دخلت العُشَّ نازلاً عبر الفتحة التي صنعها الثعبان، إذ صُنعت بالتأكيد، ولم تكن مساحة طبيعية بتاتاً، فقد تمكنت من رؤية آثار كشط الصخور من القاع إلى السقف بفعل حراشف الثعبان. لكن ذلك سهّل الهبوط، فأخذت وقتي محاولاً السيطرة على هالة الفيض التي استمرت في النمو قوةً وحجماً. لم أكن أملك أدنى فكرة عما يجب فعله، وكنت أطبق ما نجح سابقاً، غير أن سيطرتي بدت عاجزة تماماً، والخلاصة أنني ما لم أتمكن من كبح هذه الهالة فلن أستطيع الطيران، والأهم من ذلك بكثير هو ما قد يحدث حين أقترب من البلدة مجدداً.
كنت أدرك أن هالتي ليست بالأمر الهين، وبالنظر إلى قوتها الحالية... فلا أحد يدري ما سيلحق بالبشر ضعيفي التعزيز إن لامسوها، هذا فضلاً عن عينيّ المشبعتين بالهالة باستمرار الآن، واللتين ستسببان لي المتاعب لا محالة. استغرق مني الوصول إلى القاع نحو خمسة عشر دقيقة من المشي العادي، لينفتح أمامي كهف عملاق منحوت. وعلى الرغم من انعدام الضوء الطبيعي، فقد استطعت الرؤية بوضوح؛
حسناً، بوضوح أقل قليلاً، إذ بدا بصري أبيض وأسود وأكثر عتمة بلا ضوء حقيقي، لكني ما زلت أبصر. أما الكهف؟ فقد وُجد فيه ضوء، مصدره مكان واحد فحسب، ضوء أخضر لا يختلف عن ذلك الذي أصدره الثعبان، ساطع من قلب الكهف ليغمر كل شيء بزرقة خضراء مقبضة. أول ما لفت انتباهي هيكل عظمي، هيكل لثعبان ضخم التفاّ حول الغرفة بأسرها، وقد استقر رأسه ثابتاً ليغرس أنيابه في ذيله إلى الأبد، كأساطير أوروروبوروس.
بدا المنظر مهيباً، فهذا الثعبان فاق في حجمه حتى ذلك الذي واجهته، وربما كان أباه أو رفيقه. نظرت حولني، فلم أجد سوى كومة عظام ورائحة كريهة لا تكاد تفارق المكان، ولم يكن هناك سوى التوهج في المنتصف، عدا أنني لم أستطع تمييز كنهه من موقعي بسبب كومة عظام ضخمة حجبت الرؤية. وحين اقتربت، اتضح مصدر الضوء، إنه بركة أخرى، ما بال هذا المكان والبركات؟ بيد أنها اختلفت عما رأيته سابقاً، ولم تكن بالتأكيد جرعة شفاء هذه المرة؛
كلا، فقد برزت من السائل بلورات شبيهة بالهوابط، خضراء مثله لكنها صافية تكاد تكون شفافة. بدت الهوابط غريبة بحد ذاتها، إذ تكبر حجماً كلما اتجهت نحو الخارج، عكس ما تفعله البلورات عادة، غير أن ما وجدته أغرب هو البيضتان الحرشفيتان اللتان تدعمهما تلك البلورات. بحجم رأس، كانت إحداهما بيضاء عظمية، والأخرى سوداء كحجر العِصيان، وتعرّقتا كلتاهما باللون الأخضر الساطع للبركة ذاتها.
أهذا هو الكنز إذن؟ بيضتان؟ أأعدّ منها عجة وأجني منها بعض الخصائص؟ أستحظى بطعم لاذع مع كل ذلك السم الحمضي السحري الذي امتصته غالباً؟ لاحظت أن البركة كادت تجف، رغم أنها غمرت البيض تماماً من قبل، ولم يمسس السائل قاعها إلا لمساً خفيفاً الآن. ماذا علي أن أفعل بهاتين؟ اقتربت، وكانت الطاقة الكامنة في هذين الكائنين غير المولدين مجنونة بالفعل، شأنها شأن البلورات والسائل الذي بدا نسخة مطورة من سم الثعبان الحمضي.
ولكن وراءه مصدراً، فلا بد أنه شيء آخر؛ التفتُّ لأرمق هيكل الثعبان الميت، فلا أثر لنواة... لكني استطعت استشعار منبع تلك البلورات وقد تركز في قاع البركة. لمست البيضتين برفق، واضعاً يداً على كل واحدة أولاً، فشعرت بطاقة وحركة تحتهما، وأخبرتني عيناي أنهما على وشك الففقس. لم أدرِ كيف عرفت ذلك، فربما كان مزيجاً من الاستنتاج والسحر، لكن وجب علي اتخاذ قرار. حسناً، لم تستغرقني سوى ثانية لأصل إلى استنتاج بسيط، فلن أتركهما هنا غنيمة لمن يأتي بعدي، فهما لي الآن.
نقلتهما عن مرقدهما فوق البلورات ووضعتهما جانباً بلطف، ثم لمست إحدى البلورات بحذر بطرف إصبعي. توقعت شعوراً بالحرق أو ما شابه، لكن شيئاً لم يحدث؛ كانت الطاقة محبوسة. حسناً، هذا سيسهل الأمور. قبضت على بلورتين قرب القاعدة بكلتا يديّ، بعيداً عن ملامسة السائل، ثم شددت. كانتا عالقتين، ولم أكن في أفضل وضعية لرفع الأثقال، لكن اللعنة، بكل ما أمتلكه من قوة ما اعتقدت أبداً أنني سأفشل...
غيرت وضعيتي مجدداً، ثم ضبطت هيئتي وقبضتي، فلم تبدِ البلورات أي مؤشر على الانفلات، ولم تتزحزح عن الأرض. إلى أن انكسرتا بعد أن جذبت بكل ما أوتيت من قوة. طرت إلى الخلف، مدفوعاً بفعلة الشذب الخاصة بي، لأرتطم بجدار الكهف وأهوي فوق فقرات الثعبان الميت. ما هذا بحق... لم أضع ذلك الاحتمال في الحسبان قط. اللعنة، سأحتاج إلى مزيد من الحذر مع هذه الأشياء. رمقت البلورات المكسورة في يدي، فقد كانت كبيرة للغاية وربما ذات قيمة، بيد أن هناك المزيد، وكنت واثقاً أن منبعها هو نواة الثعبان العملاق الميت هنا، لذا سأحصل عليها.
عدت أدراجي، قافزاً إلى الخلف ومبتعداً بالبيضتين، إذ لم أرد المخاطرة بهما. ثم حاولت غرس إصبعي في السائل الأخضر، استغرق الأمر ثانية، لكنه بدأ يحرقني، ويزداد سوءاً مع كل لحظة. أخرجته وتأملته؛ كان محمرّاً ومتقرحاً، وبدأت الجلدة في موضع واحد بالانسلاخ قليلاً. كان الألم شديداً للغاية، أيها اللعين ابن الفاجرة، أي ثعبان غبي هذا وما هذا السائل بحق الجحيم؟ أمتلك قدراً هائلاً من البنية الجسدية، ولا أستطيع استخدام ذلك، وكان مفترضاً به أن يحميني...
نظرت إلى إصبعي مجدداً؛ كان يلتئم ببطء، لكنه بمرور الوقت بان للعين المجردة. انتظرت دقيقة، وعاد الإصبع إلى طبيعته، وبقي نبض خفيف يذكّر بوجوده لكنه تلاشى سريعاً أيضاً. حسناً، أيمكنني إزالة السائل بطريقة ما؟ ليت هالتي الغبية تعمل فحسب... لكانت جعلت المهمة يسيرة. حسنٌ، لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب. ما زلت أحتفظ بالصناديق التي جلبت منها الفاكهة، وقد جاءت كلها معبأة داخل نوع من الصناديق السحرية للحفاظ على طازجيتها.
أخرجت واحداً، صنع من نوع من الخشب المعزز سحرياً، فوضعته في بركة السائل الأخضر الصغيرة لأرى إن كان مقاوماً بالقدر الكافي. تدهور في ومضة، وظهرت خربشات من المانا للحظة ثم انفجرت ليلهبها حمض أخمدها في ثانية. رميت الصندوق جانباً، فلا جدوى منه. حسنٌ، أخرجت ترساً، أحد الأغراض التي اشتريتها وأزلت عنها لعنة؛ كان الشيء على شكل دمعة، ومحنياً قليلاً، ومصنوعاً بالكامل من المعدن، وكان ترساً بحق اللعنة، فلا بد أن يعني شيئاً، أليس كذلك؟
غرزته في البركة وألقيت السائل سريعاً خارج الحوض ليقلي على الأرض ويأكلها، وتمكنت من استخدام الترس ثلاث مرات إضافية قبل أن يتحول إلى مصفاة معكرونة.
"إسراف لعين للنقاط!"
رميت الشيء المذاب. ارتد مراراً وتكراراً، محدثاً قدراً غبياً من الضجيج الذي عزف على أعصابي. نجحت في تقليل كمية السائل قليلاً، لكن بقي منه ما يكفي لحرقي بشكل سيء للغاية، غير أنني سأتعافى، ويمكنني شفاء نفسي طبيعياً وعبر استخدام قوة الحياة، سأنجز هذا. أخذت نفساً عميقاً، سيكون الأمر مؤلماً.