(الجزيرة العائمة الغامضة ، منظور ليوناردو)
انفجر العالم في ضوء ساطع ، وللحظة شعر ليوناردو كما لو أن جسده قد تشتت إلى ألف شظية صغيرة.
*شهيق*
انحبست أنفاسه في صدره بينما تلاشت الجاذبية ، ليجد نفسه واقفاً في مكان مختلف تماماً بعد بضع ثواني ، حيث تردد طنين خافت لسحر قديم عند قدميه.
"هاه؟" رمش بعينيه وهو يشعر بالارتباك حتى سرق المشهد الذي امتد أمامه ما تبقى من أنفاسه.
امتد في كل اتجاه مساحة حجرية لا تشبه أي شيء قد رآه من قبل.
تلألأت الأرض تحته ببريق خافت ، منحوتة من مادة بدت وكأنها حية ، داكنة ومعدنية ، ومحفورة بعروق من الضوء تنبض ببطء ، وكأن الجزيرة نفسها تتنفس.
كل بضع ثواني ، سيمر اهتزاز منخفض عبر المنصة ، خفي ولكنه إيقاعي ، مثل صوت بعيد لقلب نائم.
اتخذ ليوناردو خطوة حذرة للأمام وأحذيته تصدر نقرات خفيفة ضد الحجر ، ليجد نفسه محاطاً بأعمدة شاهقة تلتف صعوداً نحو الضباب في الأعلى.
كان كل عمود منحوتاً بتفاصيل دقيقة ، أجنحة تتفتح ومخالب تمتد وعيون بدت وكأنها تتبعه بغض النظر عن المكان الذي يتجه إليه.
كانت البراعة الحرفية تفوق الاستيعاب ، وكأن الاشخاص الذين بنوا هذا الهيكل كانوا كائنات ذات قوة عظيمة بدلاً من براعة فنية.
"لا اصدق هذا" تمتم.
في الأمام ، اصطفت أقواس ضخمة في الأفق ، ترتفع وتتداخل مع بعضها البعض مثل أضلاع عملاق قديم.
كان مقياس كل شيء شاسعاً وعالياً وثقيلاً للغاية ، ولكن الزاوية بدت مقصودة ، وكأن التصميم كان جزءاً من إيقاع أعظم.
وعندما مر نسيم خفيف ، حاملاً معه رائحة الحجر المحروق وشيء معدني خافت ، اتجهت نظرات ليوناردو للأعلى.
كانت السماء في الأعلى بنفس لون الشفق الرمادي ، مما أكد له أنه لا يزال داخل العالم الذي لم يمسه الزمن ، حتى لو تم نقله آنياً إلى جزيرة غامضة.
"من يمكنه بناء شيء كهذا؟" تساءل بصوت عالي ونبض ثابت ولكن عقله كان مضطرباً وهو يحاول معرفة عرق صانع هذه الجزيرة ، الذي كان متأكداً أنه ليس بشرياً.
ومع ذلك ، ما لم يكن يعلم به هو أن وصوله إلى الجزيرة قد حرك شيئا عتيقا من سباته الطويل الذي بلا أحلام ؛ ففي أعماق سطح الهيكل الضخم ، فتح وعي أقدم من التاريخ الحديث عيناً واحدة.
استشعر مولثيراك ، حاكم الوحوش القديم ، دخيلاً الى مكان نومه بل مجرد نملة.
"همم؟" تردد الصوت بخفوت عبر فراغ الأبدية ، فضولياً وبطيئاً ، مثل جبل يتذكر كيف يتحدث ، "هل هناك أحد؟"
تكثف الهواء حول الجزيرة وكأن نسيج الوجود نفسه تردد في حمل صوته.
ثم تحرك العالم.
*أنين*
لم يكن الصوت الذي تلا ذلك صوت صخور تتشقق أو هواء يتحرك بل كان صوت الخلق نفسه وهو يتمدد بعد أن ظل ساكناً لفترة طويلة جداً.
ارتجفت الجزيرة ونبضت عروق ضخمة من الضوء عبر الحجر المعدني تحت اقدام ليوناردو ، حيث شعر باهتزازات قوية تعبر ساقيه وعظامه حتى وصلت إلى صدره وسرقت الإيقاع من قلبه.
"ما الذي يحدث…؟"
توقفت كلماته في منتصف الطريق ، حيث انتشرت قوة غير مرئية للخارج من قلب الجزيرة.
لم تكن رياحاً او مانا بل هالة قديمة وهائلة وواعية.
بدا العالم وكأنه ينطوي تحت ثقلها بينما صرخت كل ذرة هواء لتنحني.
ركع ليوناردو على ركبتيه فوراً وارتطم جسده بالأرض المعدنية.
*ارتطام*
بالكاد استوعب عقله الضغط الهائل.
حاول رفع رأسه ولكن عضلاته رفضت ، لأن الثقل الذي كان يضغط عليه لم يكن جسدياً بل شيئاً أعمق ، شيئاً بدائياً قد وصل إلى جوهر كيانه وذكّره بما يعنيه أن تكون فريسة.
"ما… هذا… الضغط؟"
لهث بصوت لم يكن سوى نفس بينما كان صدره يكافح للارتفاع.
بدا كل شهيق كمحاولة لسحب الهواء عبر الحجر ، بينما بدأت عروق الضوء المتلألئة تحته تخفت وتومض تحت الهالة القمعية التي تشبعت بها الجزيرة الآن.
*دوي*
نبضت الأرض مرة أخرى ، أقوى هذه المرة.
اهتزت الأعمدة المحيطة به وتصدعت قليلاً عند قواعدها وسقط الغبار كالمطر بينما بدت نقوش الأجنحة والمخالب تلتف بمهارة وكأن الحجر نفسه ينبض بالحياة.
ارتجف جسد ليوناردو بعنف بينما كانت يديه تضغط ضد المعدن البارد.
تشوشت رؤيته وتسرّب الدم من أنفه وأذنيه وتشنج جسده بينما كانت عروقه تصرخ من الألم من شدة الضغط الذي يتدفق عبرها.
عقله ، الذي كان عادة حاداً وهادئاً ، انحدر إلى الفوضى.
كل فكرة كانت تتفكك وكل حاسة كانت محملة بأكثر من طاقتها.
أراد أن يصرخ ولكن لم يخرج أي صوت. أراد أن يتنفس ولكن لم يبقى هواء لأخذه.
تقلص عالمه إلى صوت ضربات قلبه: واحدة ، اثنتان ، ثم التباطؤ ، حيث كانت كل نبضة تستغرق وقتاً أطول من التي تسبقها.
بدت الهالة التي تسحقه حية وذكية وواعية بشكل مرعب.
لم تسعى لقتله ولكن مجرد وجودها محا وهم المساواة بين الحكام والفانين.
لم يكن سوى مجرد حشرة تتعدى على شيء يفوق الفهم بكثير.
امتلأت رؤيته بالظلام الذي يزحف من كل الجوانب بينما تجمعت دموع الإجهاد في عينيه.
'أنا… لا أستطيع… التنفس…'
رنّت الفكرة في عقله ، خافتة وفاشلة ، بينما شعر بوعيه ينزلق كالرمل عبر ساعة رملية مكسورة.
ثم ، مع تلاشي آخر ذرة من قوته ، استسلم أخيراً للقوة الغاشمة.
سكن جسده وانقلبت عيناه للخلف وتوقف تنفسه… حيث فقد وعيه.
وفي تلك اللحظة ، هدأت الجزيرة مرة أخرى.
وفي أعماق قلب الهيكل الضخم ، تحرك الوعي القديم بالكامل الآن ، حيث انتشر وعيه عبر الجزيرة كالنار السائلة.
فتحت روح مولثيراك عين واحدة ضخمة داخل فراغ سجنه ونبرته كانت بين التسلية والذنب الخافت.
"أوه؟" تمتم برفق بصوت يتردد عبر عظام الجزيرة ، "هل أغمي على هذه النملة لمجرد أنني استيقظت؟" توقف بينما طفا فضول خافت عبر أفكاره التالية ، "هممم… البشر كائنات هشة للغاية"
نبضت الأرض مرة أخرى ، هذه المرة برفق ، مثل نبض قلب يعود إلى إيقاعه.
انسحب الضغط القمعي ببطء وهو يتراجع إلى جوهر الجزيرة حتى أصبح الصمت مطلقاً مرة أخرى.
بقي جسد ليوناردو الساكن فقط على الأرضية المتلألئة ، مع عودة تنفسه الخافت شيئاً فشيئاً ، بينما عاد حاكم الوحوش القديم الذي يحكم هذا المكان المهجور إلى نصف سباته ، متمتماً برفق في أعماق الأبدية ، "نم جيداً أيها الصغير. لقد دخلت بوضوح إلى عالم لم يُصنع لك"
الترجمة: Hunter