أفور غضباً. يشرئب الرجل الآيو بعيني مكسوتَين بخليط من التقزز والحذر، فلا أملك إلا أن أشعر بالإهانة. بالطبع، لن أبدو لائقة وأنا أرتدي خرقاً وأتغطى باتساخ تاجر فحم! وقاحة آسرِي لا تصدق ببساطة. أغادر زنزانتي أخيراً على وقع مشهد ممر قصير مبنيّ من الحجر ذاته. يوفر مشعل وحيد إضاءة كافية لرؤية كل شيء بوضوح، وهو ما يدهشني قليلاً. يتخلل الممر ما أعتقد أنه فتحات قتل. يا له من أمر غريب وممتع. لا بد أنني أغمي عليّ ونُقلت بطريقة سحرية إلى إقطاعية إسكتلندي ما. يقفل أوغوتاي الباب من ورائي وأمضي قدماً، مترددة بشوق في الابتعاد عن هذا المكان الكئيب. وما إن أوشك على بلوغ الباب الثاني، حتى ينقر نصل سيف عارٍ كتفي. — قفي. تحركي إلى الجانب. ألتفت باستياء، مع أنني أظل صامتة. كيف يجسر على إشهار نصل في وجهي؟ قال السيد إن عليّ طاعة خيمينا وهو ليس هي. لا حق له في إصدار الأوامر إليّ، سأعلمه معنى الألم و... تنتزع يد قميصي الممزق وتدفعني نحو الجدار. لقد رماني كدمية! يصطدم ظهري بالصخر وينفجر بألم يعمي الأبصار. ويحذو رأسي حذوه وتصطك أسنانِي من وقع الصدمة. يسري العذاب في كل عظمة، ليزيد فقط من وطأة الانزعاج الذي أغرق فيه أصلاً. — آه! تخترق يده صدري على الجدار. تئس وتئن عظامي تحت بطشه. أخدش ذراعيه بجنون ليدعني وشأني لكنني أتوقف حين ألمس برودة معدنية على عنقي. — أغ! — لن أحتمل أي تصرف وقح منك، أيتها الفرخة. توجد حمراء على كمّه. يبدو أنني خدشته حتى الدم في غمرة ذعري. أظافري سوداء كاللآئل السوداء، وحادة للغاية فوق ذلك. متى حدث ذلك؟ يغادر نصل سلاحه عنقي وينغرس طرفه تحت ذقني حتى أشرع في الصراخ. يا للهول، ماذا فعلت لأستحق هذه المعاملة؟ لماذا يجب أن يكونوا قساة هكذا؟ إنه يؤلم! — هل أنا واضح؟ — نعم! أنحيب. كم أكره أن أهين نفسي، لكن ماذا بوسع المرء فعله أمام هذه الوحشية العبثية؟ ببطء، يتركني الرجل، مع أن نصله يبقى مشهوراً. أظل ساكنة وأدلك صدري المسكين. يبدأ الرعب بالتسرب إلى عقلي ويوقظ غرائز بدائية. أريد الركض، لكنني لا أستطيع. الباب مقفل. لا أعرف حتى إلى أين أذهب. يعمل أوغوتاي بصبر على مجموعة مفاتيح بحوزته وأخرج أخيراً إلى نفق حجري آخر. غير أن هذا النفق مختلف. يبدو أن زنزانتي ليست سوى واحدة من كثيرة. تغطي كتل عديدة ذات جدران سميكة معظم المنطقة، وتنيرها مشاعل متفرقة. لكل زنزانة جدران أربعة وممر يسمح للحراس بالدوران حولها بالكامل. تتيح فتحات القل التي لاحظتها للزوار إمكانية النظر داخل الممر، وأفترض أن بإمكانهم الإطلاق منها أيضاً. لا أجهل أيّ نوع من الوحوش يُحبس هنا عادة، لكنني لكنت تظلمت من معاملتي على هذا النحو، لو كان الأمر بيدَي. يقودني الرجل الآيو عبر متاهة الممرات إلى باب ضخم مصنوع من المعدن الفضي ذاته الخاص بقيودي. يدفعه ليفـتـحه بجهد ضئيل. كم يمكن أن يكون هذا الرجل قوياً؟ أصعد سلالم تفضي إلى بسطات عدة ذات أبواب إضافية، غير أن أوغوتاي لا يدعني أتوقف. في النهاية، نعبر بوابة معدنية أخيرة ونبرز أخيرً داخل مبنى حقيقي. وأي مبنى هو. أريد أن أخذ نفساً عميقاً وأحتفل بخروجي من هذه الحفرة اللعين في الأرض، لكنني أجِد نفسي مأخوذة بحيرة. من ذا الذي قد ينفق الثروة اللازمة لأجل شيء كهذا برأي عاقل؟ يمتد دهليز إلى يميني ويساري نحو تقاطع وطريق مسدود، على التوالي. تتبادل الأبواب المغلقة الأدراج المنخفضة المدعومة بأعمدة دوريكية. الأرضية مصنوعة من الرخام والجدران من الجرانيت الوردي. تعلَق المنسوجات واللوحات في كل مكان، تاركة انطباعاً بأناقة هادئة. لم أكن لأظن، ولو لآلاف السنين، بوجود مكان كهذا في الأمريكتين! أعتقد أنني سأحتاج إلى عبور الأطلسي، نحو بوكنغهام أو فرساي، لأجد نظيراً لهذا العرض المبتذل. وأصحاب هذا المكان يمسكون بي تحت رحمتهم. أرتجف مرة أخرى. ظننت أنني رأيت ثراءً، كم كنت ساذجة! هؤلاء الناس ليسوا صعاليك ومخالفين للقانون يبحثون عن فدية سريعة ورحلة نحو الغرب. حقاً، لو هربت وصادفت رجل قانون، فمن سُيصدّق؟ شابة مشردة أم أسياد هذا المكان؟ ستكون شهادتي هذيان مجنونة. إلى ماذا أوقعت نفسي؟ أتاح لي الحماس لحظة صفاء، كأن مثيراً خارجيّاً استطاع رفع الحجاب عن عقلي لكنني ما ألبث أن أجد صعوبة في التركيز مجدداً. لماذا أردت الهرب؟ أريد أن أرى ذلك الرجل مجدداً؛ إنها أعمق رغبات قلبي. يقودني أوغوتاي صعوداً عبر سلم آخر وعبر دهليز آخر. نصادف رجلاً ببدلة ستجعله غارقاً في العرق لو خرج إلى الخارج، وامرأتين بزي خادمات تنبعث منهما رائحة لطيفة، وفتاة نحيلة بفستان أبيض. في كل مرة نمر فيها بأحدهم، يمسك أوغوتاي بعنقي ويرغم رأسي على الانخفاض حتى لا أستطيع ملاقاة أعينهم، ليس لأنني بحاجة إلى تشجيع كبير. فإحراجي سبب كافٍ بحد ذاته. أخيراً، يترك الحارس تلك الأزقة التي لا تنتهي ويجبرني على دخول غرفة نوم. وقبل أن أشرع حتى في الذعر، يأمرني بالاغتسال ويغلق الباب بقوة. أقيّم الوضع مجدداً. الغرفة نفسها صغيرة نوعاً ما، وهو أمر معقول وحسب نظراً لوجود غرف كثيرة كهذه. كما أنها مزخرفة ببذخ بدرجات الأحمر والذهبي. من الواضح أن من صمم الدهاليز الباروكية قد مدّ نفوذه إلى مسكني الجديد. يحتوي السرير على أربعة أعمدة ويشغل وسط الغرفة بأكمله مع طاولة كتابة وكرسي يصفان الجدار الجانبي. تنقسم مساحة المعيشة بواسطة ألواح بيضاء وأجد حوضاً من النحاس على الجانب الآخر، فضلاً عن مستلزمات ومفاجأة أخرى. هذا المكان يحتوي على ماء ساخن جاري. أجهز حماماً وأتخلص من كيس البطاطس الحقير الذي كنت أرتديه لأتزحلق داخل الحمام بتنهيدة سرور. لا أعرف إن كان عليّ عزو ما أشعر به إلى محني السابقة أم إلى حالة جسدي، لكن فعل الاغتسال ذاته لم يكن ممتعاً لهذه الدرجة قط. تداعب المياه بشرتي بلمستها الحريرية بينما يتسرب دفء السائل إليّ، لسروري. كدت أنسى مدى عطشي. يا للسذاجة، ها قد وُجد الماء الآن! ماذا كنت أنتظر؟ أجلب السائل الدافئ من الصنبور إلى شفتي وأجرع جرعة متعجلة وأدرك بلا شك أنه، للأسف، لن يفي بالغرض. يا لغرابة الأمر! أهو عرض لاضطراب ما؟ حسناً، سأفكر في الأمر لاحقاً. متى غدت بشرتي بيضاء هكذا؟ بلغ الصيف لويزيانا قبل أسابيع قليلة وأتذكر سُمرة خفيفة لكن واضحة، ومع ذلك أبدو الآن شاحبة ككنديّ. أظافري سوداء أيضاً وحادة للغاية، وهو ما لا يمكنني تفسيره. لغز آخر يضاف إلى الكومة. أو لعلّي أدرك ما آلت إليه لِمَ لا أشرع في الشعور بالجوع؟ انتظري، هناك أمور أكثر إلحاحاً يجب معالجتها. يجب أن أكون بلائقة. إن دخل ذلك الحارس بينما ما زلت عارية، فسأموت حتماً من الخرج. هناك قدر محدود من الإهانة التي يمكن لسيدة محترمة احتمالها في يوم واحد. أفرك نفسي بحوة وأستمتع بكل لحظة منها. بعد تجفيف نفسي، أجد ملابس داخلية وثوباً بسيطاً من الكتان على الطاولة، فأرتديه على الفور. لا يناسبانني تماماً وهما ضيقان بعض الشيء حول الخصر، ومع ذلك أجد أنني لا أبالي كثيراً. يبدو شعور العودة محترمةً لطيفاً للغاية، وإحساس القماش الناعم على بشرتي سماوي ببساطة. أنعم بالرفاهية حتى يزعجني طرق ملح. أفتح الباب لأرى رجلين بالخارج. يحدق بي أوغوتاي بلا مشاعر، والرجل الآخر أصغر سناً ومبدّي كخادم. يتصاعد عطشي عند رائحته. يا له من عطر مسكر! وقبل أن أتمكن من الميل للأمام، تمسك يد أوغوتاي عنقي مرة أخرى. آه! ألا يبرح هذا الرجل يزعجني! أريد أن أُمزّقه إرباً كالكلب الذي هو عليه! — أيتها الفرخة. أجبر نفسي على الابتلاع. لا أريد تكرار مشهد الزنزانة. لقد أوضح هؤلاء الأوغاد أنهم سيجئون إلى العنف إن سنحت الفرصة. عدا ذلك الجيملمان الوسيم بالطبع. — ستتوقفين حين يُؤمر بذلك. ينظر إليّ الخادم بخوف مكشوف. عيناه الشوكولاتيتان مثبتتان على ابتسامتي وهو يبدأ بالثرثرة بلغة ما مجهولة لا أهلي لها. محاولته التراجع توقبت بقبضة الحارس الفولاذية على عنقه ولم تخدم سوى إشعال عطشي المهووس. إنه يعض في صدري ويثقب عقلي، مطالبًا بالرضا. لا شيء يهم سوى تلك الرغبة القاسية. يا لغرابة الأمر، رؤية رجل مرعوب تجعلني... مبتهجة؟ وأكثر عطشاً؟ لقد جعلني هذا الاختطاف وحشاً. ماذا؟ لا، هذه المحنة جعلتني هيستيرية بعض الشيء. نعم. متوترة قليلاً فحسب. لا شيء يذكر. أقهقه بينما أقبض على الرجل بحزم بين ذراعي، ثم بينما يحاول عبثاً دفعي بعيداً. ما زلت أضحك عندما تلتقي عيناه بعيني وتفقدان تركيزهما. أتنفس الصعداء بينما أتجرع مسك رعبه، مع لمسة خفيفة من الشهوة. لذيذ. أبتسم بينما تخترق أنيابي جلد عنقه ويمكنني أخيراً، أخيراً، إطفاء هذا العطش الملعون. نشوة، مجدداً. أنا منتقلة، أنا مسلوبة، أنا متبددة. إن وُجدت طريقة لتجاوز الزمان والمكان، فهذه هي. لن يقترب أي درويش ولا أي نبي، ولا أي شامان ولا أي ساحر من هذه التجربة السماوية. ليس بكل بخور العالم وصلواته. أحبها، أحبها، أحبها. يعيدني ألم لاذع إلى العالم الحقيقي. تحفر أصابع الحارس المخالبة في عضلات عنقي، مجبرة فكي على الانفتح بوصة بعد بوصة. يُسحب الخادم الشان بعيداً، وما زال مسحوراً بما يعلمه وحده. — لااااآآآآآآآه. — أيتها الفرخة. أبلع ريقي بينما يحول الألم رؤيتي إلى بياض. أتوقف عن الحركة. هذا أكثر من اللازم بكثير. — ستلعقين الجرح ليغلق. افعلي ذلك الآن. بطرف لسانحي، أتمكن من تنظيف الرحيق الثمين عن جلد الشاب حتى مع توقف النزيف التدرجي. لا أهدر قطرة واحدة. وفي النهاية، يسحبه أوغوتاي بعيداً أكثر ويهوي منهاراً ضد الجدار في حالة ذهول. تعبير وجهه قنوع، لسبب مجهول. أما أنا، فلست كذلك. أحيج إلى المزيد. المزيد بكثير. — آآآييي! أصرخ. لا تلين يد أوغوتاي. يده الأخرى، الطليقة الآن، تجبر ذراعيّ على القفل خلف ظهري. أتقوس لمنع الألم من أن يصبح مفرطاً. أكاد لا أقاوم قبضته. إحباطي ليس نداً للألم المستمر واحتمال خلع المفصل. يتراجع العطش الرهيب أخيراً. ينكفئ إلى ركن من أركان عقلي مثل نمر حذر، مسالم لكنه غير زائل. أنا نفسي مجدداً. انتظري، ماذا حدث للتو؟ لا أستطيع التذكر. شيء متعلق بالتغذية. يدفعني أوغوتاي بعيداً وأسقط على السرير. بصراخ وتخبط، أستوي واقفة مجدداً. لست بريئة إلى الحد الذي يجعلني لا أفهم مغزى التواجد في غرفة نوم مع رجل ويجعلني الحارس حذرة. لحسن الحظ، كان تخوفي بلا أساس هذه المرة. ينحني أوغوتاي فوق الخادم، أفترض، للاطمئنان على سلامته. ويبدو راضياً، فينتصب واقفاً ويأمرني باتباعه. نغادر الغرفة، وأبذل قصارى جهدي لمجاراة الغريب الطويل. يجعلني الخمول مرة أخرى أطراف ثقيلة وعقلي متعباً، ومع ذلك أرفض الاستسلام. ننحدر عودة إلى ما أظن أنه الطابق الأرضي، ونصل عما قريب إلى بوابات سميكة مصنوعة من جوهر خشب لا أعرفه. يفتح أوغوتاي إحداها بسهولة ويدفعني إلى الداخل. الغرفة التي أجد نفسي فيها هي، بلا شك، غرفة تدريب. إنها مستطيل شديد الاتساع تحيط به جدران رمادية غير مزخرفة. تصف رفوف الأسلحة يساري، والأهداف يميني، ويتزين الجدار البعيد بمقاعد. أدهش لرؤية الأرضية المصنوعة من الحجر والمغطاة بطبقة من رمل، مما يذكرني بتلك التوضيحية للكولوسيوم التي رأيتها يوماً في كتاب. حقاً، لو استعراض أسد ومصارع على وقع بوق نحاسي، لما رفعت جفناً حتى. الشخص الوحيد الحاضر سوانا هو امرأة ذات تجاعيد سوداء مربوطة في كعكة. لا أستطيع تقرير ما إذا كانت تصدمني أم تثير إعجابي أكثر. وجهها وسيم أكثر من كونه جميلاً نظراً لفك مربع للأسف ومع ذلك تنبعث منها هالة من النعمة اللطيفة لا تعززها سوى درع جلدية فاضحة الملاءمة. يجعلني مظهرها أشك مجدداً في عقلي. أعلم أن "كيراسيي" نابليون كانوا يركبون إلى المعركة بدرع صدر فولاذي، لكنها تبدو كصياد غير قانوني أكثر منها جندية وعلاوة على ذلك، يجب ألا ترتدي الجنس اللطيف هكذا، فهذا ليس لائقاً أبداً. تتجاهلنا أثناء اقترابنا حتى لا يساورنا شك في أننا جئنا لمخاطبتها. بعبوس، تغمد نصلاً كانت تنظفه وتلتفت إلينا. هالتها الباردة قوية كقوة هالة أوغوتاي غير أنها أكثر تهذيباً، وأعني أعتقد أنها مصدر ثقتها بنفسها. أهي أمازونية، لتقف هنا أمام هذا الرجل بلا خوف؟ أرجح أن حادثاً فظيعاً حلّ بي، وأنني أقع الآن تحت تأثير مخلي قوي يسبب لي الهلوسة. — أيها التابع. — أيها البلاطي، ترد بسخرية. تلوح ومضة غضب على وجه أوغوتاي الملتوي، ليتم إخفاؤها سريعاً. — عليك إدخال هذه الفرخة بينما ينشغل سيدها بأمر هام في المجمع. — أيّ نوع من الأسياد يجلب فرخة إلى هنا؟ أهي معيبة إلى الحد الذي يجعلها غير قابلة للبقاء بلا مراقبة؟ — يمكنك نقل مخاوفك إلى اللورد نيراري. أنا متأكد من أنه سيسرّه سماع اعتراضاتك، أيها التابع. لقد صدر الأمر. أستودعك وداعاً. وبهذا، يلتفت أوغوتاي ويتركنا كلتينا عالقتين. أحتفظ ببعض الأمل في أن ترقّ هذه الشخصية لحالي، لكن تلك التوقعات تحبط مبكراً. يذكرني التقزز على وجهها بتقزز الليدي مور، إلا أن تقززها مشوب بغضب. أتراجع خطوة بغريزتي. يبدد إحساس بالخطر خمول وأدرك أن الحارس رتب المسرح ببراعة بحيث لا توجد فرصة لأجد صديقة هنا. ما زلت لا أفهكم ما يحدث. عقلي لا يعمل إلا بجهد. امرأة تلعب لعبة ورق معقدة دون أن تُعلّم قواعدها وممنوعة حتى من طلب المساعدة. تبدو المرأة وقد حسمت أمرها تجاه الموقف وتشير لي بالانضمام إليها بجوار رف. أملي عيني على صفوف تلو صفوف من الأسلحة القروسطية، بما في ذلك بعضها الذي لا بد أنه أتى من ممالك بربرية. لم أقع عيناي قط على هذا العدد الكبير من الأدوات المسننة والمستدقة والبلهاء، القادمة بكل الأشكال والأحجام. إحداها مجرد سلسلة، بنهاية نصل، وعجز عن فهم كيف يمكن أن يكون ذلك سلاحاً معقولاً. نتوقف كلتينا وهي تحدق بي بانتظار. ليس لدي فكرة عما يجب فعله. أتريد مني اختيار سلاح بنفسي؟ — حسناً؟ أشعر بارتفاع الذعر في صدري. حريصة على ألا أغضب السليطة، أبحث بيأس عن شيء لأدافع عن نفسي به فأجده. أقبض عليه وأرفعه بحماية أمامي. — هذا ترس. أومئ بموافقة. بالطبع، إنه كذلك. — أستستفزني، أيتها الفرخة؟ أتستطيعين الكلام حتى؟ — نعم، آسفة، نعم أستطيع الكلام، ولا لست أحاول استفزازك. — وما الذي يمكنك حمله، أتوسل إليك إخباري؟ لا أتذكر الكثير، لكني متأكدة من أن... أبي؟ نعم، أبي، الذي لا أستطيع تذكر وجهه ذاته، لم يكن ليسمح لي بممارسة المبارزة أبداً. حمل نصل أمر بعيد عن الأنوثة. لويزيانا بالفعل مكב نفايات مديني فرنسا، وعاهراتهم، وأوغادهم. لا حاجة لنا نحن ملاك الأراضي بالتصرف كمتوحشين أيضاً. ومع ذلك، لقد اصطدت الفراء واللحوم، وثمة عبيد هاربو بما يكفي لجعل مغادرة المزرعة بلا سلاح عملاً أحمق. — أنا رامية جيدة ببندقية فتيل - أغ! يتحول وجه المرأة إلى قناع من الغضب. تمسكني من الياقة وبحركة متصلة، ترجفني عبر الغرفة. ينطفئ عقلي. يدور العالم وينعطف أمام عيني. أهوي، بألم، على كتفي، وما زلت أنزلق على الأرض. في النهاية، أتوقف ضد آلة. بعد ثانية، أسمع تحطم ترسي ضد جدار بعيد. يسرق الألم أنفاسي بعيداً. لا أستطيع التفكير. إنه. يؤلم. — آآآآآآآ... لا أعرف كم أمضي من الوقت هنا، منتحبة مطوية على نفسي. كل شيء يؤلم، وأنا متعبة جداً، وما زلت عطشى. لماذا؟ لماذا لماذا لماذا لماذا لماذا؟ ينخس شيء بارد أضلاعي بألم. أفتح عيني لأرى تلك الشمطاء الشريرة تنظر من عليّ. تستخدم سيف تدريب بليد كمنخس. آه، لماذا، لماذا يجب أن تكون قاسية هكذا؟ — حسناً، أيتها الفرخة، دعيني أراك تطلقين بندقيتك تلك. — أنا... — ماذا تنتظرين؟ وتطعنني. يخترق رأس السيف صدري، ليس بما يكفي لقتلي بل بما يكفي للألم. يضيف هذا العذاب الجديد إلى القديم وأتجاوز الحد. لا أستطيع فعل هذا بعد الآن. ألعابهم القاسية، عدوانيتهم بلا هدف، سلوكهم البارد. لم أطلب التواجد هنا، مهانة ومذلولة في كل منعطف. معنفة. معذبة. ولأجل ماذا؟ أي لعبة شريرة يلعبونها جميعاً، بحيث لا يرونني أهلاً حتى لمعرفة القواعد؟ أريد فقط أن ينتهي الأمر، أريد فقط أن أَمُوت. أبي، أرجوك تعال وأنقذني، لا أستطيع احتمال هذا بعد الآن. وهكذا، أنتحب كطفل رضيع. تهز الشهوات جسدي وتتدفق الدموع على وجهي. أنتظر الهليونية المدرعة لتواصل أذيتها، باكية طوال الوقت، ومع ذلك لا يأتي. يرفعني زوج من الأيدي برفق ويضعني مقابل المانيكان الغبي. أبقي عيني مغلقتين برعب. تلامس إبرة ذقني وترفع وجهي لأعلى. بعد ثوانٍ معدودة، أجرؤ على فتح عيني. وجه المرأة قريب مني بشكل مخيف. تحدق في وجنتي بذهول. — أيتها الفرخة، لدي طلب. — ها؟ — أيمكنني لعق دموعك من فضلك؟ — م... ماذا؟ أهذه المرأة مجنونة تماماً؟ هذا الطلب عديم المعنى تماماً! ومع ذلك، تظهر فجأة رغبة على وجهها قوية ونافذة لدرجة تخطف أنفاسي في صدري. — أرجوك... أرجوك، أتوسل إليك. تخبرني غرائزي أنها تقول الحقيقة، مهما بدا الأمر غير مرجح. كل شيء سريالي لدرجة أنني أجد نفسي عاجزة عن الكلام. أهذه هي الشخصية ذاتها التي رمتني عبر الغرفة كدمية قماشية؟ يجب أن أقرر، وضد حكمي الأفضل، أوافق. أغلق عيني بينما تنحني ببطء للأمام. تتحرك زلة باردة عبر بشرتي وأجبر نفسي على ألا أنحب. هذا الإحساس الجديد غريب جداً، ومع ذلك حميمي لدرجة أنني لا أجرؤ على التحرك. يتتبع اللسان البارد الجانب الآخر من وجهي. فوراً، أسمع شهقة ونشيجاً. أفتح عيني مرة أخرى لأشهد عرضاً يتحدى الحس السليم. المرأة، التي كانت وضعيتها بلا عيب قبل قليل، تنتحب الآن أمامي. تلونها صبغة وردية بينما أراقب وهي تنهار ببطء للأمام. تدفعني نبضة حماية يدي اليسرى إلى مؤخرة رأسها. أربت عليها بحركة مهدئة. تجاعيدها السوداء ألمس شيئاً لمسته قط. تتوتر، في البداية، لكنها ما تلبث أن تميل مع حركتي وللحظة، نرقُد هنا فحسب. يتلاشى ألمي بسرعة. أكنت مصابة؟ لا، على الأرجح لا. أدع ذراعي تسقط. يبدو هذا مبهجاً للغاية. أعتقد أنني قد أغرق في النوم الآن بالذات. أرمش. تنظر إليّ الأمازونية بقناعها البارد المعتاد. أكنت أحلم طوال اللقاء؟ بالطبع لا! حقاً، بشرتها ما زالت وردية. — أيتها الفرخة. أبلع ريقي خوفاً. — أتعرفين من أنا؟ أهز رأسي، خائفة جداً من إثارة نوبة أخرى من الغضب العمياء. — أنا خيمينا، تابعة عشيرة كاديز ومسؤولة المؤن لهذا الحصن السفلي. —... — أتفهمين أي شيء قلته؟ — أنتِ خيمينا. تتنهد وتقرص جسر أنفها. — كم عمرك، بالتحديد؟ — أنا في التاسعة عشرة. تعوب. — لم أسمع عن اللورد نيراري إنجابه لفرخة، خصوصاً واحدة تستطيع التكلم. ماذا علّمك إذن؟ — من؟ — اللورد نيراري، سيدك. — لا أعرف ذلك الرجل. — ماذا تعنين؟ أنتِ له، لقد رأيت أنيابك. أحدق صامتة في المرأة. أنياب؟ سيد؟ أنا أتعامل مع مجنونة هائجة! — ما لم... لا! تنظر إليّ خيمينا بعدم تصديق مطبق. — أصادفتِ رجلاً طويلاً بعينين بنيتين وشعر بنني مؤخراً؟ مظلم، فرض؟ — ووسيم بشكل لا يُصدّق، أجرد بصوت حالم. نعم، وقد طلب مني مناداته بالسيد. أسمه نيراري؟ — نعم، ومَتى، بالتحديد، رأيته للمرة الأولى؟ — حقاً، هذا الصباح بالذات، في زنزانتي! تبدو خيمينا متوترة بشكل متزايد، وما زلت لا أستطيع تقرير ما إذا كنت مجنونة، أم إنها هي كذلك. على الأقل علمت اسم قا... سيدي. نيراري. يا له من اسم غريب. ربما يصبح لي يوماً ما أيضاً. — أيتها الفرخة؟ — همم؟ — أحتاج منك قول الحقيقة. — أوه سأفعل، لقد أمرني السيد بطاعتك في كل الأمور. — أرى. حسناً، أرجوكِ قولي لي، أذكرك الأبكر هو تلك الزنزانة ذاتها؟ — نعم! أوه يا ل... أكعل، انسد حلقي فجأة. تكش خيمينا بتعاطف. — نعم. استيقظت هناك بالأمس. أو على الأقل أعتقد أنه كان بالأمس. يصعب معرفة مرور الوقت بلا شمس أو ساعة. — بالأمس؟ بالأمس؟! — نعم؟ — وتشعرين كأن عقلك يخذلك، كأن ذكرياتك مخفية خلف حجاب؟ — نعم! أخيراً، شخص يفهم محنتي! أوه، كدت أبكي راحة! لكن عوضاً عن الإجابات، تقف خيمينا وتبدأ بالمشي ذهاباً وإياباً. — أهو نوع من البلاء؟ — نعم. نعم، هو كذلك. ستلاحظين أيضاً الشحوب، الأظافر الحادة. والعطش. — أيتسح التحسن؟ تتوقف خيمينا عن المشي وتحدق في الأفق. — لا... لا، لا يحدث. أنتظر بصبر لتسهب. يمكنني معرفة المزيد عن ظروفي منها، شريطة ألا أغضبها أكثر. أتمنى لو تتعجل، حيث أجد نفسي أكثر شوقاً للعودة إلى غرفة نومي. ربما أجد هناك شيئاً أشربه. — ما اسمك، أتذكرين؟ — نعم. أريان. — تشرفنا، أريان. أذكر اللورد نيراري احتفالاً؟ — قال إنه إن أبليت بلاءً حسناً، قد أستمد جوهره خلال ثلاثة أيام وأعيش. تتمتم خيمينا لنفسها، وأنجح للأسف في سماع ما تقوله. تستطيع هذه المرأة الشتم كبحار! — حسناً، أريان الفتية، تجدين نفسك في وضع دقيق. ومع ذلك، لقد أعطيتني شيئاً نادراً للغاية، وشيئاً لا يمكن إهداؤه إلا تبرعاً، لا انتزاعاً. المشاعر القوية شيء ثمين للغاية. لأجل ذلك، أنا ممتنة وسأسعى لمساعدتك. تساعدني على النهوض. — أنتِ موبوءة، نعم، وأنا آسفة لقول إنه لا يوجد علاج. — ماذا؟ أنا... لم أسمع بمرض كهذا قط! وألهذا السبب أنا أسيرتك؟ بسبب هذه الحالة؟ — حقاً. يمكنك اعتبار الحجاب على عقلك نوعاً من المخدر الذي سيحميه أثناء التحول. — لكن... لا أريد... — شش، تقول، إنه لأمر رهيب، أعلم، ومع ذلك ما زلت أريان. تذكري دائماً، أنك ما زلت ملك نفسك. — ن-نعم، أنا أريان. أنا ملك نفسي. أترنح قدماً. — آه، لابد أنك مرهقة. استندي على كتفي، لأقودك إلى غرفة.
رحلة الأسود والأحمر الفصل 2 — خيمينا
اقرأ رحلة الأسود والأحمر الفصل 2 — خيمينا باللغة العربية على مانجا تايم.