جميع ما يتم ترجمته في الفصول منسوب إلى مؤلفي العمل، وإن وجدت أي معاني كفرية فقد ترجمت مع إنكارها وكرهها وسنحاول جاهدين الإبتعاد عن هذه المعاني، ونحن بريئون من أي ذنب واقع على أي أحد.
الفصل 355: الأخير لكلٍّ منهم (9)
كانت القارة تنهار. تحطم المذنب واصطدم بالأرض، وجاذبيته الهائلة مزّقت الغلاف الجوي وتسببت في دمارٍ كارثي. تدفقت المانا الغريبة.
* كارثة تتجاوز حدود السحر.
كانت على وشك أن تجلب عصراً جليدياً يبتلع القارة، وربما حتى تخترق نواة الأرض نفسها وتحطمها إلى غبار كوني.
"لن أسمح بحدوث ذلك."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه إيفيرين، بينما نظرت سوفين حولها وأومأت برأسها.
"حقاً، إنه أمر نادر أن يجد المرء نفسه أمام لحظة كهذه، ليتأمل الدمار ذاته."
"أجل."
كانتا الآن على قمة المنارة، المكان الذي شهد فيه ديكولين فناء القارة. أشعة الشمس تتساقط بلا رحمة، تحرق الأرض بعدما جردها المذنب من أي عزاء.
"لقد قررنا نحن الأربعة أن ننفذ معاً معجزة الأستاذ."
قالت إيفيرين. الأربعة هم: موركان، إدنيك، إيفيرين، وسوفين. أما أدريان، فلم يكن نافعاً في شيء سوى سحر الدمار.
"موركان وإدنيك سيتولّيان التحكم بالتعويذة المنقوشة على قاعدة المنارة؛ أنا سأعتني بالوسط والجزء الأهم…"
التفتت إلى سوفين، التي كانت تحدق في مشاهد الخراب، ثم أومأت مجدداً.
"سأتكفّل بالقمة."
"…حسناً."
أرسلت إيفيرين إشارة إلى السحرة المنتظرين خلفها.
"لنبدأ."
غووووه…
في تلك اللحظة، فعّل موركان وإدنيك سحرهما. استدعيا التعويذة التي حفِظاها سلفاً. أولاً، دعمت مانا موركان قاعدة المنارة من الأسفل، ثم غمرتها مانا إدنيك فوقه.
"سنلتقي… بعد سبات قصير."
قالت سوفين، وابتسمت إيفيرين برقة، مستجمعة المانا في قلبها.
"نعم، جلالتك."
سوااااااااش—
تدفقت مانا إيفيرين كما الماء، مانا الزمن، فملأت وسط المنارة، مترقبةً أن تكتمل بلمسة سوفين الأخيرة.
“…”
أغمضت سوفين عينيها، فانفجرت مانا حمراء من أصابعها لتغمر قمة المنارة. لم تكن ناقصة ولا مفرطة، بل تماماً كما حسبها ديكولين. لقد جسّدت المعجزة التي أعدّها.
وكإمبراطورة، كانت هي من يقود مسار القارة إلى الأمام.
….
…في مكان ما من "الفناء"، غير بعيد، في ركن من الأرض المحروقة بمانا المذنب، حيث الأفق يوشك أن يختفي وينهار، بقي كريتو مع كواي.
كلاهما يشهد فناء القارة معاً.
"لم يتبقَ وقتٌ كثير. حواجز سحري ضعيفة، لن تصمد."
سحر كريتو لن يستمر طويلاً وسط هذا الخراب، دقيقة أو دقيقتان بالكاد. لم يُولد استثنائياً، وتلك كانت حدوده.
"فلتتأمله إذن. أليس هذا ما أردت؟"
نظر كواي، وقد تحللت أطرافه بالكامل. لم يستطع فهم كريتو تماماً، هل يحاول حماية نفسه أم سيبقى معه حتى اللحظة الأخيرة؟
"البشر حقاً… حمقى."
تمتم بعد صمتٍ قصير، بينما كانت رقائق جلده تتساقط مع تحريك شفتيه. جسد الدمية المكسور لم يكن ليصمد طويلاً، ومع ذلك واصل كواي:
"في النهاية، ستكون مداناً، لن تعيش إلى الأبد، وفي النهاية ستموت. لماذا…؟"
فجأة، وضعت يد على جبينه، كانت لفتة لطيفة لقياس حرارة طفل مريض.
"…لا تحاول أن تفهم. هناك قول: يمكنك قياس عمق الماء، لكن لا يمكنك قياس قلب الإنسان."
تحدث وكأن ما قاله أمرٌ معقول، مبتسماً طوال الوقت. تنهد كواي وأغلق عينيه.
"إذن، كيف كانت حياتك في العصر المقدس؟ هل كنت سعيداً؟"
ابتسم ابتسامة ملتوية.
"…لم يكن هناك شيء من هذا القبيل."
أجاب ببرود وفتح عينيه.
"لأننا عشنا فقط من أجل الطاغوت، لم يكن هناك حاجة للسعادة الشخصية."
كريتو اكتفى بالإيماءة دون كلام. فجأة، بدا على كواي ملامح خيبة أمل.
"لكن الطاغوت تركني هنا… بلا إجابة. أنا الذي بجلته وصدقته وأردتك فقط…"
"همم؟ ألم تقل أن الطاغوت مات؟ فكيف يمكنه الإجابة؟"
“…”
"دعنا نلتزم بقصة واحدة."
حدّق كواي في كريتو، لكن نظره كان بعيداً.
"كواي، أعلم أن الأمر عشوائي بعض الشيء، لكن…"
كانت الأرض والسماء تنهاران، والقارة تندمج مع الكون، وكان يراقب وكأنه يتأمل عملاً فنياً…
"لو كنت أنا الطاغوت، لكنت آسفاً لأجلك."
توقف كريتو لحظة.
"لك، صاحب الإرادة الأقوى، كان إيمانك أعظم امتحان، ومحنة، وشدة للبشرية."
ارتجفت عينا كواي. انعكست صورة كريتو في عيني الدمية، وكلاهما يغمره ضوء النجوم الكوني. شعر وكأنه قد عاش هذا الشعور من قبل.
"أظن أنني سأكون آسفاً. أظن أنني سأندم قليلاً على أنني رحلت دون أن أقول شيئاً لك."
ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتي كريتو.
"لكن ذلك سيكون دليلًا على أن حتى الطاغوت كان ناقصاً من أي وجهة نظر."
وجود كواي نفسه كان دليلاً ساخرًا على نقص الطاغوت.
"إذاً، ربما أنت البرئ الوحيد في مجرى القدر."
لقد خُلق في العصر المقدس، ما يعني أنه لم يكن مختلفاً عن أصل البشرية. كمخلوق، كان أقرب إلى الطاغوت من أي شخص آخر. لذلك، إذا كان مذنباً، ربما كانت أولاً خطأ من الطاغوت.
“…”
خفض كريتو بصره ونظر إلى كواي، الذي حدّق فيه بصمت.
“…”
لكن لماذا؟ شعر كواي بالحيرة قليلاً. بينما كان يتأمل وجه كريتو، تذكرت ذهنه أياماً بعيدة جداً، في عالم بعيد، ووقت بعيد، كانت الذكريات قد تُركت منسية. أيام كان يستيقظ فيها على زقزقة الطيور، ويشكر ضوء الشمس الذي يلامس وجهه النعسان، ويبتسم ببريء لأغنية الجراد…
"ارقد بسلام."
ذكره كريتو بتلك اللحظات.
"…نعم."
رد كواي بلا شعور. خدش كريتو رأسه.
ثم، هطلت الأمطار من السماء.
وووش…
في لحظة الدمار، عندما كان الجو يشتعل، تساقط رذاذ يتحدى نظام الطبيعة على حاجز كريتو.
"أظن أنني أستطيع أن أفهم… قليلاً."
رأى كواي ذلك وشعر باليقين.
"السبب في ولادتك كأخو صغير لسوفين."
بالطبع، قد لا يكون كذلك. ربما ارتكب خطأً، فالجسد الذي يسكنه فيه مشكلة.
"لا أظن أن هناك سبباً محدداً ولدت لأكون الأخ الصغير للإمبراطور."
“…”
هز كواي رأسه، ثم ابتسم.
"…ارجع. إلى المنارة."
كريتو لن يصمد هنا، لكن كواي لم يستطع السماح له، كتجسد، بالموت هباءً. في هذه اللحظة الأخيرة، لا يجب أن يترك الطفل الذي نقل إليه إرادة الطاغوت.
"لماذا؟"
"لأنك في خطر."
لم يكن مهماً إن كان هذا وهمًا. إرادة الطاغوت دائماً غامضة، والمضمون يتغير بحسب قلب المؤمن الذي يقبله.
"ارجع وانقل كلماتي إلى سوفين."
كريتو كان تجسيداً، وأرسله الطاغوت لسماع هذه الكلمات في النهاية، ليعتذر له… هذا كان تفسير كواي.
"ما هي الكلمات؟"
سأل كريتو. نظر كواي إلى الأعلى.
رعـم-
انتشرت المانا الحمراء في السماء. سوفين.
صنيعتي.
"…أنني فخور بها."
وهو يلتقط المشهد في آخر ذاكرته، أغلق كواي عينيه بهدوء، وسالت دموع المطر منها. أصبح العالم مظلماً، وابتعد وعيه، لكنه لم يشعر بالوحدة بعد الآن. كان مرتاحاً وأسعد من أي وقت مضى.
"أظن أنني أستطيع أن أفهم قليلاً الآن… إرادته."
"…حسناً."
رد كريتو، ويمسح برفق دموعه.
"…لقد قلت شكراً."
ابتسم كواي.
…تغريد، تغريد.
من بعيد، سمع زقزقة الطيور. كواي الصغير نظر للأعلى وابتسم، وركض بأرجله القصيرة وهو يلوح بيده.
…تغريد، تغريد.
متبعاً الطيور المرحة، وهو يعبر الغابات، ويجتاز الأنهار، حتى فقد نفسه في النهاية.
…تغريد، تغريد.
لكن حتى لو ضعت، أو احتجزت في جبل مظلم اختفت فيه الشمس، يمكنني أن أبدأ من هناك.
…تغريد، تغريد.
لأنني الآن أعلم أن هذه الأغنية، أغنية الطائر التي سترشدني دائماً، تأتي من قلبي.
….
…في مركز البرد، أمام الفارسة المجمدة جولي. تمدّ كيرون ويرييل يديهما نحوها.
—…يرييل.
ناداه كيرون. يرييل، التي كانت تحدق بفراغ في جولي، ارتعشت.
—ماذا تفكرين؟
“…”
نظرت يرييل إلى كيرون.
"أفكر فيما سيحدث."
—ماذا، كيف؟
"بعد هذا."
وضعت يرييل ديكولين خلف جولي، لتبدو وكأن جولي، التي لا تزال ممسكة بسيفها، تحمي ديكولين. مع ذلك، سيكون ديكولين بأمان، وبعد كل شيء، يمكنه انتظار موت أكثر راحة.
"ماذا ستفعل، فارس كيرون؟"
شعرت يرييل فجأة بالقلق عليه. بعض الأشخاص مجمدون، بعضهم يمكن تجميده، وبعضهم لا يمكن تجميده. كيرون كان من النوع الثالث النادر.
—سأجعل جلالتها تدخل في سبات. هي لا تزال على قمة المنارة.
بالنسبة لسوفين وإيفيرين، كان السبات لا يختلف عن النوم لفترة قصيرة. العصور ستختفي عندما يستيقظون.
"…وماذا عن ما يأتي بعد ذلك، أيها الفارس؟"
لكن ليس بالنسبة لكيرون. بالنسبة له، سيكون ذلك الوقت محدداً وسيتدفق كما هو.
—نحتاج أيضاً إلى من يدير القارة أثناء تعافيها البطيء، ونحتاج إلى فرسان لحماية من سيدخلون في السبات.
ومع ذلك، أعلن كيرون واجبه بهدوء، كما لو لم يتغير منذ البداية.
"…هل هذا منطقي؟ قد يتجاوز عشرة آلاف عام."
عمر "خارج الزمن"، حسب حساب ديكولين نفسه، كان 10935 سنة. سيدخلون في السبات لهذا الوقت بالضبط، لكن 11 ألف سنة ستظل 11 ألف سنة بالنسبة لكيرون.
—يمكنني اعتبار الوقت الذي قضيناه مع العملاق بمثابة بروفة.
ابتسم كيرون بخفة.
—أخت ديكولين، لكلٍ منا دوره.
حدّقت يرييل في كيرون بلا شعور.
—سأحمي جلالتها هنا.
طرطق…
شعر بشيء يبرد. نظرت يرييل حولها وذهلت عندما وجدت أطراف أصابعها تتجمد.
"ه-هذا-"
—نامي بسلام.
أومأ كيرون بينما كان يشاهد يرييل تتجمد.
—إذا أغمضت عينيك لفترة ثم فتحتها، ستستعيد القارة شكلها.
"لا، انتظر—"
قبل أن تتمكن من الصراخ، تجمدت يرييل بالكامل. بدأ سباتها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san