الشطرنج الأبدي الفصل 45 — الشطرنج الأبدي 44

اقرأ الشطرنج الأبدي الفصل 45 — الشطرنج الأبدي 44 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 43 – روان

منذ بضع أعوام.

>تحت السماء المظلمة، وراء جبال آرتيميس.

كبّل رجلٌ أسود الشعر، تدلت خصلاته كستائر ليلٍ أغرقتها الأمطار، بعينين كلهيب لايطفئ، بسلاسل أشد سواداً من السماء، فوق منصة من العار والدم.

تجمّع الناس أسفله، بينما رمقوه بنظرات من الشماتة والرعب، ناظرين له وللجلاّد ذو النصل الأسود.

تقدّم الجلّاد نحوه بخطواتٍ رزينة، كأنما يدوس بها على كرامته، قائلاً ببرود:"كينغرال سيد منزل فيدالم الأدنى، نُدينك بمحاولة التودّد إلى آنسةٍ من منزل أوريفيوس الأعلى، هل تعترف بخطيئتك؟"

بدأت ذكريات روان فيدالم، عند النقطة التي شهدت فيها بعينيها وفي سن العاشرة، مشهد والدها الذي يتم إعدامه بواسطة النصال السود من جلادٍ من المنازل العظمى، أمام ملئٍ من القوم.

لم يكن عالم مصاصي الدماء كالبشر، ولم يعتمد على المنظمات أو الدول وإنمّا قدر الدم والسلالات، متبعاً نظام إقطاعيات نموذجي.

كان والدها – الفكيونت كينغرال آثماً إستحق القتل بموجب عدة قوانين، فبدمائه القذرة الدنيا كان قد تجرأ على "الزواج" من إحدى المنازل الثلاثة العظيمة، منزل دوقية أوريفيوس!

"هاهاها خطيئتي؟ إن كانت القلوب تُجرّم، فلتُكتب جريمتي بحروفٍ من نار، ولتموتوا في غيظكم، فلا أعترف بأيٍ مما تقول!"

"!!!"

إنتشر صدى شهيقٍ حاد، حين هاجت الجموع ككلابٍ أُطلق لجامها:

"أيها الوقح!"

"أنّى لذي سلالة دنيئة أن يتجرأ!"

"اقتلوه! لتذهب روحه إلى الجحيم!"

"إنه لا يعرف مكانته، أخضعه!"

"ابن العاهرة القذر!"

لم يَطرف الفيكونت كينغرال، لم يتراجع. كان واقفًا… رأسه مرفوع، ونظراته ترميهم كما ترمى السهام.

حتى في مواجهة الموت، لم يبدو الفيكونت كينغرال خائفاً، بل وضحك بغطرسة مستجيباً لهم بإحتقار.

"سووش!"

في لحظة خاطفة، هوى نصل الجلّاد، تلاه صوت مكتوم.

"بلوب."

تدحرج رأس الفيكونت كينغرال على أرض المنصّة، متوقفًا بهدوء أمام أنظار الحشود. لم يسمع سوى صوت شهيق الرياح.

رغم موته، ظلّت على ملامحه ابتسامة متغطرسة، بلا همّ، فحتى في الموت بدا بلا ندم.

هكذا بدا للوهلة الأولى. لكن من تمعّن النظر، رأى شيئًا آخر في عينيه؛ قلقًا دفينًا—حيث كان طفلاه وأخوه.

تشاركت روان وعمها وأخوها تعبيراً من اليأس والفجعة، ناظرين إلى ذلك الرأس المقطوع، مخالفين التعابير السائدة من الفرحة والراحة.

آنذاك ، نحبت روان حتى فقدت صوتها لفترة.

كانت قد فقدت والدها – سندها.

كان الحشد يضحك، وسخر الكثيرون منه.

كرهت روان والدتها كُل الكره، فبغض النظر عن كونها لم تربهما حتى، فقد تسببت الآن بمقتل والدها!

حدث كل هذا بسببها!

كشخصٍ ينتمي إلى إحدى المنازل الثلاث العظيمة، فقد "أغوت" والدها – الفيكونت كينغرال مع معرفتها بالعواقب و أنجبتها و أخاها الصغير، ثم تخلصت منهم هكذا.

واجه الفيكونت كينغرال هذه النهاية لأنه أنه قد إرتبط بها.

كانت تلك المرأة هي سبب كل شيء!

منذذاك، لم يبقى لروان إلا عمها أليتاليس فيدالم، وأخوها الصغير كريثل.

تم إعتبار منزل فيدالم آثماً؛ وبموجب ذلك دُمر وإختفى من الوجود!

كان هذا المنزل تاريخاً؛ إرثاً عاش لالآف السنين!

قال عمها أليتاليس:"يا عزيزتي روان، لا نستطيع البقاء هنا. فربما قد نكون التاليين."

بدأ الثلاثة بالترحال؛ بالأحرى الهرب.

كان سبب ذلك بسيطاً: حتّم منزل أوريفيوس على منزل فيدالم الفناء؛ أي أن كل من إنتمى له يجب أن يقتل!

كان كلا من روان وكريثل هجينين قد لوّث وجودهما اسم منزل أوريفيوس؛ ومن هذا المنطلق، وجب إبادتهما بلا شك. فقد كان هذا تدنيساً!

لم يكن عمها أليتاليس ليسمح بذلك، فقد كانا عائلته الوحيدة في هذا العالم، والأهم أنهما سليلا أخيه الوحيدين، وآخر ورثة منزل فيدالم. فهو نفسه كان عقيماً. وموتهما عنى فناء منزل فيدالم حقاً من الوجود.

لم يكن أليتاليس ليسمح بذلك.

مع ترحالهم وهروبهم، عاشوا في الغابات و تحت الكهوف. بين الثلوج والعواصف، تسلقوا الجبال الشاهقة و وعبروا البحيرات و الأنهار. وكثيراً ما طوردوا من قبل جلادي منزل أوريفيوس.

قاتل أليتاليس الجلّادين بشدة و بأس، مستعرضاً سحر الجليد الذي تميز به منزل فيدالم بأشكالٍ عديدة من الزهور والنباتات؛ لكنه لم يفز دائماً، وخسر عدة مرات، حتى فقدان ذراعه اليُمنى ذات مرة.

كان كلا من روان وكرثيل يشاهدان هذا بمزيج من مشاعر العجز و الإحباط، ومازادهما ذلك إلّا يأساً وألماً. بالأخص لروان التي علمت أن وجودهما بحد ذاته قد كان السبب.

كانت ترى عمها يموت تدريجياً، وأخيها الذي لم يبلغ الحلم بعد يخسر طفولته ببطء.

كانت صامتة، كان لدى عمها أليتاليس ما يشغله من نكد وألم، و خشيت من زيادة المشاكل فوق رأسه. كان أخوها الأصغر كريثل صامتاً أيضاً. طيلة الرحلة كان فقط يُحدق بهما بصمت، لكن روان قد علمت بسوء حالته.

كان كريثل طفلاً، لم يرد لا أليتاليس ولا روان أن يختبر هذه المعيشة مبكراً وينشأ عليها؛ لكن هذا قد كان واقعاً، وحُتِّم عليه ذلك.

في مرحلة ما، تغيّر فكر أليتاليس.

"كريثل، أترى هؤلاء؟"

"كريثل، إكرههم جميعاً. لقد قتلوا والدك، ولست عنه ببعيد."

بدأ أليتاليس بتربية كريثل على الحقد!

لم يزني الكونت كينغرال بابنة منزل أوريفيوس تلك وينجب منها طفلين، بل كان زواجاً صحيحاً قد ووفِقَ عليه، وأنجبتهما برضاها. لكنها لم تعلم كيف تغيرت الأمور فجأة للأسوأ.

في صباها، لم توجد أمها حولها لتربيتها، لكن والدها – الفيكونت كينغرال قد كان موجوداً ربّاها وعلمها وأعطاها ما إفتقرت له من دفأ. كان عمها أليتاليس كذلك، ربوها بكل حب.

كان كريثل مختلفاً، ذكرياته بشأن والده كانت غير واضحة . عندما أُعدم الفيكونت، كان عمره 7 أعوام.

حاولت روان يائسةً أن تمنحه دفئًا يوازي ما سُرق منه، لكن مشهد الدم على منصة الإعدام لم يفارقه، ظلّ محفورًا في ذاكرته كندبة لا تندمل.

'واخوفي عليه، أسيعيش كطفل عادي؟'

لم تعلم روان.

في أحد أيام الهرب الطويلة، التقوا بكاهن عند أطراف منطقة القمر السفلي، بدا كما لو أن القدر رتّبه بنفسه.

عندما طلب أليتاليس مساعدته بلهفة، رفض الأخير أي مقابل.

وقال:"لن أطلب شيئًا… فقد أُرسلت لهذا."

كانوا بحاجة إلى هذا النور، إلى أي شعاعٍ يخرق ظلام حياةٍ من الهرب والذل.

أعطى الكاهن لأليتاليس وحياً، وذرف أليتاليس الدموع؛ دموع راحةً، وسكينة.

لقد حُمّل ما لا يطاق.

كان واجبه أثقل من الجبال، أن يعيد بناء اسم عائلته المحطم. وأن يصلح ما خلفه "ذنب" أخاه، والذي فاق الإستحالة.

شعرت روان هي الأخرى بالسعادة.

كانت توجد فرصةٌ لهم للإرتفاع من جديد.

قال الوحي—

في أقصى الجنوب الشرقي من القارة، خلف جبالٍ لا تُعبر، في إمبراطوريةٍ بشرية تُدعى فولنهايم، ينتظركم قدَر.

فرصةٌ غامضة، بالقدرة على التحكم بالدم بطلاقةٍ تامة، وبإمكانكم أخذ العفو إذا سلمتوه للعائلة الملكية.

في الواقع، قدّرت منازل مصاصي الدماء القدرة على التحّكَم بالدم؛ فقد كانت علامةً على نقاوة الدم.

إن كانت وحي الكاهن صحيحاً…

عادوا إلى الأرض القديمة حيث إرتفع اسم فيكونتية فيدالم ذات مرة، تلك الأرض التي لم تبقَ فيها سوى الأطلال والذكريات المدفونة.

كانوا كأشباح تسللت تحت عباءة الليل.

بهمسةٍ باردة، استدعى أليتاليس سحره الجليدي، فحطّم الأرض المتشققة.

ومن تحت الأنقاض، أخرج صندوقًا حجريًّا مغلقًا بإحكام.

داخله، وُجدت ورقة قديمة — كانت مصفوفة نقل آني متحركة، محفورة بسحر الفضاء.

قال أليتاليس لروان وكريثيل أن هذه المصفوفة خُبئت هنا منذ حرب الدم البارد منذ آلاف السنين، وكان من المفترض ألّا تُستخدم أبدًا. لكنهم لم يملكوا ملاذاً آخراً.

جبال آرتيميس الشاهقة حالت دون المرور، امتدت حتى كادت تلامس السماء، وتسلّقها سيستغرق سنوات.

وأتبع في كلامه أن هذه المصفوفة صُنعت بيد خبير أبعاد سريّة، لصٍّ قديم دان لأسلاف عائلة فيدالم، ومن أجل ردّ الدين، منحهم خمس مصفوفات…ذات استخدامٍ واحد.

تبقّت منها اثنتان.

استخدموا إحداها.

بدأوا بالتنقّل عبر الفضاء…

واحدًا تلو الآخر.

وفي كل مرة، كانوا على وشك أن يُقبض عليهم من قِبل البشر، لكنهم نجوا.

وفي لحظةٍ من غفلة، لمس كريثل ، تيارات الفضاء الملتوية بالخطأ. شعرت روان بالرعب، وما كان لها إلا إحتضانه بسرعةٍ خوفاً عليه، لكن مالم تحسب حسابه هو أنها حين رمشت أظلم كل شيء.

حين فتحت عينيها، لم يكن العم هناك…ولا المصفوفة.

ولا أي وسيلة للعودة.

كانا وحدهما.

دبّ الرعب فيها وفي كريثل، فقد فارقا عمهما الذي قد كانا معه طيلة أربعة أعوام،

ظلامٌ كثيف، وغبارٌ خانق، وأرضٌ مغطاة بركام الأحجار والهياكل العظمية والجداريات المحطّمة، ونسيمٌ بارد كأنّه آتٍ من قاع الجحيم.

بعد أن هدأت رعشة المفاجأة، أدركت روان: لقد انفصلا عن عمهما أليتاليس، وانتقلا إلى بُعدٍ سري مهجور!

كان مفتاح المصفوفة…بيد العم أليتاليس، ما يعني أن بدون عودته لم يستطيعا الخروج.

لقد قررت إنتظاره هنا و عدم التحرك.

كان من المؤكد أن عمهما سيعود من أجلهما.

بعد مضي خمس أيام، سقط كريثل، ولم يسع جسده الهزيل التحمل.

جوع، وبرد، ورعب.

مهما فكرت، لم تستطع روان الخروج بأي حلول، فلم تحمل معها شيئاً لإطعامه.

روان، بعينين جافتين لم تعرفا الدموع، مزّقت قطعةً من لحم ذراعها، وأطعمت أخاها.

كانت جائعة.

'أشتهي دماً…'

'حتى لو كانت دماء حشرة.'

'لقد إعتدت على دمائهم بالفعل.'

لكنها لم تتحرك.

خشيت أن يعود العم ولا يجدها.

إنتظرت عمها أليتاليس لينقذهم.

مرّ الوقت… ولم يعد أحد.

بدأت الأفكار السوداء تنهشها:

'هل تخلّى عمي عنا؟'

'هل كنا عبئاً؟'

'هل كنا عائقًا؟ ألهذا حال دوننا؟'

بات الهواء أبرد، ونبضها بات يصبح… أبطأ فأبطأ.

'من هو هذا الطفل؟'

'لماذا عليّ أن أعتني به؟'

كان كل شيء يتجمد.

كانت تهمس بنداءٍ يائس، لكن دون الأشباح حولها، من سمعها؟

'بطل، ساحر، أو حتى قديس، أنقذونا.'

بالنظر في الأمر. لم يكن لها صوت منذ البداية، فقد كانت نكرة.

'لا أستطيع المثابرة، لكنني…لا أبغي الموت.'

في الظلام، عامت الأشباح بهدوء، منتجةً برودة لم تصدرها حتى أبرد الرياح. تارة كانت تهمس لها، منادية إياها للرحيل.

'أنا خائفة.'

ما كان لها إلا احتضان أخاها الذي بات كالثلج في مرحلة ما، وأغلقت جفونها.

ظنّت أن الموت، قد…يحررها.

مدّت يدها المرتجفة، شاحبة الأطراف…

مستجمعةً آخر حولها، حاولت روان فتح عيناها بشق، لكنها لم تبصر أو تمس شيئاً.

منذ اليوم الذي أُعدم فيه والدها، وحتى الآن، لم ترَ روان أيّ ضوء.

– كانت حياتها لاتزال قاتمة .

…

شعرت روان وكأنها تغوص في الماء، فلم ترى إلاّ الظلام.

لكن رغم حلوكه، إلا أن صدى صوتٍ باهت قد رنّ حولها، قائلاً:

"إبقي حيّة يا فتاة…فالوقت ليس مناسباً للموت بعد."

…

> بعد بضع أيّام.

أسفل أضواء الأشفاق، وبين الرمال، على بساطٍ ملون، وجد شابان، بينما نامت عذراء متعرقة بالألام.

كان الأول شاباً بشعرٍ كأعشاب لامعة، مرتدياً لباساً أجنبياً ثقيلاً متعدد الألوان، وقناعاً أسوداً غطى نصف وجهه السفلي، قد أعطاه هالةً من الغموض، كان مضجعاً على جنبه، مستمعاً للآخر.

كان الثاني فتىً يافعاً، بشعرٍ أحمر من الدم، ذو بريقٍ مظلم، كان مميز العينين، مختلفتا اللونين. متحدثاً بإثارة.

كانا أغاريس وكاليد.

"ما مرادك من هذا المكان؟ ولم مازلت ملتصقاً بي؟"

لم يفهم كاليد هذا.

بدا وكأن أغاريس قادرٌ على إيجاده أينما كان.

"ألم أخبرك؟ أنا ملعون!"عبّس أغاريس:"أخبرتني سلفاً بقدرتك على إزالة اللعنة، مالك تراجعت عن كلامك؟ سأقتلك!"

"لعنة؟"رفع خالد حاجباً، قبل أن يتغير تعبيره ويبتسم،"ممتاز، لنتفق: ستساعدني في شغلة ما، وبالمقابل سأفكُّ عنك لعنتك، موافق؟"

"جيد! أنت أرجل مما إعتقدت!"صفق أغاريس، نظر إلى الأفق مبتسماً:"لنبدأ بعنصر النار القوي هذا، فأثق بقدرته على تطهيري من لعنتي."

"عنصر نار قوي…أين هو؟"

"ألا تشعر به؟"كانت عينا أغاريس مختلفتا الألوان تبرقان بضوءٍ لا تشوبه شائبة:"إنه هناك! عنصر النار هذا قمة في النقاء والقوة، أنا متأكد أن ضربة منه كافية لإحراق كل هذا الفضاء ومافيه!"

"لهذه الدرجة؟"تجولت عينا كاليد حول المكان، لكنه لم يرى أو يستشعر أي شيء. هل كان أغاريس يهذي؟ أم أن غريزته قد كانت صائبة؟

'…آه، لقد ذكر ذلك قبل أن تبتلعنا البوابة.'تذكّر كاليد، وشعر فجأة بأن الأمر يستحق التجربة:"إذن من أين نبدأ؟ لنؤجل خدمتي هذه، ونبدأ بك."

"ووش!!"

فجأة، شعر كلاهما بالقشعريرة أسفل ظهورهما، وبلا تردد، نظرا نحو إتجاه واحد!

رفع أغاريس حاجبيه،"آه، لقد إستيقظت الفتاة."

كانت فتاة بشعرٍ قصير، حالك السواد ذو خصلة بيضاء، أشعت عيناها الدمويتين بضوءٍ بنفسجي مظلم، بينما لمع ناباها القصيران، مبرزين هويتها كمصاصة دماء!

كانت الفتاة التي أنقذها كاليد بعد إعدام أليتاليس.

"ظلام؟"إعمقت نظرة كاليد محللاً عيناها والهالة منهما، وعبس دون إدراكه متمتماً:"وهذا المستوى…أوريفيوس؟"

خفف نظرته، ثم قال بصوته المهدئ:"طاب مساءك."

حدّقت الفتاة حولها صامتة. ثم رفعت نظرتها نحو أضواء الشفق في السماء، ولانت عيناها لاشعورياً. قبل أن تخفضهما نحو كاليد.

إبتسم كاليد بذلك، وقال:"يالها من تأثيرٍ طبي جيّد في جسدك، يبدو أنه قد كان مقموعاً لعدم توفر مغذيات كفاية لديك. فور أن عالجت عروق المانا لديك؛ وإذا به ينهمر كسد منفجر. لا تحتاجين الآن إلا الراحة والتغذية."

لم تجاوبه الفتاة أو تشكره، وإنمّا نظرت له بعينيها الدمويتين حالكتا الظلام سائلةً:"أللعيش معنى؟"

شعرت روان؛ أو كما سمّاها منقذها مرة، كلير. بيأسٍ عارم.

مات والدها معدماً، وكذا عمها أيضاً. ولم يختلف مصير أخيها الصغير رغم كل محاولاتها عنهما كذلك. وفي النهاية، كانت هي الناجية الوحيدة.

هل كانت لتحيي العائلة؟ لم ترىً معنىً من ذلك، فلم تكن برجل مجد الإرث والإسم.

هل كانت لتنتقم من دوقية والدتها – أوريفيوس؟ لقد كرهت والدتها كل الكره، وكذا عموم مصاصي الدماء، لكنها لم ترى من معنىً في الإنتقام. لقد رأت أخيها الذي نشأ مشوهاً بالكره، وعمّها الذي لم يرد إلا عودة العائلة؛ لم ترد أياً منهما.

ناهيك عن عدم أهليتها لمعارضة منزل عريق مثله، إحدى الدوقيات الثلاثة العظيمة.

لم ترى من معنىً في الإستمرار بالعيش؛ فلم يتبقى لها سبب.

شعر كاليد بمدى يأسها وصدق ضياعها، وتنهد محدثاً نفسه:'ظننت ذلك، أثّر موت ذلك الرجل عليها…يا للهول، هذه ورطة…'

"معنى؟"لم يستسغ كاليد رؤية الألم على وجه الحسناوات، وقال مومئاً،"أكيد، فالحياة مليئة بشتّى المجامل والمحاسن، وألستِ أحدها؟ إستكشاف هذا المجامل وعيشها والبحث عنها بل والتأمل بها يعطي معنىً للحياة، فهذا العالم جميل."

"وإن كنت لأختصر مقالي، فرحلة العيش ذاتها هي أكبر معنى."

"هذا العالم جميل…؟"تعمّق الضوء المظلم في عيني روان، حين تعاقد حاجباها الساكنان وإرتجف كتفاها الرقيقين:"أين؟ أي جمال؟ أتهزأ بي؟"

لم يكن لدى روان الكثير من الذكرى الحميدة، ولم ترى في كوابيسها سوى أفظع المشاهد، بدأً من إعدام والدها. فقد قضت نصف حياتها هرباً، فأنى لمثلها أن يرى جمال الحياة؟

"دعني أغير سؤالي، ما مرادك من العيش؟"

كانت روان ضائعة، كمن سار في درب بلا وجهة.

…لكنها لم ترد الموت أيضاً.

ليس خوفاً من الموت، لكن لكونه سيجعل كلّ نضال عاشوه حتى هذه اللحظة بلا معنى، وسيدمر ما عاش عمها و والدها لأجله.

لقد كرهت روان هذا العالم ومافيه.

"يافتى!"في تلك اللحظة، تحدّث أغاريس بفظاظة مخرباً الجو:"أنا جائع، أعدّ شيئاً!"

"جائع؟"عبس كاليد نحو أغاريس، كان هذا الفتى وقحاً حقاً، حتى في لحظات كهذه:"هذا ليس بالوقت المناسب لـ…أوه، عليك نور!"

لمع بريق في عينيه، قبل أن يومأ ويصفق.

"جائع؟ إذن، تجهّز!"إبتسم نحو روان، ثم قال:"دعينا من الكلام وننتقل للأفعال؛ سأريك شيئاً من جمال الحياة."

" كما أخبرتك سلفاً؛ تغذية وراحة، هذا ما ينقصك. أعرف أن الشهية تغيب حين يختنق القلب…لكنّ الجسد، وإن قُهر، لا بدّ له من قوت."

تنهد في نفسه:'آه، كان ليُستحسن لو كنا في قرية أقزام، لكن الجود بالموجود.'

أبقت روان على صمتها، ونظرت له منتظرة ما سيفعل.

في الفسحة الخافتة بين حطام الأبنية والظلال، كوّر كاليد يديه فوق الأرض، إنعكس ضوء الشفق الملون على عينيه اللامعتين، أخذ يبعثر قبضةً من البذور فوق التراب الجاف، ثم مرّر أصابعه في الهواء.

"ووش!!"

في لحظة، انتفخت الأرض بثغاءٍ رقيق، وشقت أنامل خضراء طريقها نحو السماء!

"شوو!!"

تفتحت زهورٌ صغيرة بلون الذهب والقرمزي، وعلى أغصانها الوليدة تمايلت ثمارٌ طازجة نضرة، مبرزةً سحر الحياة الذي لا يخفى على ناظره.

"ووش!" "ووش!"

مدّ كاليد يده بخفة، ومن لا شيء تراقصت نسائم دافئة حوله، كانت تدور بذكاء، تقطع الأوراق والثمار بطرف الريح كسكاكين خفية.

"فرقعة!"

"أزيزززز!!"

بفرقعة من أصابعه، التمعت حلقة مشتعلة في الهواء، كأنفاس تنينٍ!

"أزيرزز!!"

تراقص اللهب بجمال كبتلات ورود ملونة أسفل الثمار، وبحفيف من يده، تلاعب الماء المبهّر معه، منتجاً روائح داعبت أنف روان، كما لم تشمّ قط.

جلست روان تراقب مذهولة، لم تعتقد قطّ أن السحر قد يستخدم هكذا، كان وكأنها أمام ساحر من حكايات ما قبل النوم؛ كان صانع معجزات من اللاشيء!

"تصفيق! تصفيق!"

"جيد، جيد جداً! أنت رائع يافتى! تستحق ثنائي!"حتى أغاريس ببلادته، لم يسعه سوى التصفيق بثناء، معجباً بالمشهد:"يبدو لذيذاً، لكن أين اللحوم؟ أضف بعض اللحم!"

"…"أعطاه كاليد أذناً صماء، ولم يأبه به.

راحت خضرواتٌ فاخرةٌ تلوّن الهواء مع دوران حلقات اللهب؛ حبات طماطم يانعة تتلألأ كالمرجان، وقرون فلفل أرجواني تتمايل كالشرائط في الريح، وأوراق ريحان خضراء تنثر عبيرها مع كل دوران.

"ووش."

ثم، تحت لمسة خفيفة من كف كاليد، انفجرت بذورٌ صغيرة فأنبتت فجأة عنقود عنبٍ بلون العقيق، وتفاحًا بحمرة الفجر، وجزرًا نحيلًا براقًا كالذهب.

"ووش!!"

امتزجت جميعها في عناق الهواء والنار، حيث تُقشّر وتقُطع وتُطهى دون أن تمسها يد، بل بحنوّ سحره. وفي النهاية، جمعت حلقات اللهب نفسها إلى طبقٍ بسيط زجاجي، لكن مفعمٍ بالحياة، قدّمه كاليد بلباقة إلى مصاصة الدماء اليائسة.

"هاك رحيق السنا، بالهناء عليك."

كان الضوء المتلألأ في عيني روان القاتمة، مماثلاً للذي في الطبق الزجاجي. فلم ترى في حياتها أجمل من هذا.

"…شكراً لك."

تقبّلت  الصحن، وهذه المرة لم تنسى أخلاقها، ممتنة لكاليد.