لم تكن جيويل مسرورة البتة. لقد نسيت أمر سميثسون تماماً. سميثسون الذي يمكن عده قانوناً تابعاً لها، وبالتالي جزءاً لا بدّ منه من أي حاشية أو موكب يضمّها. وهذا يعني تقنياً أنه سيرافقها في رحلتها طوال الوقت. لكنها علمت يقيناً أن لديه الكثير من الواجبات المهمة ليؤديها لمسؤول الاسطبلات، وهي بالكاد تعرف الفتى. ففي السنوات الأربع منذ أن ركبت درعها الأول، وما تلاها من خمسة تعديلات أُخرى واستبدالين كاملين، تبادلا ربما بضع مئات من الكلمات.
ولا حتى اثنتي عشرة كلمة إن استثنيت "نعم، لا، حسناً، ضيق للغاية، واسع للغاية، يا سيدة، يا تابع، يا فتى".
ولو لم تكن تفاعلاتهما القصيرة كل بضعة أيام لتجهيزها للتمارين ثم نزع الدرع لما عرفت اسمه حتى! والحقيقة أن عده تابعاً لها كان مبالغة فادحة، وظنت جيويل أن الأب لم يفعل ذلك إلا ليتمكن من المطالبة ببعض العملات الإضافية من ضرائبهم للكونتيسة. ولم يكن لديها أية أسلحة ليحافظ على صيانتها، ولا مهام مطلوبة منه ليخدمها. وما كان إلا سائس خيل بالكاد. وبما أنها كانت سيدة، فتأكل وتغتسل وتعتنى بنفسها، ولا تحتاج إلى درع، بل ولم تكن قادرة على تدريبه كفارس متدرب، فإن دوره بأكمله كان يقتصر على ربط وفك بضع نقاط في عدتها يصعب الوصول إليها دون استخدام فمها!
وكانت جيويل واثقة تماماً من أنه سيكرهها لضطره على مراقبة الجميع في هذه الرحلة لمدة اثني عشر يوماً على الأقل بعيداً عن واجباته ومنزله وعائلته. ألم تكن له عائلة حقاً؟ زفرت بقوة، فلم تكن تعرفه بالقدر الكافي لتتيقن من أصل نسله! افترضت جيويل أنه ربما كان فتى من العامة، أو ربما طفل قن أو ربما ابن حر. لكنها لم تكن تعلم حقاً! لم يكونا يتحدثان قط إلا قبيل تمارينها أو بعدها، أو عندما كانت تحاول مساعدته لتعويضه عن كثرة المقاطعات في عملها.
وحتى في تلك الأوقات، كانت الكلمات شحيحة وثابتة بتكلف حتى كأنها حُفرت في ذاكرتها.
"نعم، أيتها السيدة جيويل".
"لا، أيتها السيدة جيويل".
"شكراً لك، أيتها السيدة جيويل".
وكل حين وآخر تلك العبارة النادرة: "بالتأكيد أيتها السيدة جيويل".
كان الأمر محبطاً للغاية! فقد أجرت محادثات أقل تكلفاً مع الغرباء تماماً والأطفال الذين تجمّعوا حولها في مهرجان الخنزير! من الواضح أن سميثسون لم يكن يحبها، وكان سيكرهها لإجباره على خوض هذه المغامرة بناءً على ثغرة قانونية في واجبه تجاهها. ويبدو أنه كان يستعد بصمت وتفانٍ لمرافقتها طوال الأيام السبعة الماضية، ولم يذكر أحد شيئاً حتى الآن! كانت جيويل على وشك أن تودعه عندما مشى نحو ما ظنت أنه حصان حزم لا يزال فارغاً وقفز صعداً إلى السراج!
لم يكن هناك الكثير من الصخب، فقد كان ألكسندر والأم هنا لتوديعهما، إلى جانب سبعة وعشرين جندياً مشاة متبقين (أُعفي اثنان منهم بسبب التواءات منعتهما من السفر) ممن كان عليهم حراسة الإقطاعية في غياب الأب. ليس وكأنهم واجهوا أي تهديدات على حدودهم تستدعي القلق. لكن الوداع كان غير رسمي وقصيراً، ثم أخذا يروضان حصانين بخطوات مألوفة خارج الفناء صعوداً إلى الطريق الجنوبي قبل أن تفرغ جيويل تماماً من ارتباكها لعدم إدراكها أنها ستملك تابعاً يرافقها للعناية بها ذهاباً وإياباً!
على الأقل كانت أوزان حقائبها خفيفة بما يكفي لتغنيها عن إجهاد نار تنينها لمجرد التنقل بهدوء ورشاقة متناهية. وظلت متخلفة بقليل عن برونثيل واثنين من الجنود المشاة اللذين كانا يتصدران المقدمة لاستطلاع أي قطاع طرق أو عوائق على الطريق. ليس وكأن أحداً توقع شيئاً من هذا القبيل في اليوم الأول للركوب. ولن يغادروا البارونية حتى صباح الغد. وقد وضع الأب حدّاً لتلك الإشارة النادرة لقطاع الطرق فور الإبلاغ عنها في الصيف الجائع الماضي.
عرق المشاة والحصان سريعاً تحت شمس الصباح الباكر، ولم تزدد روائحهم إلا حدة كلما تقدم الصباح نحو الظهيرة. وكان الحديث هادئاً ومهموساً في الغالب بين أولئك الذين كانوا على مقربة شديدة لتجنب الحاجة إلى رفع أصواتهم فوق خشخشة العدة والأمتعة العامة. وكانا يبلغن نهاية أبسط الحقول بعداً التي تُعد مباشرة تابعة لحدود القصر ويعبران إلى مسار ترابي مهترئ نحو الغابات المحيطة.
والظلة الذهبية والبرتقالية المتجمعة في الأعلى جلبتا بعض تنهدات الراحة الخافتة بين الرجال وحتى صهيل سرور خفيف من الحصان المرافق. رغم أن زيفيرفام والأب وجيويل وبرونثيل لم يحركهم شعور الراحة بالظلال بطبيعة الحال. أما جيويل نفسها فلم تكن بالكاد تلحظ الحرارة أو البرودة بصراحة، فقد اعتادت اللعب بجمار الموقد المتوهجة عندما كانت صغيرة بما يكفي لتتسع هناك. لكن ذلك كان قبل أن تعي كم يثير ذلك من الذعر لدى الأم ومورييل وحتى الأب عندما عثروا عليها.
وبالمثل، استمتاعها باللعب في الثلج حتى في أبرد الشتاءات إلى أن توبئت لإبقائها أخاها طويلاً حتى مرض. وبالمقارنة، فإن الفارق بين ضوء الشمس والظل في النصف الأدفأ من موسم الحصاد بالكاد كان يستحق الذكر. ومع ذلك، فإن رائحة الحصان والإنسان المجهدين أضفت شعوراً لطيفاً على المسيرة خفف من رائحة الرعد ورائحة المطر التي تفوح من جهود جيويل الخاصة. وعند الظهيرة توقفوا بمحاذاة الطريق لسقي الخيول والسماح لها بالرعي فضلاً عن إتاحة الفرصة لكل شخص آخر في الحزب لتناول جزء من حصص سفرهم.
وقبل أن تتمكن حتى من الالتفاف للحصول على بعض قطع اللحم المدخن الصلبة من حزمتها، كان سميثسون قد قفز بالفعل عن حصانه وهرع إلى جانبها لفك أحد الأكياس من أجلها.
"دعيني أحضرها لك أيتها السيدة جيويل".
وهو ما يعني بطبيعة الحال أنها لم تستطع فعل أي شيء سوى الإقرار بخدمته والإيماء برأسها.
"شكراً لك..."
-تباً، كان عليها أن تعتاد على الأمر إن أرادت ترك انطباع مناسب لدى الكونتيسة- "...أيها التابع سميثسون".
مما جعله ينتفض قليلاً عند سماع الكلمة، قبل أن يستقيم ويستل حزمة عِدد جيويل المغلفة بالجلد ويفردها لها ويمدها نحوها.
"حصصك الغذائية، أيتها السيدة جيويل".
تحولت لفترة وجيزة لتلتقطها بمخلب أمامي، ثم أدركت ما كانت تفعله. كانت قد سارت على طول الطريق الترابي لنصف يوم على تلك المخالب ذاتها. نعم، حاولت تجنب الاستقرار بقوة شديدة على أي شيء بمساعدات قفزات نار تنينها. لكن لم يكن هناك جدول ماء مناسب وكان تسولوغوثولان يتذمر من أن الحصان نفسه لم يجد مياههم صالحة للشرب لذا رفض استدعاء نبع حقيقي. أو ربما كان مجرد مكان سيء لنوع سحرهم الخاص؟
لم تكن جيويل تعلم لكنها أحببت أن تظن أن الساحر كان يتذمر فحسب. لم تستطيع أبداً لمس طعامها بالمخالب ذاتها التي عبرت الوحل دون غسلها. كان ذلك ليكون غير لائق. لكن ذلك لم يترك سوى خيار واحد وكان سيئاً بالقدر نفسه! ولم يحصل تابعها سميثسون بعد على فرصة لتناول طعامه أو شراب حصته اليومية وبدلاً من ذلك كان واقفاً ينتظر ولفافة الجلد منشورة عارضاً عصي اللحم المدخن المجففة عليها كأنها طبق.
رمشت جيويل بطريقة شعرت أنها كانت بصوت عالٍ تقريباً مثل صوت تسولوغوثولان. ثم بأكبر قدر ممكن من الأناقة والتوازن، قضمت وجبة ظهيرتها برقة. أما سميثسون فلم يلمح حتى إلى أن هذا لم يكن سوى أمر طبيعي لإطعام سيدة تشبه إحدى خيوله المحبوبة. ولولا اللفافة الجلدية بين أصابعه وشفتيها، لما كانت جيويل متأكدة من قدرتها على إبقاء أجنحتها مطوية إلى جانبها وحتى مع ذلك فإن الإحراج الشديد للموقف برمته هدد بانطلاقها إلى جانبيها.
ابتلعت كل شيء بالسرعة التي استطاعتها دون الإخلال باللياقة وسحبت رأسها بكل اتزان لم تشعر به أبداً لاضطرارها إلى إخضاع كليهما لمثل هذا الفعل. على الأقل لم يكن أحد يعلق على الأمر أو يوجه نظره طريقها. كانوا منشغلين جداً بتناول حصصهم وشرابهم. شكرت جيويل الجميع بصمت ولا سيما تابعها لتجاهله الموقف بمثل هذا الاعتبار. في الواقع، كانت ستفعل أكثر من مجرد شكره بصمت. فالتابعون من المفترض بهم أن يكونوا امتداداً لشرف فارسهم ومكانته.
"أيها التابع سميثسون، احصل على حصة وجبة ظهيرتك ورافقني لتناول كأس من الجعة الخفيفة".
الطريقة التي انتفض بها مرة أخرى ثم أومأ بحدة دلت على أنه على الأقل لم يكن يكرهها أكثر من اللازم بسبب غرابة هذا الموقف برمته.
"بالتأكيد، أيتها السيدة جيويل، سيكون ذلك شرفاً!"
وقبل أن تتمكن حتى من أمره باللحاق بها، كان قد لف حزمة الجركي نصف المأكولة، وربطها وأعاد تخزينها في الحقيبة الجانبية إلى جوارها ثم ركض لإحضار ما بدا وكأنه لفائف سفر ذات قشور صلبة. عاد إلى جانبها بسرعة كانت مثيرة للإعجاب حقاً. مع كوب لها وكوب آخر أكبر بكثير... أه، لا وضعت جيويل خطاً أحمر هنا. سارت بهما في صمت نحو خيول الحزم حيث كان برونثيل والأب ينخرطان بالفعل في قرب الماء وأوعية الجعة.
تقدمت جيويل بخطوات ثابتة نحو الوعاء غير المفتوح، وأخذت عن قصد قدح السفر من سميثسون بمخلب أمامي قبل أن تساوره أي أفكار حول إطعامها الشراب بيديه كما لو كانت نوعاً من المرضى العاجزين أو الأسوأ، موضوع محاولة غبية ومتهورة للغازل! ثم تنحنحت برفق ومدته نحو الجندي المتابع الذي كلف بمهمة سكب الشراب لأفراد الطبقة الرفيعة في حزبهم.
"جعة خفيفة لي ولتابعي من فضلك".
تباً! بدا أن ذلك قد أغضب سميثسون لسبب ما، حُكماً بالطريقة التي تحولت بها أذناه إلى اللون الأحمر. لكنه كان ماهراً للغاية في ضبط وجهه حتى لا يُظهر أي نوع من الإهانة أو الغضب الذي أثارته جيويل في خادمها المعين عندما مُنح وعاؤه الخشبي للسفر رشة من الجعة من الوعاء ثم مُلئ حتى آخره بالماء من إحدى القرب. أخذت جيويل رشفة عميقة من كأسها الخاص، ملاحظة أنهما قد خصاها بقدر أكبر قليلاً من الجعة مقارنة بالماء مقارنة بتابعها لكنها وجدت ذلك مقبولاً.
كانت تحمل كؤوسها بشكل أفضل من أي شخص في القصر بعد كل شيء. ليس بلا كلل، ولكن بما يكفي لتتطلب كمية هائلة من الجعة تفوق ما حزموه لشل جيويل. ربما كان الأمر مجرد عامل الحجم بصراحة. كان سميثسون يراقبه وهي تبتلع بعينين واسعتين. ألقت نظرة عليه ثم أشارت عمداً إلى كأسه التي لم تُلمس ورفعت حاجباً. تدفق الإدراك المتنامي لإهانته الوشيكة على وجه الفتى وسرعان ما بلع جرعته المخففة من الجعة بسرعة وقوة لدرجة أنه بدأ يشرق.
وسط ضحكة طيبة القلب من الجنود المشاة وانكماش جيويل ألماً. أه تباً! الآن سيظن أنها دبرت الأمر بطريقة ما! أنهت قدحها وخفضت رأسها لتؤكد له أنها لم تقصد شيئاً من هذا القبيل.
"مهلاً، أيها التابع سميثسون، الجعة لن تذهب إلى أي مكان".
حاولت أن تقدم له ابتسامة مريحة لكنها تمكنت بطريقة ما من تفسير الأمر بشكل خاطئ مرة أخرى. كانت أذناه ووجهه يتحولان إلى احمرار أسطع من اللون الأحمر.
"أنا، أنا آسف أيتها السيدة جيويل، لن يتكرر الأمر، كنت عطشاناً هذا كل ما في الأمر".
أه! كان غاضبة لأنها جعلته ينتظر ليشرب! لكن على الأقل نبرة صوته دلت على أنه لا يضمر ضغينة! حسن إذن، كان الأمر بالغ السهولة! أومأت بحدة والتفتت مجدداً نحو الساقي/الجندي.
"كأس أخرى لتابعي العطشان جداً!"
والذي كان بالتأكيد الخيار الصائب إذ ضحك الجميع بمرح أكبر بكثير وكان سميثسون ممتناً لدرجة أنه صُدم ولم يعد ينطق بكلمة. ربما استطاعت جيويل إنقاذ هذا الموقف وتعويض مدى إزعاجها لسميثسون بإبعاده عن واجباته في الاسطبلات.