"والآن، هل هذا كل ما تعرفه؟"
سأل ريوس بنفس الابتسامة اللطيفة، ولم يتغير على وجهه أي شيء.
"لقد.. سمعت.. هم… ذات مرة… يقولون إنهم… يريدون…. التخلص منك… ومن الملكة!"
تنفس الرجل بصعوبة، وبالكاد استطاع التحدث ببضع كلمات، قبل أن يُغمى عليه من شدة الألم والعذاب.
لم يرد الرجل أن يعترف بهذا سابقاً، لأنه علم أنه إن قال هذا، فسيُكتب على نفسه الموت لا محالة… لكن الآن لم يعد أمامه خيار.
أومأ ريوس، ثم نظر إلى بقية المساجين، ودون أن يقول أي شيء، ودون أي تنبيه أو إنذار، مد يده نحو المساجين وخرجت منها عشرات الأغصان المرنة، ودخل كل غصن إلى جسد أحد المساجين وبدأ في سلسلة تدمير العظام والعروق، وعذاب الشفاء والتجدد، وتجربة هذا الشعور من جديد!
وبعد عدة ثوانٍ، سحب ريوس أغصانه من أجساد الخونة ونظر إليهم ببرود، وقال:
"لقد جربتم تعذيبي، وما جربتموه ليس سوى بضع ثوانٍ فقط. وقد حُكم عليكم بالإعدام على أية حال. فلماذا لا تعترفون بكل شيء دفعة واحدة وتنالون موتاً مريحاً، بدلاً من أن آتي لكم كل فترة وأعطيكم جولة أطول من هذه مائة مرة!" قال ريوس بنبرة خطيرة، ثم أضاف:
"وأعدكم أنه لو كان لدى أحد منكم عائلة، فلن أمسها بسوء. بل سأتكفل شخصياً بكل احتياجاتهم، وأعدكم أنهم لن يناموا يوماً جائعين."
عند سماع هذا، التفت الخونة إلى بعضهم البعض، وهناك من بدأ في البكاء ندماً، وهناك من فتح فمه أخيراً.
"أنا يا مولاي، أعلم أحد المخابئ التي يجتمعون بها."
تحدث أحد الخونة المقيدين ونادى على ريوس.
"تحدث، ماذا لديك؟"
التفت إليه ريوس وأومأ.
"قبل أن أتكلم، عليك أن تعدني بشيء."
نظر الرجل إلى ريوس بثبات وصلابة، وكأنه قد تقبل الأمر الواقع أخيراً.
عندما رأى ريوس هذا، ضيق عينيه ولم تعجبه نبرة هذا الرجل.
"وما الذي أعدك به؟"
"عدني أولاً وسأخبرك." قال الرجل مصمماً، ولم يتنازل عن موقفه.
"هل تريدني أن أعدك بشيء لا أعلمه؟ ماذا لو وعدتك بشيء لا أستطيع تنفيذه، هل تظنني أحمق أم ماذا؟!" رد عليه ريوس ساخراً، وكاد صبره ينفد من هذا الرجل.
"بل تستطيع فعله وبسهولة." ظل الرجل مصمماً ونظر في عين ريوس مباشرة.
نظر إليه ريوس لبضع ثوانٍ وضيق عينه، ثم أومأ له: "حسناً، إن كان هذا الشيء في استطاعتي وضمن مبادئي، فأعدك به."
عندما سمع الرجل هذا، هدأت ملامحه أخيراً واطمأن قلبه قليلاً.
"لدي ابنة وحيدة ليس لها أحد سواي، إنها بعمر الخامسة، وتركتها لدى أحد جيراني قبل أن أنطلق في مهمتي، إنها على الأرجح قلقة وتبكي على غيابي الآن. أرجوك، لقد وعدتني، اعتنِ بها جيداً ولا تخ…" بكى الرجل ندماً ولم يستطع الإكمال، ولكنه أكمل في النهاية: "ولا تخبرها أن أباها كان خائناً."
ضيق ريوس عينيه ونظر إليه لبعض الوقت، وأومأ له ووعده مجدداً:
"أعدك بهذا."
ثم نظر إلى بقية المساجين وقال: "إن كان لدى أحد منكم أي شيء فليقله."
"أنا يا مولاي..!"
"وأنا يا مولاي…!"
"وأنا أيضاً يا مولاي…!"
.
.
.
توالى المساجين في الاعتراف بجرائمهم وإعطاء وصاياهم الأخيرة.
لم يرد أحد منهم أن يجرب شعور التعذيب ذلك مجدداً، ولم يريدوا سوى الموت الرحيم والمريح.
وبعد أن أعطاهم ريوس هذا القدر من الرحمة، ووعدهم بالاهتمام بعائلاتهم وعدم فضحهم أمامهم، قرروا أخيراً فعل شيء صحيح قبل أن يرحلوا من هذا العالم.
أحضر الحراس خريطة كبيرة لمدينة النور، بالإضافة إلى العديد من الأوراق والأقلام، وبدأوا في تدوين المعلومات التي اعترف بها المساجين، وحددوا العديد من الأماكن التي يلتقي فيها الخونة، بالإضافة إلى الكشف عن مزيد من الخونة الذين ما زالوا أحراراً في هذه اللحظة!
"أنتم تعلمون ما الذي يجب عليكم فعله." أشار ريوس إلى أحد قادة الحرس وأعطاه التعليمات. "اجعلوا موتهم رحيماً قدر الإمكان!"
"أمر مولاي." انحنى قائد الحرس وأشار إلى بقية الحراس بأن يحضروا المساجين إلى المكان الذي سيتم فيه تنفيذ حكم الإعدام!
لم يشاركهم ريوس هذا الحدث، لأنه كان لديه أمور أهم يهتم بها!
وخلال لحظات، اختفى ريوس من السجن!
…..
في ظلام الليل، سار ريوس في شوارع مدينة النور وارتدى رداءً طويلاً ذا قبعة كبيرة تخفي ملامحه.
كان ريوس في هذه اللحظة يسير عاقداً حاجبيه، ذا تعابير متألمة من كثرة الأفكار التي كانت تراوده… لقد عادت إليه موجة الشكوك مجدداً بعد خروجه من السجن مباشرة.
لقد هدأت لفترة حتى ظن ريوس أنه تخلص منها أخيراً، لكن الآن أثبتت أنها لم يتخلص منها أبداً!
أنت عديم القلب!
هل أنت إنسان حتى!
لقد كنت تستطيع أن ترحمهم!
لقد كانوا ضعفاء فقراء مجبرين!
.
.
.
توالت الاتهامات والوسوسات في عقل ريوس، كل اتهام يحمل مشاعر مختلفة عن الذي قبله، تؤثر على تفكير ريوس وقراراته، ولا يعلم من أين أتت تلك المشاعر!
لكن ليس الأمر أنها لم تكن دون حل أبداً!
لقد كان ريوس يحمل حلاً مؤقتاً لها!
ضخ ريوس طاقة الحياة بكميات كبيرة إلى جسده، وتحديداً عقله وقلبه، وبدأ يجيب على تلك الكلمات والمشاعر بهدوء واتزان.
ليس لدي قلب من الأساس!
أنا شجرة ولست إنساناً!
لا رحمة للخونة!
لا أعذار للخونة!
.
.
.
هدأت تلك الشكوك والاتهامات تدريجياً تحت سيطرة طاقة الحياة، وبعد السير بعض الوقت، وصل ريوس أخيراً إلى وجهته!
وقف ريوس أمام أحد المنازل المتهالكة على أطراف المدينة، والتي بناها اللاجئون بعد الحروب المتواصلة، وأرسل حسه الروحي إلى الداخل ليتأكد مما إذا كان هذا هو المنزل المراد.
في داخل المنزل، في إحدى الغرف الصغيرة، كانت امرأة تحتضن طفلين من الجان وينامون على الأرض في هذه اللحظة.
ولكن في أحد زوايا الغرفة، كانت توجد فتاة صغيرة بالكاد في عمر الخامسة، تحتضن ركبتيها وتبكي بهدوء!
لقد وجدتك!
ابتسم ريوس ومد يده وبدأ بقرع الباب.
بانج! بانج! بانج!
انتظر ريوس لبعض الوقت حتى فُتح الباب أخيراً، وظهرت المرأة وخلفها الفتاة الصغيرة تختبئ خلفها وتنظر إلى ريوس بشوق وفضول!
"عذراً، ولكن من أنتِ؟!"
قالت المرأة بصوت مرتجف، ولاحظ ريوس أنها كانت تخفي سكيناً خلف ظهرها.
"لا تقلقي، لا أنوي سوءاً، لقد جئت من طرف والد الفتاة."
قال ريوس مطمئناً، وأشار إلى الفتاة الصغيرة خلف المرأة.
"وما أدراني أنك تقول الحقيقة؟" لم تصدق المرأة ريوس ولم تخفض من حذرها.
"هل تعلم أين والدي؟!" صرخت الفتاة بشوق وقالت بصوت بريء، لكن المرأة أعادتها إلى الخلف فوراً.
"لا داعي للقلق، فأنا صادق." مد ريوس يده وأظهر قلادة عليها صورة عائلة مكونة من ثلاثة أفراد، وكان من المعروف أنها تخص والد الفتاة، وكانت الفتاة ترتدي واحدة مثلها أيضاً.
"إنها قلادة أبي!" هذه المرة صرخت الفتاة ودفعت المرأة وركضت نحو ريوس وأمسكت بقلادة أبيها، ونظرت في عينيه مباشرة. "هل تعرف أبي؟"
"لا، عودي الآن!" صرخت المرأة فزعة، وأظهرت السكين من خلف ظهرها مهددةً بها ريوس.
"لا تقلقي يا عزيزتي، أباك كان رجلاً شجاعاً، وهو يحلق مع الملائكة الآن!" ربت ريوس على شعر الفتاة بابتسامة لطيفة على وجهه، ثم نزع قبعته ونظر إلى المرأة. "شكراً لكِ على الاعتناء بأسيل، لكنها الآن في أيدٍ أمينة، وتستطيعين أن تأتي وتزوريها في أي وقت."
نظرت المرأة إلى وجه ريوس بتفاجؤ، ثم تحول إلى صدمة، ثم تحول أخيراً إلى رعب بحت.
لقد كان ذلك الشعر وتلك العيون وذلك الوجه مميزين عن بقية الجان، ولم يكن هناك جان واحد لا يعرف هذا المظهر.
لقد انتشرت له العديد من الصور واللوحات في كل مكان… وسيكذب أحدهم إن قال إنه لم يره مرة واحدة على الأقل.
"ت.. ت… تفضل يا مولاي، تستطيع الراحة بالداخل!" ارتجف جسد المرأة وصوتها، واستدارت لكي تدعو ريوس إلى داخل المنزل، لكن عندما استدارت مجدداً نحوه… لم تجد أياً من ريوس أو الفتاة أسيل.
ولكن وجدت بدلاً من ذلك حقيبة صغيرة ملقاة على الأرض.
اقتربت المرأة من الحقيبة ببطء وحذر، ثم أمسكت بها وفتحتها… ثم فتحت عينيها على اتساعهما!
"شكراً لك يا مولاي! شكراً لك يا مولاي!"
بكت المرأة بحرقة ومسحت دموعها بأكمام ملابسها، ثم التفتت حولها بجنون خشية أن يكون أحد يراها أو يتجسس عليها، ثم أخفت الحقيبة المليئة بالذهب في ملابسها ودخلت منزلها مسرعة، وأغلقت الباب بإحكام.
بهذه الأموال، خططت للانتقال من هذا المكان الموحش إلى مكان أكثر أماناً غداً!