– الرجل المخيف ، الرجل الشرير ، الرجل الأحمق (3) –
كان أسلان أحمقًا يهيج مدّعيًا أنه سيصبح ملكًا مطلقًا، بل ويُلغِي حتى المجلس القائم، أما ولي العهد فشخص لا يصلح أن يكون ملكًا….
لو حدث، ‘ذلك الأمر’ واستطاع رغم ذلك أن يصبح ملكًا، فلن يكون ملكيور حاكمًا صالحًا.
‘عليّ أنا أيضًا أن أعيش بقية حياتي هنا، ومن الصعب أن يتوَّج طاغية. لكن إن كان الخيار بين هتلر، ستالين والبطل، فهل هناك خيار آخر؟ لكي تسير البلاد على نحو صحيح، يجب أن يصبح آرثر ملكًا.’
شعر كليو بعزمٍ أوضح من أي وقت مضى على وجوب مساندة آرثر.
فقد كان قد أنفق بالفعل مئات الآلاف من الدنانير وسجّل الأملاك باسمه. ولم يعد بإمكان موقفه تجاه هذا العالم أن يبقى كما كان من قبل.
في الحقيقة، لم تكن إيسييل وحدها من علّقت آمال التغيير على آرثر. فجميع رفاق آرثر كانوا أناسًا يحملون قضية.
وأمامهم، بدا محرجًا قليلًا أنه لا يرجو سوى دخلٍ ثابت من إيجارات العقارات المستندة إلى استقرار الأوضاع، لكن… فلندع الأدوار الرائعة لآرثر ورفاقه.
مهما يكن، فهو ليس بطل هذا العالم. أليس مجرد شخصية غير قابلة للعب أدخله المؤلف لتسهيل مجرى الحكاية.
‘حتى لو كانت هناك تغييرات في الشخصية أو أسلوب الكلام في <المخطوطة النهائية>، فجوهر الأمر واحد. آرثر بطل تقليدي، وبطل يقود التاريخ في هذا العالم نحو الاتجاه الصحيح.’
في التاريخ الفعلي لا يوجد ما يُسمّى ‘الاتجاه الصحيح’. فالتاريخ العالمي ليس ملكًا للأبطال، كما أنه ليس نتيجة إرادة وممارسة بضعة أفراد.
أشخاص ذلك العصر لا يعرفون أي اختيار كان صائبًا. لأن نتائج الأفعال التي تُمارس الآن تكمن خارج حدود الزمن المعاصر.
غير أن حكم التاريخ في الحكاية المكتوبة محدد سلفًا. بوصفه الخاتمة النهائية التي يرغب المؤلف في بلوغها.
بطل الحكاية، آرثر، كائن مقدّر له أن يقود العالم، واختياراته ستكون صائبة إلى الأبد.
.
.
.
بينما كان آرثر وكليو غارقين كلٌّ في أفكاره، وصلت العربة إلى القصر الملكي.
في الممر المضيء ببذخ، اصطفت عربات تحمل شعارات عائلات مختلفة.
نزلت إيسييل عن الحصان، وسلمت اللجام إلى عامل الإسطبل، ثم فتحت باب العربة من أجل كليو.
لعلّ ذلك الحديث قبل قليل هو السبب، إذ كان نظره يتجه مرارًا نحو إيسييل. ولم يكن ممكنًا أن تفوت إيسييل ذات الحواس الحادة ملاحظة ذلك.
"عمّ تحدثت مع اللورد آرثر حتى ترمقني بتلك النظرات."
"عن الأستاذة روزا فيهيت…؟"
كانت إيسييل، التي يتسم سلوكها عادةً بالجدية، تبدو أكثر وقارًا، فألقت نظرة متبادلة بين كليو الواقف قرب آرثر بعد نزوله من العربة.
وبدا أنها فهمت المقصود من ذلك القدر من الكلام وحده.
"احرص على استخدام ألقاب الاحترام. فذلك الشخص هو الفارس الذي أكنّ له أعظم تقدير."
وبينما كانت إيسييل ترافق كليو بمهارة، تراجع آرثر خجلًا إلى الخلف.
"إذن استمتع بالحفل! سأذهب لأرى والدي. وعندما يوشك الحفل على الانتهاء، أرسل إشارة إلى الإسطبل، وسأعود لأرجعك."
عند التفكير في الأجواء المعقدة بين الأمراء الثلاثة، بدا مفهومًا أن آرثر لا يرغب في دخول قاعة الرقص، فاكتفى كليو بإيماءة خفيفة.
ذهبت إيسييل أولًا إلى غرفة الاستقبال لتلتحق بالفيكونت كيسيون.
أما كليو فاجتاز المدخل الذي اصطف عنده حرس البلاط الملكي، وسار وحده عبر ممر مفروش بسجاد مزخرف معقد.
كان القصر الملكي ليلًا، بكل ثريّاته المتلألئة، مهيبًا وفخمًا.
وأخيرًا، حين دخل القاعة المركزية، نادى موظف صغير باسمه بعد أن تحقق من وجهه.
لم يجذب اسم بلا لقب نبيل أي انتباه. كان كلام ديون وآرثر صحيحًا.
‘هكذا إذن… ارتداء الملابس الفاخرة يجعل المرء أقل لفتًا للانتباه….’
لم يكن لحفل نوفانتِس ما يضاهيه.
من جنرالات يرتدون بزات عسكرية مثقلة بالأوسمة حتى كادت تثقل أكتافهم، إلى أميرة أجنبية ترتدي تاجًا يوحي بأن عنقها قد ينكسر.
كان الجميع في أبهى زينتهم، حتى امتلأ الجو بعطر كثيف.
كانت الأوركسترا المتمركزة قرب النوافذ تعزف مقطوعة راقصة خفيفة.
غرفة الانتظار المتصلة بالقاعة كانت تعج بالضحك والضجيج. وقد بدأ بعض الرجال والنساء الرقص مبكرًا.
كان الليل لا يزال في بدايته.
في أقصى القاعة، كان عرش الملك والملكة الموضوع على منصة مرتفعة خاليًا. وكذلك المقعد الأدنى قليلًا المخصص لولي العهد.
التقط كليو كأس شمبانيا من صينية كان أحد الخدم يقدمها، وتذوقها ببطء.
ملائمة لنهاية الصيف، انبعث من الشراب الفاتح اللون عبير أزهار البيلسان والحمضيات. وكانت حموضته المتوازنة تمنح إحساسًا أنيقًا بالانتعاش.
‘حقًا، خمور القصر الملكي مختلفة.’
بعد أن فرغ من الكأس حتى آخر قطرة بأسف، رمش مرتين.
「الإدراك」
في اللحظة التي فعّل فيها 「الإدراك」، بدت الهمسات الخافتة كخطب مدوّية. وتضخمت موسيقى الأوركسترا وضيق الملابس التي تعانق الجسد أضعافًا.
لكن لم يكن هذا وقت الالتفات إلى الانزعاج.
‘لا أعرف بأي نية أرسل ولي العهد الدعوة، لكن بما أنني جئت، فلا يمكنني العودة خالي الوفاض.’
في حفل بهذا الحجم، أليس من المؤكد أن الشخصيات المهمة في القصة ستجتمع كلها؟
وبما أنه ركب السفينة نفسها مع آرثر، فلا بأس بالتعرف على ملامح من سيتشابك معهم مستقبلًا.
مستندًا إلى الجدار لإخفاء دواره، ألقى كليو نظرة هادئة على القاعة بأكملها. ولحسن الحظ أو لسوءه، لم تكن هناك أي شابة تتطلع إلى دعوة فتى عادي مثله للرقص، فلم يكن مضطرًا للحركة.
بفضل 「الإدراك」 أصبح بصره أوضح مرات عدة، حتى استطاع تمييز تعابير وجوه الواقفين على الجدار المقابل.
راح يتفحص القاعة وهو يقلب في ذهنه لفائف 「الذاكرة」 الخاصة بـ ‘الوعد’.
أول من عثر عليه كان الدوق جوزيف كرويل. رجل في منتصف العمر، بشعر أشيب مصفف بعناية، وشفاه رفيعة وفك صلب يمنحه مظهرًا قاسيًا.
‘وذلك الأصلع الذي يلقي نخبًا بلا حس أمامه لا بد أن يكون الكونت رامزديل، أما صاحب القامة الضخمة المثقل بالأوسمة فهو السفير شولتس؟ يبدو أن رجال أسلان قد وصلوا أولًا.’
وفي تلك اللحظة.
‘يقال إنك إن ذكرت النمر حضر.’
"صاحب السمو الأمير الثاني أسلان يصل؟!"
الموظف الصغير الذي نادى اسم كليو بفتور قبل قليل، أعلن دخول الأمير الثاني بصوتٍ أعلى مرات عدة.
خفتت موسيقى الأوركسترا، وارتفعت همهمة الناس أكثر. ومن المدخل، وكأن أحجار الدومينو تتساقط، أخذ الحضور ينحنون واحدًا تلو الآخر.
تظاهر كليو هو أيضًا بالانحناء، ثم رفع رأسه مجددًا مقتديًا بالآخرين.
بهيبة ملك، شقّ الأمير الثاني القاعة في الوسط. كانت خطواته منضبطة، فتطاير طرف ثوبه بهدوء.
أسلان ريونيان.
كان الأمير الثاني، البالغ خمسةً وعشرين عامًا، شابًا طويل القامة، ذا وقفة مهيبة وملامح وسيمة.
كانت ملامح وجهه نفسها تشبه آرثر، لكن لون شعره وعينيه جعلا انطباعه مختلفًا تمامًا.
شعره الأسود كلون الليل وعيناه السوداوان، الموروثتان عن والدته، برزا بين شعب مملكة ألبيون.
كانت والدته جولايكا أميرة من العائلة الإمبراطورية في كاستيليين التابعة لإمارة برونِن، وهي ابنة عم الإمبراطور الحالي لبرونِن.
‘يُقال إن مظهر أسلان المختلف وحده بين الإخوة الثلاثة كان عقدته الخفية. لذلك يتمسك بأسطورة الملك الفاتح. آه، الأمر ببساطة لأن الشعر الأسود صفة وراثية سائدة. حتى أنا من قسم الآداب أعرف ذلك. الاكتشافات العلمية مطلوبة بشدة.’
الأمير الذي لا يدرك حتى وجود كليو تابع خطواته المتعجرفة. حفظ كليو ملامحه الجانبية في ذاكرته.
كان من الصعب تصديق أن ذلك الأمير بملامحه الفتية وطبيعته الصارمة سيرتكب لاحقًا كل تلك الأفعال القاسية.
من دون أن يلقي نظرة جانبية، اتجه أسلان إلى المنصة. وأسفلها كانت مقاعد مخصصة للأميرين الثاني والثالث.
جلس أسلان في مقعده، ورفع عينيه المليئتين بمشاعر معقدة نحو عرش ولي العهد فوقه بدرجة واحدة.
ثم ظل يحدق طويلًا في المقعد إلى جواره، الذي لن يُشغل هذه الليلة.
في عيني كليو، الذي كان يستخدم 「الإدراك」، بدت هالة أسلان وحركاته واضحة تمامًا.
‘آه، عندما تتغير تعابير وجهه… يتبدل الإحساس كليًا.’
الأمير ذو العينين السوداوين اللتين تحملان ضغينة قديمة بدا ملائمًا لدور الشرير. لكن بعض الشابات في القاعة كان لهن رأي مختلف عن كليو.
ثلاث أو أربع فتيات كن يرمقنه خلسة ويتهامسن أو تحمر وجوههن.
‘نعم. الرجل السيئ دائمًا له معجبون.’
بدا الموقف مضحكًا على نحو عبثي، فابتسم كليو ابتسامة جانبية.
تدفقت إلى ذهنه رواية رومانسية كان قد دققها قديمًا حين كان في ضائقة مالية.
‘في روايات الحب غالبًا ما يكون البطل ذو الشعر الأسود البارد، لكن هذا الأحمق وُلد في النوع الأدبي الخطأ ويهدر شبابه غيرةً من أخيه.’
اقترب الدوق كرويل أولًا من أسلان وانحنى له. كان واضحًا لأي ناظر أنهما يتبادلان حديثًا سريًا.
‘لكنني أسمع كل شيء.’
"ألن تحضر جلالة الملكة؟"
"يبدو أن والدتي ليست في مزاج جيد اليوم."
"حقًا… لعلها تفضل قضاء أمسية هادئة بدل رؤية سموك جالسًا في مثل هذا المكان."
‘همم، يبدو أنها لا ترغب في حضور مأدبة يجلس فيها ابنها على مقعد أدنى من ملكيور. يقول ذلك بصراحة.’
وفي الحقيقة لم يكن في القاعة من يمكن اعتباره من أتباع ملكيور.
لكن من زاوية ما، يمكن القول إن الجميع باستثناء جماعة أسلان يدعمون ملكيور.
تبادلت الأحاديث المفعمة بالتوقع انتظارًا لولي العهد الذي لم يظهر بعد. وذكرت شفاه كثيرة اسم ملكيور بإعجاب وتوقير.
على عكس أسلان المدعوم من نبلاء موالين لبرونِن، قيل إن ميلكيور، الذي كانت والدته من عامة الشعب، لم يكن له فصيل داعم محدد، بل حاز شعبيته ومكانته بمهارة فريدة في التعامل.
‘وقيل إن والدته توفيت مبكرًا. ومع ذلك يملك ولي العهد شبكة علاقات هائلة في عالم المال والمجتمع. قيل إنه مزج ببراعة قدرته على كسب الناس مع جهاز معلومات سري، فأصبح وليًا للعهد دون تتويج رسمي. آه، صحيح كان له تابع صامت أيضًا… السير تايسرْتن.’
لكن رجلًا مثل تايسرْتن تريستين الموصوف في المخطوطة لم يظهر. كما أن ملكيور نفسه لم يبدُ أنه سيحضر رغم تأخر الوقت.
‘ولي العهد متأخر إذن. حسنًا، البطل يظهر متأخرًا دائمًا.’
ولما لم يعد يحتمل الضجيج، خرج كليو من الباب الجانبي للقاعة ليستنشق بعض الهواء.
على خلاف قلق آرثر، بدا أن ملكيور لن يهتم كثيرًا بكليو.
‘مع هذا العدد من المدعوين، هل سيهتم بطالب واحد؟ بطلنا صار مفرط الحساسية بعد ما عاناه في هذه النسخة.’
***
كانت المشكلة أنه دار عبر الممرات المتعرجة بحثًا عن مكان خالٍ من آثار البشر.
حتى الخدم كانوا جميعًا متمركزين في قاعة الرقص، لذا خلا الممر المظلم من أي شخص. لو رأى حتى حارسًا لسأله عن الطريق، لكن حتى ذلك لم يظهر.
بدا أنه قد ضل الطريق.
‘عندما دخلت قاعة الرقص كنت في الطابق الأول، فلماذا أنا الآن في الطابق الثاني؟!’
بعد وقوفه طوال الوقت في القاعة ثم تجواله في الممرات، بدأ الألم يتسلل إلى ساقيه وظهره.
رغم أنه كان يرى قاعة الرقص على الجانب الآخر من الفناء الواسع، حيث النوافذ كلها مفتوحة والأنوار متلألئة، إلا أن الدوران في الممرات كان يجعله يبتعد أكثر فأكثر، مما كان يدعو للجنون.
‘هل ذاك المنعطف هو الذي خرجت منه قبل قليل؟ إن وصلت إلى هناك ولم أعرف الطريق… فلنخرج عبر النافذة فحسب. يمكنني استخدام صيغة سحر 「الإبطاء」.’
كان قد سمع تحذيرًا بعدم استخدام السحر داخل القصر، لذلك تحمّل حتى الآن، لكن إن طال الوقت أكثر فسيبدو أنه لن يتمكن حتى من العودة إلى المنزل.
قاد كليو جسده المتعب واستدار عند زاوية الممر، ثم تجمّد في مكانه.
في فتحة صغيرة حيث يبدأ الممر الطويل، كانت معلّقة لوحة بورتريه بالحجم الطبيعي. مصباحا الغاز على جانبي فتحة صغيرة أضاءا الصورة.
بورتريه لامرأة ترتدي الأبيض، تقف مائلة قليلًا وتنظر إلى هنا.
عرف ‘كيم جونغ جين’ وجهها.
‘…مين سان؟!’
كانت مين سان مادونا قسم التاريخ.
بشرة بيضاء وعينان ممدودتان تمنحانها جمالًا باردًا، وكانت زميلة تدور حولها شائعات بأنها مختلطة العرق بسبب ملامحها الغامضة.
لم يكن وجهها جميلًا على نحو ودود، ومع ذلك عندما كانت تبتسم ابتسامتها الملتبسة، كان القلب ينقبض بشدة.
العينان البنفسجيتان الفاتحتان في اللوحة تنظران إلى كليو. كان شعرها الطويل أبيض بالكامل، لكن طولها ووجهها وطريقة وقوفها كانت مين سان ذاتها.
أسفل اللوحة كانت لوحة اسم صغيرة.
<ريجينا إستوريا، رئيسة أساقفة روندين>
أراد ‘كيم جونغ جين’ أن يوبخ لاوعيه.
‘هل كنت… بهذا القدر من التفاهة؟’
مهما طال حبه من طرف واحد، كيف يضع وجهها على شخصية خيالية.
لم تكن بينه وبين مين سان أي علاقة.
كانت مين سان اللطيفة مع الجميع تبادره بالكلام أحيانًا في أيام الجامعة، لكنه كان يجيب بالقدر اللازم فقط.
كانت مين سان الأولى في القبول والأولى في التخرج. وإضافة إلى ذلك، لم يكن هناك سبب يجعل تلك الفتاة المنتمية إلى عائلة عظيمة تهتم بطالب فقير يعمل لإعالة نفسه.
ربما كان ذلك كبرياءً فارغًا، لكنه لم يرد أن يغرق في أوهام ويتصرف بحماقة.
‘لا. ظهور شيء من العالم الأصلي حدث لأول مرة بعد دخولي إلى المخطوطة. لا يمكن أن أكون أنا من علّق بورتريه… مين سان.’
وعندما فكّر في احتمال آخر، اتجهت عيناه تلقائيًا إلى ‘الوعد’ في سبابة يده اليسرى.
ظهر افتراض يمكن أن يفسر لماذا يوجد داخل المخطوطة عنصر يشبه تمامًا خاتم التخرج، ولماذا توجد في النسخة النهائية شخصية تبدو مستوحاة من مين سان.
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.