الفصل 38 - مواجهة جاسوس منتصف الليل
الفصل 38: مواجهة جاسوس منتصف الليل
سائراً في الغابة المظلمة السواد، أرهف هان لي حواسه. لم يكن بمقدور البشر العاديين رؤية الطريق أمامهم بوضوح، ولكن بالنسبة لهان لي، كان الأمر واضحاً كأنه في وضح النهار.
على الرغم من ميزته هذه، استمر هان لي في توخي الحذر. لم يكن حذره هذا وليد صيد الوحوش الضارية المفترسة، بل كان عادة صقلها وطورها أثناء اختبائه من الطبيب مو.
بعد أن انتقلت طائفة الأسرار السبعة إلى جبال القوس القزحي السماوية، تم القضاء على الوحوش والمخلوقات التي تقطن الجبال والغابات لضمان سلامة أفراد الطائفة. وإضافة إلى الوحوش الضارية، حتى الحيوانات البرية العادية، مثل الأفاعي السامة، جرى صيدها وتحويلها إلى طعام للتلاميذ.
لم يكن يقظة هان لي جزءاً من شخصيته الفطرية، بل اكتسبها بعد أن خبر مكائد الطبيب مو كي يتمكن من تفادي أي أخطار غير مرغوب فيها.
صارت رياح الجبل التي تثلق العظام أشد وأقوى، مطلقة صوتاً حاداً جعل شعره يقف تقشعراراً. وعندما أحس هان لي القابع على مسافة بالرياح، حث خطاه وهو يتخطى الحد الذي يمثل أطراف الغابة.
تنهد بتنهيدة خفيفة. إن السير وحيداً في هذا السواد المظلم جعل قلبه يغدو ثقيلاً. أسرع هان لي خطاه مرة أخرى، زاداً من طول خطوته لكي يغادر الغابة في أسرع وقت ممكن. وفجأة، هبت عليه عصفة قوية من الرياح.
بعد تحمل عصفة الرياح القوية، توقف هان لي كأنه اكتشف شيئاً غريباً. عقد حاجبيه وأمال عنقه، كأنه يحاول الاستماع إلى شيء ما.
سرعان ما تحول تعبير هان لي إلى الجدية. لقد سمع صوت أقدام يتردد صداه في المدى. ورغم أن الخطوات كانت خفيفة للغاية وكان أصحابها بعيدين عنه، استطاع هان لي أن يحدد وجود شخصين يسرعان مقتربين نحو اتجاهه.
قفز بخفة متوارياً واختبأ في الغابة المجاورة لطريق الجبل دون أن يصدر أي صوت.
كانت هناك شجرة ضخمة على بعد نحو ثلاثين متراً من الطريق. اختبأ هان لي خلف الشجرة، ملتفاً على نفسه كالكورة. لو فحص أحدهم الشجرة من الأمام، لن يتمكن من العثور على أي أثر لهان لي.
ولم يبدأ هان لي بالهدوء تدريجياً إلا بعد أن وجد مخبأً جيداً.
هذه المرة، لم يكن هان لي شديد الحساسية بلا داعٍ؛ إذ كان هناك شيء غريب بحق يجري. لم يكن من المنطقي أبداً أن يتسلل شخصان حول مكان ناءٍ في هزيع الليل. كان هان لي متأكداً بنسبة ثمانين بالمئة من أن الشخصين الغامضين يخفيان أمراً مريباً في جعبتهما.
لم يكن هان لي يرغب في أن يقتله الشخصان الغامضان لاكتشافه سرهما، حتى لو كان قد فعل ذلك عن طريق المصادفة.
ومع ذلك، إن لم تكن هناك أخطار تواجه هان لي، فلن تكون هناك مشكلة في أن يسترق السمع إلى أسرارهما. لم يكن هان لي منافقاً؛ بل كان يدرك ببساطة أنه إن جاءه الحظ السعيد إلى عتبة بابه، فسيكون أحمق إن لم يستغل ذلك.
"...النزول من الجبال... الترتيب جيداً....الوقت..الناس....القائد الأعلى...."
تهادت موجات من الأصوات الخفيضة من مكان بعيد. في هذه اللحظة، كانت رياح الجبل تهب بقوة شديدة. ونتيجة لذلك، تبددت معظم الكلمات بفعل الرياح، ولم يصل إلى أذني هان لي سوى جزء صغير من المحادثة.
اندهش هان لي عندما فكر في أنه تمكن من اكتشاف جزء من سرهما. في هذه المنطقة، كان الشخص الوحيد الذي يحمل لقب القائد الأعلى هو "الذئب الذهبي" جيا تيان لونغ من عصابة الذئب الضاري. كان لهذا الشخص عداء كبير مع طائفة الأسرار السبعة. والآن بعد أن سمع هان لي اسمه في هذا المكان النائي، أتاح ذلك الكثير من الأمور للتفكير.
كان جيا تيان لونغ شخصية شيطانية قاسية تعطش للدماء في أعين تلاميذ طائفة الأسرار السبعة. وتقول الشائعات إنه كان رجلاً عريض المنكبين بخصر بدين، وأسنان طويلة، ووجه كالح. وكان يمارس أكل اللحم البشري وشرب الدم البشري ثلاث مرات في اليوم. وكان العديد من التلاميذ الجدد في طائفة الأسرار السبعة يصابون بالذعر وتطير عقولهم مجرد سماع الشائعات عن مثل هذه الشخصية الشيطانية.
ولكن وفقاً لـ لي في يو، كانت الشائعات بعيدة كل البعد عن الحقيقة. وخلافاً للشائعات، كان جيا تيان لونغ هزيلاً وضنيفاً بملامح وجه دقيقة. وكان شاباً جداً، في أوائل الثلاثينيات من عمره. ومع ذلك، فإن الشائعات المتعلقة بقتله الناس بلا رحمة كانت صحيحة. لم يكن بالإمكان الحكم على جيا تيان لونغ من مظهره. ففي النهاية، وبناءً على ملامح وجهه وحدها، لم يكن أحد ليتوقع قدرته على السيطرة على بقية أفراد العصابة.
جمع هان لي أفكاره وهو يحاول تذكر كل ما يعرفه عن جيا تيان لونغ. وسحب نفساً بارداً، وانكمش على نفسه بشدة أكبر، محاولاً خفض صوت تنفسه.
"...هذه المرة.... سرقة....قائمة الأسماء....قتل...."
تهادى جزء آخر من المحادثة، وكان أوضح من ذي قبل. كان الشخصان الغامضان يقتربان أكثر فأكثر من هان لي.
لم يجرؤ هان لي حتى على التنفس بصوت عالٍ. كان يعلم أنه لو جرى اكتشافه الآن، فلن ينتظره سوى الموت. من المرجح أن الاثنين كانا جاسوسين من عصابة الذئب الضاري، ولن يسمحا بالقطع لشخص غريب بمعرفة سرهما.
"....الخطة...يجب...ألا....بسرعة..."
وتدريجياً، صارت أصوات هذين الشخصين الغامضين أشد انخفاضاً. يبدو أنهما وصلا إلى جوهر نقاشهما، مما يعني أنهما كانا على وشك الكشف عن أكثر المعلومات أهمية.
وبعد لحظة قصيرة، عادت الأصوات لتعلو من جديد، لكن هان لي لم يستطع سماعها بوضوح؛ لم يكن بوسعه سوى سماع صوت رياح الجبل وهي تعصف. مرت معالم هذين الشخصين الغامضين بجوار هان لي واختفت تدريجياً في المدى.
ظل هان لي لا يجرؤ على القيام بأي حركة لفترة طويلة من الوقت. ولم يكشف عن نفسه ببطء إلا بعد تفعيل تقنيات الفنون الربيعية الخالدة والتأكد من عدم وجود أي شخص بالقرب منه في شعاع نطاقه ثلاثين متراً.
في هذه المرة، كان قد تفادى موتاً محققاً. ولحسن حظه، تمكن من اكتشاف تحركات هذين الجاسوسين في وقت مبكر. لو كان هان لي قد التقاهما وجه لوجه، لكان قد قُتل حتماً لحماية سرهما. والأسوأ من ذلك، وبناءً على مهاراته القتالية الخاصة، لم يكن لديه حتى ذرة أمل واحدة في النجاة من مثل هذه المواجهة.
وقف هان لي بلا حركة في المكان نفسه. واستغرق في أفكاره، بينما كانت أصابعه تحك ذقنه بخفة وهو يحدق في الاتجاه الذي اختفى فيه الجاسوسان.
من أجزاء المحادثة السرية التي سمعها، استطاع أن يقدر أنه في المستقبل القريب، ستتخذ عصابة الذئب الضاري بعض الإجراءات التي ستثبت أنها ضارة للغاية بطائفة الأسرار السبعة. وكان هناك احتمال كبير أن تكون هذه الإجراءات ذات صلة وثيقة بـ "قائمة الأسماء" التي ذُكرت سابقاً.
وما أدهشه أكثر هو أن هان لي كان قد حدد بالفعل هية إحدى الشخصيتين على الرغم من عدم قدرته على رؤية ملامح وجهيهما. ورغم أن الشخصين الغامضين لم يتحدثا كثيراً، استطاع هان لي أن يربط أحد أصواتهما الخفيضة بمتولي المطبخ في جبل طائفة الأسرار السبعة.
إن المتولي، الذي باع الأرانب لهان لي في ذلك الوقت، ترك لديه انطباعاً ضئيلاً. كان ذا شارب ووجه جاهل، وكان يحب استغلال الآخرين. وإن التفكير في أنه كان في الواقع جاسوساً من عصابة الذئب الضاري قد ذكّر هان لي مرة أخرى بأنه لا يمكن لأحد أن يكون شديد الحذر أكثر من اللازم.
ولكن عند التفكير ملياً في الأمر، كان هذا شيئاً متوقعاً. فبواسطة منصب مثل متولي المطبخ فقط، يمكن للجاسوس أن يتمكن من دخول الجبال والخروج منها ونقل أي أخبار تحصل عليها دون إثارة أي شكوك.