الأرض الأولى الفصل 11 — الأرض الأولى 11

اقرأ الأرض الأولى الفصل 11 — الأرض الأولى 11 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تغادر ليان المختبر مباشرة.

بقيت واقفة خلف الجدار الزجاجي لعدة دقائق أخرى، تراقب الحركة المنظمة داخل القاعة الواسعة. كان الباحثون يتنقلون بين الأجهزة والشاشات في انسجام يكاد يكون آلياً، بينما تتعالى الأصوات وتنخفض وفق الحاجة دون أن يتحول المكان إلى فوضى. وسط كل ذلك بقي عيسى جالساً في مكانه، منحنياً فوق مجموعة من الأوراق والبيانات، وكأن العالم بأسره انكمش أمامه حتى أصبح لا يتجاوز حدود الطاولة التي يعمل عليها.

لم يكن منظراً استثنائياً.

لكن شيئاً فيه أثار انتباهها.

خلال حياتها رأت كثيراً من العباقرة. بعضهم كان مغروراً إلى درجة لا تطاق، وبعضهم كان مهووساً بنفسه أكثر من هوسه بعمله، أما عيسى فبدا مختلفاً. لم يكن يسعى إلى لفت الأنظار، ولم يكن يتصرف كرجل يدرك أن مصير البشرية قد يرتبط باسمه يوماً ما. بل بدا أقرب إلى شخص يطارد فكرة ما، فكرة أكبر منه بكثير، حتى إنه نسي نفسه أثناء مطاردتها.

استدارت أخيراً وغادرت المكان.

لكنها لم تغادر المجمع.

كان هناك أمر آخر أرادت التأكد منه.

في الطابق السفلي من المنشأة، خلف عدة أبواب أمنية متتالية، استقبلها أحد كبار المشرفين على المشروع. كان رجلاً تجاوز الخمسين بقليل، يحمل ملامح مرهقة وعينين اعتادتا السهر الطويل.

قادها عبر ممر ضيق حتى وصلا إلى غرفة صغيرة تملؤها الشاشات.

قال الرجل:

هنا تُجمع معظم التقارير اليومية قبل إرسالها للإدارة العليا.

أومأت ليان بهدوء.

ثم بدأت تتصفح بعض الملفات بنفسها.

مرت الدقائق ببطء بينما كانت تقرأ عشرات التقارير الفنية والأمنية. أغلبها لم يحمل شيئاً مهماً. أرقام. جداول. نتائج اختبارات. أعطال بسيطة تم إصلاحها. أمور معتادة داخل مشروع بهذا الحجم.

لكن شيئاً واحداً شد انتباهها.

التقرير المتعلق بالنشاط المجهول الذي ظهر قبل أيام.

رفعت رأسها قليلاً.

ثم أعادت قراءة الصفحة مرة أخرى.

وبعدها مرة ثالثة.

كل شيء كُتب بدقة.

كل شيء وُثق.

لكن شيئاً ما كان ناقصاً.

قالت فجأة:

أين التقرير الأصلي؟

تجمد المشرف للحظة.

لحظة قصيرة جداً.

لكنها كانت كافية.

رفعت ليان عينيها نحوه.

ولأول مرة منذ بداية اللقاء بدا الرجل متوتراً.

أجاب:

أي تقرير؟

لم ترد مباشرة.

بل استمرت تنظر إليه بصمت حتى بدأ يتجنب النظر إليها.

ثم قالت:

أنا لا أسأل عن النسخة المرسلة للإدارة.

أسأل عن التقرير الأصلي.

ساد الصمت داخل الغرفة.

وفي عالم الاستخبارات كان الصمت أحياناً اعترافاً كاملاً.

أخفض الرجل رأسه أخيراً.

وقال:

وصلت أوامر بحذفه.

ضيقت ليان عينيها.

أوامر ممن؟

تردد الرجل.

ثم أجاب بصوت خافت:

من عيسى.

بعد نصف ساعة كانت تسير وحدها في أحد الممرات الطويلة للمجمع.

لم يظهر على وجهها أي انفعال.

لكن عقلها كان يعمل بسرعة كبيرة.

لقد توقعت أن يخفي عيسى أسراراً.

بل كانت واثقة من ذلك.

لكن حذف تقرير كامل من السجلات الرسمية كان أمراً مختلفاً.

الأمر لم يكن متعلقاً بإخفاء معلومة.

بل بالتحكم في من يملك حق معرفتها.

وهذا النوع من القرارات لا يتخذه إلا شخص يعرف أكثر مما يقول.

توقفت أمام نافذة تطل على ساحة داخلية فارغة.

كان الغروب يقترب ببطء، بينما بدأت الظلال تتمدد فوق الأرض الإسمنتية.

ظلت تحدق في الخارج لبعض الوقت قبل أن يقطع أفكارها صوت خطوات قادمة من خلفها.

لم تكن خطوات مترددة.

ولا مستعجلة.

بل خطوات رجل يعرف إلى أين يذهب.

استدارت.

فرأت عيسى.

كان يحمل عدة ملفات تحت ذراعه، وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه أكثر من المعتاد.

لكن عينيه بقيتا ثابتتين كما هما.

توقفت خطواته عندما رآها.

أما هي فلم تقل شيئاً.

لثوانٍ طويلة وقف الاثنان يتبادلان النظرات وسط الممر الخالي.

ولأول مرة منذ بدأت تهتم بأمره لم يكن بينهما زجاج أو مسافة أو اجتماع رسمي.

كانا وحدهما.

تماماً.

كسر عيسى الصمت أولاً.

وقال بصوت هادئ:

يبدو أن زيارتك أطول مما توقعت.

لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل معنى آخر غير ظاهرها.

لكنها تجاهلت ذلك.

وقالت:

وأنت تبدو مشغولاً أكثر مما تظهره للناس.

ظهرت ابتسامة خفيفة جداً على طرف فمه.

ابتسامة بالكاد وُلدت قبل أن تختفي.

ثم قال:

لو عرف الناس حجم العمل هنا…

لاشتكوا أقل.

لم تبتسم.

بل استمرت تنظر إليه مباشرة.

قبل أن تقول:

ولو عرفوا كل شيء…

هل سيبقون مؤيدين للمشروع؟

اختفت الابتسامة تماماً.

ساد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة كان مختلفاً.

شعرت ليان أنها ألقت حجراً في مياه راكدة.

ورأت أول تموجاته.

أما عيسى فقد ظل يحدق فيها للحظات طويلة.

ثم قال بهدوء:

لو عرف الناس كل شيء…

لما قامت حضارة واحدة في التاريخ.

ومر بجانبها بعدها دون أن يضيف كلمة أخرى.

بينما بقيت هي واقفة في مكانها.

تتابع ابتعاده.

وتفكر في الجملة الأخيرة.

لأنها لم تكن إجابة.

بل كانت اعترافاً بشيء أكبر بكثير.