(كوكب فورثاس ، منظور مو فان)
كانت الساعة الرابعة صباحاً ، حيث كانت شوارع فورثاس صامتة تماماً في هذا الوقت ولم يقطع هدوءها سوى صوت خطوات حذاء مو فان وهي تسير إلى عملها.
كانت ترتشف من كوب قهوة مرّ أثناء مشيها وهو ترفها الوحيد خلال استراحتها الليلية. جدول أعمالها لم يكن يسمح لها سوى بساعة واحدة من الراحة يومياً ، بين الساعة الثالثة والرابعة صباحاً ، لتغادر مكتبها ، حيث كان هذا هو الوقت الذي لا يحدث فيه أي شيء مهم وعادة ما يكون الجميع غارقين في النوم. بخلاف ذلك ، كان عملها في المراقبة مستمراً على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع وهو ما كان يسبب لها صداعاً لا يتوقف.
لم يكن من المفترض أن تكون وظيفة المراقبة عملاً يقوم به شخص واحد ؛ فهي كانت بحاجة إلى المزيد من الموظفين لإدارة العملية بكفاءة ، لكن ذلك الرجل لم يهتم بمطالبها.
"يا له من شيخ غبي ، غبي للغاية" شتمت وهي تمشي عندما شعرت فجأة بقشعريرة تجري في عمودها الفقري ، كما لو كان هناك من يراقبها.
التفتت بسرعة وفحصت الشارع خلفها بحثاً عن أي علامات لملاحق ، قبل أن تنظر نحو الأسطح ، لتجد أن المكان خالي من أي أحد.
"يبدو أنني أبالغ في التفكير مجدداً…" قالت لنفسها وهي تطلق تنهيدة عميقة وتواصل السير.
طوال الأسبوع الماضي ، شعرت مو فان بقلق متزايد ، كما لو أن شخصاً ما كان يراقبها باستمرار من مكان لا تراه عيناها. كانت تغير مسار سيرها كثيراً وتحاول جاهدة اكتشاف مكان ملاحقها ، لكنها لم تجد شيئاً يبرر قلقها ومهما حاولت البحث ، لم تجد دليلاً يبرر شكوكها ، لذا بعد أسبوع من الشك ، بدأت تتجاهل تلك التحذيرات وهي تلقي باللوم على طبيعة عملها.
"هل بدأت أفقد عقلي؟" تساءلت وهي تنظر خلف كتفيها مرة أخرى ، لتجد لا احد خلفها كالعادة.
"أنا أكره الشيخ الثاني عشر… أنا بحاجة إلى رئيس أفضل ، شخص يأخذ الأمور على محمل الجد" شتمت قائلة ، حيث بدأت تشعر بالاشمئزاز من كل جانب من جوانب ذلك الرجل خلال الأشهر القليلة الماضية. لم يكتفي بإرهاقها في العمل فحسب بل لم يقدّر جهودها ولم يهتم بآرائها وهو ما كان يسبب لها إحباطاً لا نهاية له. إذا كان الأمر بيدها ، لكانت أرادت العمل لدى شيخ جديد في أقرب وقت ممكن ، لكنها حالياً عالقة مع الشيخ الثاني عشر.
سرعان ما بدأ الزقاق أمامها يضيق حتى وصلت إلى وجهتها.
كان هذا هو المدخل الخلفي لمكتبها ، المحشور بين مبنى مكتب الشيخ الثاني عشر الشخصي ومكتب جمعية العمل ، والمتواري بعمق داخل زقاق ضيق بعيد تماماً عن أنظار الشارع الرئيسي.
وكالعادة ، فحصت مقبض الباب بحثاً عن أي بصمات أصابع أو آثار حرارة متبقية ، لكنها لم تجد شيئاً ثم فتحت الباب باستخدام نظام القياسات الحيوية الخاص بها.
دخلت مكتبها بهدوء وهي ترتشف الجزء الأخير من قهوتها عندما أصابها سهم فجأة في جانب رقبتها.
انتفضت مو فان بقوة واتسعت عيناها بينما شعرت بصدمة باردة.
"من؟" تمتمت بينما تحركت يدها غريزياً نحو خاتم التخزين الخاص بها ، لتستل منه سيفاً قصيراً في حركة سريعة.
مسحت الغرفة بنظرات حادة ومحمومة ، باحثة عن مصدر الهجوم ، ولكن الظلال لم تكشف لها شيئاً سوى الهدوء الساكن للمكتب الفارغ من حولها.
"من؟" سألت مرة أخرى ولكن بحلول ذلك الوقت كانت رؤيتها قد بدأت تتلاشى.
انثنت حواف الجدران بينما مزق صداع وحشي جمجمتها مثل مخالب تنهش من الداخل.
حاولت التركيز ولكن كل التفاتة لرأسها جعلت الألم أسوأ ، حيث كان الدوار يسحبها كتيار بحري ، حتى بدأت ركبتاها ترتجف تحت وطأة الإجهاد.
انزلق السيف القصير من بين أصابعها وارتطم بالأرض بينما تسارع تنفسها في دفعات قصيرة ومذعورة ، وجسدها يأبى الخضوع لإرادتها.
أخبرت نفسها أن تبقى مستيقظة ، أن تجبر عضلاتها على التحرك ، أن تقاوم مهما كان الثمن— لكن السواد الذي كان يزحف عند حواف بصرها لم يكن يرحم.
تلاشت قوتها في موجة بطيئة وخانقة ثم انهار جسدها على الأرض قبل أن تتمكن حتى من رؤية صورة الرجل الذي هاجمها.
عندما فتحت عينيها مرة أخرى ، وجدت نفسها في غرفة خافتة الإضاءة تفوح منها رائحة الحجر الرطب والحديد ، وكان الهواء ثقيلاً وراكدًا كما لو كان المكان مغلقاً لسنوات. لا تزال رؤيتها ضبابية ، ولكنها استطاعت تمييز الجدران الغير مستوية والمصباح الوحيد المعلق من السقف والوميض الخافت لشمعة موضوعة على طاولة على بعد عدة أقدام.
"أين أنا؟" تساءلت وهي تحاول الحركة ولكن اكتشفت أنها لا تستطيع.
كان الكرسي الذي تجلس عليه مصنوعاً من المعدن البارد ، وبدا أن معصميها مشدودان بشكل مؤلم خلف ظهرها ومقفلين بقيود سميكة ، مع ربط كاحليها بطريقة مماثلة ، مما جعلها غير قادرة على التحرك لأكثر من بوصة واحدة في أي اتجاه.
كانت الحبال مغروسة في جلدها ، خشنة ولا تلين ، بينما التفت سلسلة معدنية رفيعة حول خصرها لتربطها بالكرسي نفسه ، مما جعل الهروب مستحيلاً بدون مساعدة خارجية.
"لماذا؟" تساءلت بعد ذلك وهي تحاول تدوير المانا ولكن لم تستطع حيث بدا أن أحد الحبال التي تربطها كان من النوع الذي يعطل تدفق المانا الداخلي.
مرت الثواني ، وبدأ رأسها يستعيد صفاءه قليلاً ، وعندها فقط لاحظت أنها ليست وحدها.
امامها ، كان هناك ثلاثة أشخاص جالسون في صمت.
في أقصى اليسار جلس فايبر ، مع وجه غير قابل للقراءة خلف قناعه الأبيض ، ولكن كانت مو فان تعرف بالفعل هويته الحقيقية. حتى لو لم يعرف العامة هويته الحقيقية ، فهي كانت تعرف.
وبجانبه جلس سو بي ، الذي تجنب النظر إليها تماماً ، بينما كانت يداه مشبوكة أمام وجهه كما لو أن ثقل الموقف يجعله يتمنى ألا يكون هنا على الإطلاق.
وفي المنتصف ، كان ليو.
التقت عيناه بعينيها على الفور ، وفي تلك اللحظة شعرت بدمائها تتجمد.
لم يكن هناك أثر للدفء ولا تلميح للرجل الذي اعتقدت يوماً أنها تستطيع توجيهه ليصبح شاباً نبيلاً بل كان هناك هدوء جليدي يضغط عليها كقوة مادية.
كانت تعابير وجهه خالية من الشفقة ، وكلما طالت نظرتها في عينيه ، أدركت أكثر أن أياً كان ما يحدث هنا ، فإنه لن ينتهي برحيلها حرة.
*تقطير*
قطع صوت تقطير الماء الخافت الصمت بينهم ، حيث كانت كل قطرة تتردد صداها مثل عد تنازلي لم تستطع إيقافه.
أرادت أن تتكلم ، أن تطالب بتفسير أو تتظاهر بالجهل ، ولكن حلقها كان مشدوداً مع صوت يأبى أن يتشكل ، كما لو أن غريزة ما أخبرتها أن الكلمة الخاطئة قد تحكم على مصيرها بالكامل.
أرجع ليو ظهره ببطء إلى كرسيه ، بدون أن يكسر التواصل البصري أبداً ، بينما كان ضوء الشمعة الخافت يرسم وجهه بظلال حادة جعلته يبدو أقل كإنسان وأكثر كجلاد ينتظر اللحظة لإصدار الحكم.
الترجمة: Hunter