– رحلة ميدانية (5) –
سدّ كليو أنفه بظاهر يده وأومأ برأسه بيأس.
شوووووو—
كما لو أنه استخدم سحرًا عظيمًا مرارًا، اندفع الأثير الذي كان مملوءًا في الوعاء خارجًا دفعة واحدة.
كان الدم أكثر مما يمكن لظاهر يده أن يحتمله، فابتلّ كمّ يده اليسرى حتى أطرافه.
متخليًا عن إيقاف النزيف، أمسك كليو القلم من جديد.
ومن خلال 「تقييم الملاءمة」 أعاد النظر في عشرات الأوراق التي كان قد كتبها ثم أهملها.
الخطوط والأشكال والحروف التي لا يعرف معناها، أضاء كلٌّ منها جزءًا على أوراق مختلفة.
جمع الأجزاء المضيئة وحدها ونقلها إلى ورقة جديدة.
تقطّر.
على الرغم من أنه أمال رأسه إلى الخلف قدر الإمكان، لم يستطع منع قطرة دم من أن تتناثر على الورقة.
رفع كليو الورقة التي كُتبت عليها الصيغة السحرية الجديدة على عجل.
رسمت قطرة الدم المتناثرة خطًا رفيعًا فوق الورقة قبل أن تنساب إلى الأسفل.
غير أن نظر كليو لم يبقَ على الأثر الذي رسمه الدم، بل استقر فوق الصيغة السحرية التي خطّها الحبر.
نفخ ما تبقى من الأثير فوق الورقة.
داخل الدائرة المرسومة، بدأت الخطوط والأشكال التي يجهل معنى كلٍّ منها تتلألأ بلون ذهبي.
ذلك الضوء لا يخبو أبدًا.
وفي الوقت نفسه أدّى 「تقييم الملاءمة」 وظيفته أيضًا.
[―استنادًا إلى 「تقييم الملاءمة」، تبيّن أن هذه الصيغة السحرية صحيحة.]
‘يبدو… أنه نجح….’
.
.
.
استفاق كليو، الذي كان قد أُغمي عليه وهو منطرح على المكتب، على الوميض الذهبي المتراقص بصعوبة.
كان الظلام قد أحاط بالمكان.
قبل أن يفقد وعيه، كان قد نقش صيغة التحويل على قطعة التيفلاوم باستخدام الكحول، وبعد مرور ساعات ظل الأثير فيها نشطًا.
وأقوى دليل على ذلك كان التوهج الذهبي الخافت المتسرب من التيفلاوم.
‘هكذا وُصف الأمر في المخطوط السابق أيضًا، وحتى أداة الإخضاع التي رأيتها من قبل كانت تلمع بهذه الطريقة.’
ارتجف كليو وهو يتذكر حادثة هروبه من المنزل حين احتُجز في مخفر ريفي.
سواء آنذاك أو الآن، كانت حالته الجسدية في أسوأ حال.
على أي حال، النجاح نجاح.
“كككغ….”
أطلق أنينًا وهو ينهض من الكرسي.
لا يدري أكان قد نام أم أغمي عليه وهو منطرح، لكن جسده كله كان يؤلمه.
الأثير استُنزف بالكامل، والدم المتجفف في أنفه جعل التنفس صعبًا.
كان يشعر وكأنه على وشك الموت قليلًا، لكن هذا كان اليوم الثالث من الرحلة بالفعل.
‘وغدًا سنعود إلى العاصمة.’
إن لم يُسلم المعادلة إلى باحثي إدارة المناجم الآن، فلن يعرف متى أو كيف سيتمكن من التواصل معهم مجددًا.
شعر كليو وكأنه لم يعد يفصله عن الموت من الإرهاق سوى خطوة صغيرة، ومع ذلك تمكّن بطريقة ما من غسل جسده وتبديل ملابسه.
‘لو سلّمت هذه الملابس إلى المغسلة كما هي لظنوا أنني قتلت أحدًا….’
دسّ القميص والبنطال الملطخين بالدم في قاع حقيبة السفر.
ارتدى قميصًا جديدًا وبنطالًا ثم سترته.
ثم نزل إلى غرفة الاستقبال الصغيرة ورفع سماعة الهاتف. كان الوقت لا يزال مبكرًا قبل عودة الطلاب من الصيد.
كان من حسن الحظ أن الكونت هايد-وايت شخصية معروفة، فحتى من دون معرفة رقم منزله يمكن لموظفة المقسم أن توصله.
من المقسم المحلي إلى مكتب الاتصالات الغربي، ومن هناك إلى لونداين، ثم إلى منزل الكونت، وحتى داخل المنزل استغرق الوصول إلى السيد الشاب نفسه وقتًا طويلًا.
‘ينبغي أن أكون ممتنًا لأن الاتصال تم أصلًا….’
في عالم لا توجد فيه سحرة اتصالات ولا كرات بلورية، كانت تقنية الهاتف من بقايا الحضارة الحديثة ثمينة على نحو ملحّ.
شعر جونغ جين، الذي كان يحمل هاتفًا محمولًا في حياته السابقة، وكأن ذلك الزمن بات سحيقًا للغاية.
[“تشيييك— تشيك— فران— وايت يتحدث.”]
“فران؟ أنا، كليو.”
[“آسيل؟ تشيك— لماذا تتصل— تشيييك—.”]
كانت جودة الاتصال رديئة للغاية.
تفقد كليو محيطه مرة أخرى، ثم أخذ نفسًا عميقًا وصرخ بأعلى صوته في السماعة.
“بفضل أنك أخبرتني عن العامل المحفز والمكونات، تمكنت من اكتشاف صيغة سحرية لتفعيل أثير التيفلاوم بشكل دائم! لا يمكنني نشرها باسمي وحدي. مسألة نسبة المساهمة….”
[“……تشيييك—.”]
“كيف تريد تقسيم نسبة المساهمة عند النشر؟! هل سمعتني؟”
[“في يوم واحد— تشيك— تثبيت معادلة— تشيييك— مستحيل.”]
“إنه ممكن! لقد اكتشفت صيغة سحرية للتفعيل الدائم لأثير التيفلاوم!”
بسبب سوء الخط، أخذ صوته يرتفع أكثر فأكثر.
[“تشيك— لا حاجة للصراخ، أسمعك. إن كانت صيغة سحرية لا معادلة، فذلك إنجازك أنت—.”]
“قبل يومين—.”
[“اصمت. لن أمد يدي إلى ذلك الأمر بعد الآن.”]
“لماذا….”
للمرة الأولى منذ عشرات الثواني بدا صوت فران واضحًا،
[“حتى لو حُلّت معضلة التيفلاوم، ألن يكون في ذلك خير للعائلة المالكة فحسب؟ لا تُقحمني في الأمر.”]
طَق—
انقطع الاتصال بإعلانٍ أحادي الجانب.
[“انقطع الاتصال من منزل كونت هايد-وايت. هل أعيد الوصل؟”]
لم يبقَ في السماعة سوى صوت موظفة المقسم اللطيف يتردد بفراغ.
“لا، لا داعي.”
[“شكرًا لاستخدامك الخدمة.”]
أسند كليو ظهره إلى الجدار، ثم انزلق جالسًا أرضًا.
“هاااااه، ماذا أفعل الآن؟”
بَرق!
“ماذا تفعل؟ نتحقق أولًا بالطبع!”
الشخص الذي اقتحم غرفة الاستقبال الصغيرة باندفاع كانت الباحثة فريدا.
“…منذ متى وأنتِ هنا.”
“كنتُ أنتظر لأستخدم الهاتف. مختبرنا لم يُزوَّد بخط هاتفي لأسباب أمنية.”
“حسنًا، تفضلي استخدميه. سأغادر أنا.”
حاول كليو التسلل خارجًا، لكن فريدا اعترضت طريقه. بدت كذئب أمسك بفريسته.
“أين تظن نفسك ذاهبًا ونحن في خضم حديث مهم؟ عبارة ‘صيغة سحرية للتفعيل الدائم لأثير التيفلاوم’ سُمعت حتى في الممر. اشرح بالتفصيل. لا بأس إن لم تُتحقق بعد، حتى لو كانت فرضية فقط. بسرعة.”
لم يدرِ كليو أيلوم إهماله أم يلوم رداءة الاتصالات في هذا العصر.
كانت فريدا صغيرة الجسد، لكن هيبتها طاغية؛ وقفت ثابتة واضعة يديها على خصرها، ولا يبدو أنها ستسمح له بالمرور بسهولة.
‘بما أن فران انسحب، كنت أنوي إرسالها كبلاغ مجهول….’
إن إرساء هذه الصيغة، في جوهره، خدعة.
‘هذا ليس علمًا ولا سحرًا، بل تواصل عابر. كلمات التُقطت من عالم آخر.’
كيف له أن يعلن أنه اكتشف صيغة لا يستطيع تفسير مسارها ولا الآلية التي خرجت بها؟
‘هل أستخدم سلطة المحرر وأعود بالزمن؟’
لكن لا يعرف متى سينتهي هذا الفصل، ولا يمكنه إهدار صلاحيتين لم يتبقَّ منهما سوى اثنتين.
‘وفوق ذلك… في هذه الحالة، لا أظن أن المؤلف سيوافق… يجب تثبيت الصيغة سريعًا حتى لا ينحرف مجرى الأحداث.’
تنهد كليو طويلًا بأسى، وتخلى عن فكرة الهرب.
“لنذهب إلى المختبر ونجرب إن كانت تنجح. لا أعلم أنا أيضًا إن كانت ستعمل كما ينبغي.”
“هذا ممتاز. اليوم عطلة خاصة، فلا أحد في المختبر، ويمكننا التجربة كما نشاء.”
.
.
.
تك تك—
طَق—
فوق مكتب المختبر الفوضوي، أعلنَت ساعة الطاولة منتصف الليل.
كان كليو محتجزًا عمليًا في مختبر فريدا الخاص منذ ست ساعات كاملة.
‘لا أدري حتى إن كانت ليتيشيا قد اصطادت ثعلبًا أم لا.’
بعد أن شرح لها الصيغة والعامل المحفز وطريقة استخدام الصيغة، تولّت فريدا كل شيء وحدها.
وبينما كان كليو جالسًا يغفو، واصلت هي التحقق بلا كلل، حتى وضعت أخيرًا اللوح الثلاثين من التيفلاوم من يدها.
كان، كسابقيه التسعة والعشرين، يشعّ بحرارة دافئة.
[توليد حرارة].
الصيغة السحرية الوحيدة التي تحفظها فريدا عن ظهر قلب، وهي من خريجي أكاديمية العلوم وقادرة على تفعيلها بمهارة، كانت منقوشة على التيفلاوم.
هذه الألواح الثلاثون من التيفلاوم، بفضل النقش، لم تعد إلى شكلها الأصلي وقت الاستخراج حتى بعد مرور الزمن.
“أنا لست ساحرة، لكن كما هو حال معظم العلماء، لديّ قابلية استشعار الأثير بحد ذاتها. مستواي لا يبلغ حتى الدرجة الأولى، ومع ذلك يبدو أن هذا القدر من الاستشعار يكفي لنقش وظيفة على التيفلاوم. هذه ‘الصيغة’ تعمل كما ينبغي.”
رفعت فريدا قطعة التيفلاوم التي ما تزال تحتفظ بشكلها المعدني.
على الوجه الخلفي للوح المعدني المنقوش بصيغة [توليد حرارة]، كانت الصيغة التي جمعها كليو للتو، [تنشيط الأثير]، مرسومة.
وسط عبوة الإيثانول الصناعي المفتوحة، وسنّ القلم، والأوراق التي نُقلت إليها الصيغة، كان ضوء التيفلاوم واضحًا.
“علينا أن نراقب مدة استمرار [تنشيط الأثير]… لكن وفق حالته الآن، فهو أنجح من أي محاولة سابقة. نعم، لم يكن ينبغي أن تكون معادلة، بل صيغة سحرية.”
كان وجه فريدا يفيض رغبة في إبلاغ زملائها الباحثين فورًا. ولو لم تُمنع لاندفعت لإيقاظهم جميعًا.
وقد احمرّ خدّاها، وارتفع صوتها عن المعتاد وهي تقول.
“كيف يمكن لمثل هذا الأمر أن يحدث؟”
‘إذا أصرّ المؤلف على ذلك….’
“ربما… وحي من الحكام؟”
“أن تكون الحكام قد أنزلت صيغة سحرية، ها؟ كلام يليق بساحر فعلًا، لكن اعلم أن العلماء في الغالب لادينيون.”
تردد كليو بعجز عن جواب مقنع، فيما كانت حماسة فريدا تتصاعد.
“سواء أجبت أم لم تجب، فالنتيجة واضحة. إن كانت هذه حقًا صيغة تُنشّط الأثير بصورة دائمة، فمن العدل أن يحصل الطالب كليو على لقب ‘سيد’ بغض النظر عن مستوى أثيره.”
“لا، مهلاً، كان ذلك مجرد صدفة.”
“صدفة؟ بل سمِّها معجزة. لماذا تدرس في مدرسة أصلًا؟ ليس لديك ما تتعلمه بعد في السحر.”
وضع كليو يده على جبينه، وأخذ يفكر بيأس في طريقة لتهدئتها.
صحيح.
هذه الصيغة بحد ذاتها قادرة على تغيير نموذج العالم بأسره.
المشكلة فقط في المسار الذي خرجت به، فهو غير مريح.
‘لهذا كنت أنوي أن أتشبث بفران أو أرسلها على على شكل مجهولة الهوية…!’
“لا، لا يكفي هذا. سأكتب عريضة حالًا. سأطالب بتخريجك مبكرًا وإلحاقك بالأكاديمية أو بإدارة المناجم، وسأواصل الطلب حتى يتم الأمر.”
“آنسة فريدا، أرجوكِ تراجعي عن هذا الحديث. أنا تلميذ باحث لدى الأستاذ زيبيدي فيسيس. لا يمكنني ترك المدرسة.”
لم يكن لديه أدنى نية لقبول عرض زيبيدي بأن يصبح تلميذًا باحثًا، لكن بالكلام يستطيع المرء أن يختلق ما يشاء.
توقفت فريدا، التي كانت تندفع كجرافة، وفتحت عينيها على اتساعهما.
استمر الصمت ثلاث ثوانٍ فقط.
"ماذا قلت!!!"
“رأسي يؤلمني، فاهدئي وخفّضي صوتك قليلًا. لقد تأخر الوقت….”
“وهل تراني في حال تسمح لي بالهدوء؟! إذًا أنت… أصغر فارس سنًا الذي كان سيد فيسيس يتباهى به؟! لا! أنت لا تشبه إطلاقًا الشاب المهيب في رسوم الصحيفة!”
كان لدى كليو ما يقلقه كثيرًا، لكن مسألة رسوم الصحيفة ليست خطأه.
“ربما كان رسامو الصحف جميعًا ضعاف البصر. أو لعلهم أرادوا حماية خصوصيتي.”
“هل هذا وقت المزاح؟!”
ضربت فريدا المكتب بقوة حتى اهتزت كل الأشياء الموضوعة عليه.
خطوات… خفيفة وثابتة.
وما إن خمد الاهتزاز حتى سُمعت خطوات واضحة.
“أرى أن الدكتورة سينِت تعمل بحماسة حتى الليل. حماسكِ يثير الإعجاب دائمًا.”
“سموّ الأمير!”
الذي دخل مختبر فريدا كان ملكيور.
وبدا أن زيارة ولي العهد المفاجئة أمر معتاد، إذ لم تتفاجأ فريدا إطلاقًا. بل أشرقت وهرعت نحوه بخطوات سريعة.
“سموّ الأمير، لدي أمر أرفعه إليك. إنه خبر مذهل.”
لم يكن ثمة مجال لإيقافها.
سردت فريدا كل ما جرى في التجربة قبل قليل. ولذكائها، لخّصت الأمر بوضوح شديد.
كان تقريرًا كفيلًا بأن يغيّر ملامح ملكيور نفسه، الذي نادرًا ما يُظهر اضطرابًا.
“رتّبي تقرير التجربة وشاركي تلك الصيغة مع فريق البحث. وبالطبع علينا معرفة مدة استمرار [تنشيط الأثير]، لذا واصلي التجارب والملاحظة. وقدّمي لي تقريرًا يوميًا أيضًا.”
“أمرك.”
“وأيضًا….”
كان كليو واقفًا على استحياء يستمع إلى حديث ولي العهد وفريدا، حين ارتعشت يده اليسرى مع حركة ‘الوعد’.
ظن أن ‘الوعد’ قد استُنزفت من كثرة استخدامها اليوم، لكنها أصدرت وميضًا خافتًا.
أمام عيني كليو المتعبتين ظهرت سطور ذهبية.
[مهارة فريدة: ‘افتتان □□□’]
[―يمنح المستخدم جاذبية قوية. ويجعله ينال الحب والإعجاب.
―يضفي قوة إقناع كبيرة على صوت المستخدم.
المستخدم: ملكيور ريونيان]
كانت فريدا قد نسيت كليو تمامًا، تحدق في ملكيور بعينين متقدتين بالحماسة.
ولو كان للنظرات حرارة لاحترقت من شدة الإخلاص فيها.
“إلى أن أمنح الإذن، أرجو الكتمان بشأن مكتشف صيغة [تنشيط الأثير]. أما ما يتعلق ببراءة الاختراع فسأتولى أمره منفصلًا. أعتمد عليكِ، دكتورة سينِت.”
“سأفعل كما أمرت.”
اضطر كليو إلى تغطية فمه ليخفي تعبير الصدمة.
‘تأثير التنويم فعّال جدًا….’
من الآن فصاعدًا، حتى لو تعرضت فريدا للتعذيب فلن تبوح بكلمة عن مكتشف الصيغة.
كان تجاوز هذه العقبة أمرًا جيدًا.
لكن ما إن سحب ملكيور مهارته ووجّه انتباهه نحوه، حتى تمنى كليو لو يجد جحر فأر يختبئ فيه.
“سير كليو. يبدو أن لدي حديثًا طويلًا معك على انفراد. هل تتكرم بمنحي بعضًا من وقتك؟”
هرب من الذئب ليجد النمر أمامه.
كانت كلمات ملكيور في ظاهرها طلبًا، لكنها لم تكن عرضًا يمكن رفضه.
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.