلًا. ربما كانوا يفكرون؛ إذا توقفت أجهزتهم التسجيلية أيضًا، وظهروا بعد فترة قصيرة، فمن المؤكد أن الأمر ليس خطيرًا.”
توقفت المساعدة عن الكلام.
“لكن…”
“… لن نتمكن من تهدئتهم لفترة أطول.”
أكمل أطلس الكلمات بدلًا عنها.
“في النهاية، سنضطر لإخبارهم بالحقيقة حول ما حدث.”
“نعم.”
فتح أطلس عينيه ببطء، كاشفًا عن بؤبؤيه الأصفرين. وضع يده على المكتب الخشبي المقابل له وبدأ في النقر بأصابعه بخفة.
“أخبريهم أن يزوروني.”
“نعم؟”
“سأخبرهم بالخبر شخصيًا.”
“آه…”
بدت المساعدة متفاجئة. لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها وأومأت برأسها بفهم.
“مفهوم.”
“… يمكنك المغادرة.”
“سأخبرهم كما أمرت.”
بخطوات هادئة، غادرت الغرفة، تاركة أطلس وحده في مكتبه. وبمجرد مغادرتها، ظل جالسًا على كرسيه.
“…..”
غرق المكتب في حالة من الصمت.
وسط هذا الصمت، خفض أطلس رأسه لينظر إلى أحد أدراج مكتبه. بقي يحدق به لدقيقة كاملة قبل أن يفتحه ويسحب زوجًا من القفازات السوداء، ثم بدأ في ارتدائها.
كان هذا نوعًا من الطقوس التي اعتاد عليها عندما يكون على وشك القيام بشيء مهم.
بمجرد أن انتهى من ارتدائها، سُمع صوت طرق على الباب.
تو توك—
“…. هذا سريع للغاية.”
بدا عليه المفاجأة وهو يقول:
“ادخل.”
كلانك—
فتح الباب، لكن الأشخاص الذين كان يتوقع حضورهم لم يظهروا. بدلًا من ذلك، دخل شاب ذو شعر أسود فاحم وعينين عسليتين.
كان من الواضح من لحظة وصوله أنه يتميز عن غيره. لكن ما لفت الانتباه إليه في تلك اللحظة لم يكن مظهره، بل المانا المنبعثة من جسده.
كانت قوية للغاية.
“… همم؟”
مال رأس أطلس قليلًا عند رؤية الشاب.
فيكدا.
لم يكن يتوقع حضوره هنا.
كلانك—
بينما فتح فيكدا الباب وأغلقه خلفه، ألقى نظرة سريعة على الغرفة قبل أن يجلس على الأريكة المقابلة لأطلس.
جلس براحة تامة قبل أن ينظر مباشرة إلى أطلس. وعندها لاحظ أطلس شيئًا مهمًا.
نظرته.
طريقة نظره إليه.
كانت نظرة غير مبالية. تناقض واضح عن المرة الأولى التي التقيا فيها. في ذلك الوقت، ورغم تشابه نظرته، كان أطلس يشعر بتردد بداخله.
ومع ذلك…
… تلك الريبة التي كانت واضحة من قبل اختفت تمامًا في هذه اللحظة.
“….” “….”
تبادل الاثنان النظرات للحظات في صمت تام، حيث غطى الهدوء الغرفة.
ثم، كسر جوليان الصمت بوضع يده على فمه.
“أوه…؟”
تقطر. تقطر…!
تسرب سائل أحمر من الفجوة الضيقة بين أصابعه.
ورغم ذلك، لم يحول نظره عن أطلس. بل، ازداد تركيزه عليه كما لو كان يطلب منه أن يستمر في التحديق.
“….. لقد فعلتها.”
خرج صوته مبحوحًا.
ومع ذلك، كان صوته واضحًا بما يكفي ليُفهمه أطلس.
“لقد أديت دوري.”
أومأ أطلس برأسه اعترافًا بذلك.
“رأيت.”
كيف له ألا يرى؟ لقد استحوذ على العرض بأكمله. لم يكن هناك أحد لم يشاهد أدائه.
على الأرجح، الجميع لا يزالون يتحدثون عنه.
إذن…
لماذا جاء نجم العرض إلى مكتبه؟ من الواضح أنه لديه دافع معين في ذهنه.
“….. هل جئت للاعتذار عما فعلته؟”
كان من المنطقي أن يفعل ذلك.
لقد أنفقوا الكثير من الموارد لإنجاح هذه الخطة. ومع ذلك، انهارت كلها بسبب المتدرب الشاب الواقف أمامه.
“لم يكن من السهل تكوين مجموعة بهذه الموهبة.”
ارتعشت ملامح فيكدا قليلًا عند ذكر المجموعة. لكنه سرعان ما استعاد توازنه وهز رأسه.
“لا…؟”
اعتقد أطلس أن ذلك هو السبب، لكن بشكل غير متوقع، هز فيكدا رأسه.
“إذن؟”
لم يشعر أطلس بالإهانة. في الواقع، كان قد شجعه بطريقة ما على ما فعله. لهذا السبب، لم يهتم للاعتذار.
كان فقط فضوليًا لسماع إجابته.
الإجابة التي جاءت بعد ذلك بفترة قصيرة.
“لا. لا يهمني على الإطلاق ما تظنه.”
“….؟”
تقطر. تقطر…!
بينما استمر الدم في التساقط من فجوات أصابعه، بدأت شفاه فيكدا تتحرك ببطء.
“كل ما أريده هو شيء واحد…”
وبينما كان يتحدث، تمكن من نطق كلمات أخيرة بصعوبة.
“عالِجني… اللعنة.”
انخفضت ذراعه بعد ذلك مباشرة، وبدأ الدم يتدفق من جميع فتحاته. ورغم ذلك، لم يحول نظره عن أطلس.
“إنه فاقد للوعي.”
حتى مع بقاء عينيه مفتوحتين، تمكن أطلس من إدراك أنه فقد وعيه.
كان المشهد مذهلًا للغاية.
تقطر. تقطر. تقطر.
كان الدم يتساقط على الأرض بطريقة إيقاعية.
مثل عقرب ساعة.
“…..”
حطم الصوت الإيقاعي ما كان سيصبح صمتًا تامًا.
وسط كل ذلك، تغلبت همسات أطلس على صوت الدم المتكرر.
“لا يهمني ما تظنه…؟ عالِجني اللعنة؟”
لم تكن كلمات فيكدا هي ما أزعجه. بل، لم يهتم بها إطلاقًا. كان الأمر يتعلق بنبرة صوته أثناء قوله تلك الكلمات.
كيف يمكنه وصفها؟
“وكأنه متأكد أنني سأساعده.”
نعم، هذا ما كان عليه الأمر.
… كانت فكرة جعلته يرغب في الضحك. خاصة لأنه كان على حق.
فيكدا كان لا يُقدر بثمن بالنسبة لهم. أداؤه لم يرسخ مكانته فقط كأفضل متدرب في “هافن”، بل ساعد أيضًا ديليلا للخروج من موقف صعب.
هل سيؤدي ذلك إلى جعلها تثق به أكثر؟
لم يكن أطلس متأكدًا. ومع ذلك، لا بد أن تصرفه قد أثار حيرتها.
على أي جانب يقف؟ جانبها أم جانبهم؟
“هاها.”
الفكرة جعلت أطلس يضحك.
خفض رأسه لينظر إلى فيكدا بتمعن.
“الفرق بين أن يكون شيطان محتمل وبين صاحب المقعد المنخفض ليس قوتهما، بل قدرتهما على التفكير بشكل مستقل.”
تم تقييم فيكدا على أنه مرشح لأن يكون “شيطان محتمل”.
م:م:يوجد احتمال ان اغير اسم الرتبه في المستقبل
من خلال النظر إلى حالته، وكيف ذهب إلى حد استهلاك العقار المخصص لوحش الزعيم، تمكن أطلس من رؤية سبب هذا التقييم.
لكن في الوقت نفسه، استطاع أن يرى شيئًا آخر.
شيئًا أكثر ذكاءً…
مرة أخرى، ضحك أطلس.
“….. مثير للاهتمام.”
____________
ترجمة : TIFA