لم تكن ليان تحب الأسئلة التي لا تجد لها إجابات.
خلال سنوات طويلة قضتها في عالم الاستخبارات تعلمت أن أكثر الأشياء خطورة ليست الأسرار، بل الفراغات. فالسر يمكن مطاردته، ويمكن تحليله، ويمكن في النهاية انتزاعه من صاحبه بطريقة أو بأخرى، أما الفراغ فهو أمر مختلف تماماً. إنه المكان الذي تنتهي عنده جميع الخيوط دفعة واحدة، ويقف العقل عاجزاً عن تحديد ما إذا كان أمام شيء مخفي بعناية أم أمام شيء لا ينبغي أن يكون موجوداً من الأساس.
ولهذا السبب بالتحديد عاد ملف عيسى ليستقر فوق مكتبها للمرة التي لا تعرف عددها.
كان المكتب غارقاً في هدوء الليل، بينما انعكست أضواء المدينة البعيدة عبر النوافذ الواسعة لتمنح الجدران ظلالاً طويلة وممتدة. أمامها تراكمت عشرات الملفات التي تخص قادة وجنرالات وعلماء من مختلف أنحاء العالم، وكل واحد منهم كان يحمل تاريخاً يمكن تتبعه وفهمه. طفولة. دراسة. صداقات. خصومات. نجاحات. إخفاقات. أما الملف الذي حمل اسم عيسى فكان مختلفاً بصورة تدعو للريبة.
كل شيء فيه صحيح.
وهنا كانت المشكلة.
لم تجد كذبة واحدة.
ولم تجد أيضاً حقيقة واحدة تكفي لفهم صاحبه.
كان الأمر أشبه بالنظر إلى لوحة اكتملت جميع أجزائها، ثم اكتشاف أن الرسام نفسه غير موجود داخلها.
أغلقت الملف ببطء وأبعدته عنها، لكنها لم تستطع إبعاد الفكرة التي استقرت في ذهنها منذ أسابيع. ففي كل مرة كانت تحاول فيها تحليل عيسى تصل إلى النتيجة ذاتها. رجل يراه الجميع. يتحدث معه الجميع. يعمل معه الجميع. ومع ذلك لا يعرفه أحد.
حتى صادق.
حركت أصابعها فوق سطح المكتب وهي تستعيد بعض المواقف التي جمعت الرجلين خلال الاجتماعات السابقة. لم يكن بينهما عداء ظاهر، ولم تكن بينهما مودة ظاهرة أيضاً، لكن شيئاً خفياً كان يقف دائماً بينهما. شيء لم تستطع تفسيره بعد. صادق كان ينظر إلى عيسى أكثر مما ينبغي، وعيسى كان يتجنب النظر إلى صادق أكثر مما ينبغي.
وفي عالمها كانت هذه التفاصيل الصغيرة أهم من الكلمات نفسها.
نهضت من مقعدها واتجهت نحو النافذة. كانت السماء مغطاة بطبقات كثيفة من الغيوم، بينما بدت المدينة في الأسفل كبحر من الأضواء الصامتة. لم تكن تفكر بالمشروع في تلك اللحظة، بل بالرجل الذي يقف خلف المشروع.
منذ أشهر طويلة كانت من أشد المعارضين للفكرة. لقد بدت لها مجنونة ومتهورة وقادرة على جر البشرية نحو كارثة لا يمكن إصلاحها. لكن ذلك بدأ يتغير تدريجياً منذ أول اجتماع حضرته مع عيسى. لم يكن السبب كلماته وحدها، ولا عبقريته التي تحدث عنها الجميع، بل ذلك الإيمان الغريب الذي كان يحمله في عينيه كلما تحدث عن مشروعه.
كان يتحدث كما لو أنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون.
وكأن المسافة بينه وبين هدفه أقصر بكثير مما يتخيل الجميع.
وهذا ما أثار فضولها.
والفضول كان دائماً بداية المشكلات.
في صباح اليوم التالي غادرت مقر الاستخبارات متجهة نحو المجمع البحثي. لم تعلن عن زيارتها مسبقاً، ولم تطلب استقبالاً رسمياً. كانت تريد أن ترى المكان كما هو، بعيداً عن الاستعدادات والمظاهر التي تسبق عادة زيارات الجنرالات.
امتدت المنشأة أمامها كمدينة مستقلة قائمة بذاتها. مبانٍ ضخمة متصلة بممرات طويلة، وحركة لا تتوقف بين المختبرات ومراكز الطاقة وغرف المراقبة. آلاف الأشخاص يعملون في مكان واحد، وكل واحد منهم يحمل جزءاً صغيراً من مشروع لا يعرف صورته الكاملة إلا عدد محدود جداً من البشر.
وأثناء تجولها بين الأقسام المختلفة بدأت تلاحظ شيئاً مثيراً للاهتمام.
اسم عيسى كان يتكرر في كل مكان.
ليس كقائد.
ولا كجنرال.
ولا حتى كعالم.
بل كظاهرة.
كل باحث تحدثت إليه كان يملك قصة مختلفة عنه. أحدهم وصفه بالرجل الذي لا ينام. وآخر قال إنه حفظ تفاصيل مشروع يفوق حجمه قدرة أي إنسان على الاستيعاب. وثالث أقسم أنه رآه يعمل ثلاثة أيام متواصلة دون أن يغادر المختبر إلا لدقائق معدودة.
كانت القصص مختلفة.
لكنها تشترك في أمر واحد.
لا أحد منهم كان يعرفه فعلاً.
ومع مرور الوقت بدأت ليان تدرك أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات.
بل في طبيعة الرجل نفسه.
كان عيسى يترك آثاراً لأفعاله في كل مكان، لكنه لا يترك أثراً لشخصه.
وعندما وصلت أخيراً إلى المختبر المركزي توقفت خلف الجدار الزجاجي المطل على الداخل. لم تدخل مباشرة. اكتفت بالمراقبة.
كان عشرات الباحثين يتحركون بين الأجهزة والشاشات، بينما امتلأ المكان بأصوات النقاش والعمل المتواصل. وسط كل تلك الحركة جلس عيسى أمام طاولة واسعة غطتها الخرائط والأوراق والبيانات، منشغلاً بعمله إلى درجة جعلت العالم من حوله يبدو غير موجود.
راقبته لدقائق طويلة.
ثم أدركت شيئاً لم يخطر ببالها من قبل.
طوال الأشهر الماضية كانت تحاول معرفة ما الذي يخفيه ذلك الرجل.
لكن ربما كانت تطرح السؤال الخطأ.
ربما لم يكن السؤال:
ماذا يخفي عيسى؟
بل:
“ما الذي يدفع رجلاً مثله إلى حمل هذا العبء وحده؟”
ولأول مرة منذ بدأت البحث عنه، شعرت أنها اقتربت خطوة واحدة من الحقيقة.
ولأول مرة أيضاً…
شعرت أن تلك الحقيقة قد تكون أخطر مما تتوقع.