حلّ المساء؛ فأُضيئت مصابيح الشوارع، وأخذ الدخان يتصاعد من المداخن. كان الغسق يرخي سدوله، وكان ذلك الوقت الذي يعود فيه الناس تدريجياً إلى ديارهم.
وكان "ديزير" هو الآخر يعجل خطاه عائداً إلى السكن الطلابي للأكاديمية. ومع ذلك، لم يكن بمفرده؛ فقد كان هناك من يتبعه بلا تكلف.
«……»
لم يكن الملاحِق متلصصاً؛ فبالنسبة لمتلصص، كان هذا الشخص واثقاً أشد الثقة، بل وجريئاً بوقاحة؛ فقد أراد هذا الفرد بوضوح أن يُلاحظ وجوده.
وكان الشخص السائر خلف "ديزير" أصغر بنيةً منه، وتذرع بغطاء رأسه ليحجب وجهه عن الأنظار.
(كيف لم ألاحظ وجوده قبل الآن؟)
كان "ديزير" دائماً على أهبة الاستعداد، يراقب محيطه تحسباً لأي شيء مريب. ورغم أن مثل هذه العادة قد تجعل أي شخص آخر يبدو مصاباً بالارتياب المرضي، إلا أن يقظة "ديزير" كانت وليدة الضرورة؛ فأي شخص يُجبر على العيش في متاهة الظل لعشر سنوات سيكون بالحال نفسها.
ومع ذلك، فقد أُخذ "ديزير" على حين غرة؛ فبطريقة أو بأخرى، كان هناك من يسير بجواره مباشرة دون أن يشعر به.
فضلاً عن ذلك، كان هذا الشخص يفيض بهالة عارمة القوة. وقالت له غرائزه إن هذا الشخص قوي، بل أشد قوة حتى من "هيرسانت-بلانك".
ورغم اضطرابه في الأعماق، حافظ "ديزير" على رباطة جأشه ولزم إيقاع خطواته.
«الالتقاء بصحفي سراً في منطقة نائية كهذه… ألا تتصرف بريبة زائدة عن الحد بالنسبة لشخص يُشاد به كبطل؟»
وقفة!
توقف "ديزير" عن السير، ليس لأن الصوت كان لأنثى، ولا لأن لقاءه بصحيفة "أيلوس" قد كُشف.
بل لأنه ميز الصوت؛ فقد سمعه حتماً وبكثرة في متاهة الظل، لكنه لم يستطع تحديده بدقة في البداية…
(بنية أنثى صغيرة، وهجة جنوبية، وشخص من الإمبراطورية، وهذه الهالة المكثفة……)
«لا داعي للقلق؛ فلستُ مهتمة بالحياة الخاصة للآخرين.»
وكأنها تؤدي رقصة، دارت دورة كاملة وسدت الطريق أمام "ديزير".
انزاح غطاء الرأس وانكشف وجهها؛ كانت حسناء ذات ملامح بارزة ودقيقة.
ونال "ديزير" تأكيداً لا يدع مجالاً للشك في صحة حدسه، لكنه لم يكن يستطيع إظهار ذلك، ليس أمامه بالذات.
«هل هناك ما يمكنني مساعدتك به؟ يبدو أنك تعرفين الكثير عني، لكنني لا أستطيع قول الشيء نفسه عنكِ.»
«ستعرف قريباً بما فيه الكفاية.»
لم تفصح عن هويتها، لكن "ديزير" كان يعلم عنها بالتفصيل بالفعل؛ ليتذكر هويتها وهو يكتم ابتسامته الساخرة بداخل.
(سوان كاترينا، ساحرة/قناصة من رتبة الملكة).
تلقات "سوان" الكثير من النقد بسبب تصرفاتها الطائشة، لكنها كانت مذهلة بمعنى أنها قادرة على تغطية جميع عيوبها بفضل مستوى مهاراتها الفائق.
(وهي إحدى الحراس الملكيين).
الحراس الشخصيون المباشرون لإمبراطور "هيبريون"—الحراس الملكيون.
ورغم اقتصار عددهم على أربعة أعضاء فقط، إلا أنهم كانوا يُعتبرون القوة الأشد نخبوية في إمبراطورية "هيبريون" قاطبةً.
(لماذا قد يبحث عني أحد الحراس الملكيين؟)
وكأنها تستطيع قراءة أفكار "ديزير"، جاءت الإجابة سريعاً.
«هممم…… ظننتك ستكون شخصاً نكرة بما أنك تحجب وجهك وكل شيء. أظن أنني كنت مخطئة؟»
«أشك في أنكِ جئتِ لمجرد رؤية وجهي، فما هو الهدف إذاً؟»
رفعت "سوان" كتفيها بخفة: «سوء حظ؛ لقد جئتُ بالفعل طوال الطريق لمجرد رؤية وجهك.»
عجز "ديزير" عن التعبير.
لم يكن الأمر كذباً على الأرجح؛ فقد كانت تملك شخصية اندفاعية للغاية.
وبفضل شخصيتها تلك، غالباً ما كان قائد الحراس الملكيين يعاني الأمرين لملمة الفوضى من بعد تصرفاتها؛ وربما كانت هنا لمجرد إرضاء فضولها لا أكثر.
«سنلتقي مجدداً قريباً.»
خفقة!
تراجعت "سوان" إلى الخلف مع ابتسامة، وسرعان ما تماهت مع ظلام الشارع الليلي.
كانت "رومانيكا" متكئة باسترخاء على الأريكة في مكتب الفرقة.
ولم يكن ذلك لمجرد الهروب من الحر الخانق، وإن كان ذلك سبباً وجيهاً.
فقد ضقيت "رومانيكا" ذرعاً بالكتاب الذي كانت تقرؤه منذ فترة، وأخذت تأرجحه بين أصابعها. ورغبة منها في التشتيت وتغيير الجو، أفضت بأفكارها مكسرة الصمت: «الطقس مجهد بما فيه الكفاية بالأساس، ولا يأتي الاختبار إلا ليزيد الطين بلة.»
وإدراكاً منها أنها لن تنال الاستراحة التي تتوق إليها، عادت بصرها نحو دراستها وبدأت في إلقاء تعويذة. وفجأة، هبت نسائم هواء عذبة داخل المكتب.
حافظ تدفق الهواء على قوته دون أن يؤثر على الوثائق التي كان "ديزير" يدرسها، ولا على الكتاب الذي كانت تقرؤه "رومانيكا".
لم يكن تحقيق مثل هذا المستوى المثير للإعجاب من التحكم مع الحفاظ على قوة التعويذة بالمهة اليسيرة، لكن "رومانيكا" تمكنت من إدارتها ببراعة أثناء استئناف قراءة كتابها.
أحضر هذا المشهد ابتسامة إلى شفتيه: (لقد تطورت حقاً).
تثاءب "ديزير" وهو يجول بحديثه في أرجاء مكتب الفرقة؛ فلم يكن هناك سوى كلاهما في المكتب. كانت معركة الترقية بالأكاديمية قد أُجلت نتيجة للحرب، لكن والان بعد أن عادت الحياة إلى مجراها الطبيعي، كان الجميع في الخارج يتدربون استعداداً لها.
وبما أن الأكاديمية أُجبرت على الإغلاق سابقاً، فقد باتت معركة الترقية بمثابة اختبارهم النصفي والنهائي في الوقت نفسه.
لقد كان اختباراً حاسماً بالأساس، لكن الظروف جعلته يتسم بأهمية استثنائية للغاية.
وانجرف عقل "ديزير" نحو بقية أعضاء فرقة "ستارلينغ".
ورغم كل تلك الضغوط، تمكن أعضاء الفرقة من الحفاظ على ثقتهم…
ولم تكن ثقة زائدة عن الحد أيضاً؛ فقد شهد الجميع نمواً ملحوظاً بفضل نظام تدريب "ديزير"، وباتوا قادرين على الصمود بثبات أمام كل من فرقة "بلو مون" وفرقة "ريد دراغون".
وبعد الصمود في تدريبات "ديزير" القاسية، لم يعد هناك شيء في العالم قادر على إخافتهم.
أطلقت "رومانيكا" تنهيدة مفاجئة.
«هاه، أتمنى لو أستطيع العودة إلى أيام سنتي الأولى.»
كان شكواها منطقياً؛ فخلافاً لطلاب السنة الأولى، لم يستبدل طلاب السنتين الثانية والثالثة كل اختباراتهم بمعركة الترقية، بل كان عليهم خوض عدة اختبارات كتابية في الوقت نفسه.
في النهاية، لم تكن هناك طريقة لتجنب الرسوب سوى الدراسة بجد؛ دون استثناءات، حتى بالنسبة لأصحاب الرتب الأحادية.
ومع ذلك، فإن السبب في بقاء "رومانيكا" حابسة نفسها للدراسة في مكتب الفرقة كان أن الآخرين دأبوا على التدرب بجد طوال الوقت، وبالتالي لم يكونوا بحاجة إلى استذكار مكثف إضافي.
«إذاً، "فرام" يعيش عملياً في منطقة التدريب محاولاً الوصول إلى رتبة الفيل، و"أدجيست" تعمل على التحكم في قلب الجليد، أليس كذلك؟»
وضع "ديزير" قلمه وتثاءب: «أظن أن هذا يكفي لعمل اليوم.»
انهار "ديزير" مباشرةً على الأريكة المقابلة لتلك التي تجلس عليها "رومانيكا"، ليستقبل وجهه نسيم عليل ولطيف.
كسرت "رومانيكا" الصمت مع الحفاظ على تركيزها على الكتاب: «هل تود الذهاب للتسوق معاً إن كان لديك وقت؟»
فكر "ديزير" في الأمر وقبل عرضها: «بكل تأكيد، لمَ لا؟ لدي بعض المعدات التي كنت أنوي ابتياعها.»
وحين همّ "ديزير" بالقيام من مقعده، بدأ سوار التواصل الخاص به بالطنين؛ كان الأستاذ "هيرسانت-بلانك" يتصل.
[― ديزير، هل أنت مشغول الآن؟]
وعندما ألقى "ديزير" نظرة على "رومانيكا"، أطلقت تنهيدة خيبة أمل ورفعت كتفيها: «لا، لقد حصلتُ للتو على بعض الوقت الحر.»
[― ممتاز. لدي شيء عاجل لأخبرك به، لذا يرجى القدوم إلى مكتبي.]
بييب
انتهت المكالمة.
«عذراً، لنذهب للتسوق في وقت لاحق.»
رفعت "رومانيكا" كتفيها: «لا بأس، لا حيلة في ذلك.»
تصرفت وكأنها بخير، لكن خيبة أملها كانت جلية: «سنذهب حتماً في المرة القادمة.»
«متى؟ بعد عام من الآن؟»
ابتسم "ديزير" لمداعبة "رومانيكا": «هذا الأسبوع.»
«هذا وعد، أليس كذلك؟»
مخلفاً "رومانيكا" المسرورة وراءه، اتجه "ديزير" إلى مكتب الأستاذ "هيرسانت-بلانك".
«ستلتقي بالإمبراطور.»
كانت هذه عبارة موجزة وقاطعة من "هيرسانت-بلانك"، فور أن خطا "ديزير" داخل الغرفة.
كان "هيرسانت-بلانك" مستشاراً مقرباً للإمبراطور، رغم أن أحداً قد لا يتوقع ذلك؛ وقد حافظا على هذه العلاقة بكتُمان في العلن.
ومنذ أن بدأ "ديزير" العمل لصالح الإمبراطور، تولى دور صلة الوصل بين الاثنين…
«على عكس اللقاء الخاص في المرة السابقة خلال الحفل التنكري، فإن الاستدعاء هذه المرة رسمي.»
وحتى الآن، كانت المحادثات بين الإمبراطور و"ديزير" سراً من أسرار الدولة؛ وكان من الحيوي بالنسبة للإمبراطور إبقاء علاقتهما طي الكتمان عن النبلاء الذين لا يزالون يضغطون لترسيخ الفجوة بين العاماء والنبلاء.
لكن الظروف تغيرت.
صحيحٌ أنه كان من الأفضل إبقاء "ديزير" متوارياً حتى الآن، لكن بفضل اكتساب "ديزير" شهرة دولية، قرر الإمبراطور أنه سيكون من الأفضل الإعلان عن أن الإمبراطورية تعمل جنباً إلى جنب مع "ديزير".
وفور سماعه ذلك، وصل "ديزير" إلى هذا الاستنتاج سريعاً: «إذاً فهو يريد الاستفادة من سمعتي.»
بالنسبة لأي شخص آخر، كان يمكن اعتبار ذلك إهانة، لكن "هيرسانت-بلانك" كان قد تعلم منذ زمن تقبل الأمر ببساطة.
«على الأرجح نعم، بما أنك أصبحت شخصية بارزة في البلاد الآن.»
استغرق "ديزير" في أفكاره.
(بهذا المعدل، سيؤمن العامة بأنني في صف الإمبراطور).
وإذا حدث ذلك، سيفقد "ديزير" كل تأثيره على أي نبلاء يضمرون الازدراء للإمبراطور. لكن ذلك كان تضحية أبدى "ديزير" استعداده الكامل لتقديمها؛ فأغلب أؤلئك النبلاء كانوا هم أنفسهم من يزدرون العامة، وكان الكثير منهم يعتبرون "ديزير" تهديداً. وبما أن تغيير آرائهم قضية خاسرة، لم يكن لدى "ديزير" أي سبب لرفض عرض الإمبراطور.
انحنى "ديزير" وقال: «سأستعد بأسرع ما يمكن.»
لكن سؤالاً طرأ على ذهنه…
إذا كان الإمبراطور يريد إعلان علاقتهما على الملأ، فلماذا يختار لقاءً خاصاً؟ وإذا كان هذا هو هدفه، فلماذا لا يستضيف حدثاً عاماً؟
وفجأة، خَطَرَ ببال "ديزير" حدث الأمس… (سوان كاترينا……)
كان الحرس الملكي منظمة تابعة للعائلة المالكة، وليس للإمبراطورية ككل؛ كانوا سيف الإمبراطور الذي يلوح به لحسابه الخاص فقط.
وساورت "ديزير" شكوك في أن مواجهته مع "سوان" قد تكون مرتبطة بهذا اللقاء الخاص مع الإمبراطور.
وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير
لا حول و لا قوة الى أقسم له النعمة وله الفضل و له الثناء الحسن مخلصين له الدين و لو كره الكافرون
لا تدعو الوايات و ملذات الحيات تلهيكم عن الصلاة و العبادات و سائر مسؤولياتكم في الحياة يا اخوان و السلام عليكم