– الرجل المخيف ، الرجل الشرير ، الرجل الأحمق (1) –
بينما كان يفكر أن يجرب مرة أخيرة فقط، أطلّت ديون برأسها من خلف السياج.
كان يعلم بوصولها منذ قليل، لكنه تركها وشأنها لأنها كانت تحاول إخفاء حضورها.
لم تكترث بتلوّث تنورتها الدانتيل البيضاء وحذائها اللؤلؤي، وخطت بين الحفر المقلوبة الفوضوية.
ساحرة الأبحاث، التي أطبقت شفتيها بإحكام، راحت تتفحّص بعينين حادتين شكل الحفر وعمقها تفصيلًا. كانت تقدّر قوة السحر.
ثم نبشت كومة التراب بيديها العاريتين، وعثرت حتى على شظايا زينة الحديقة التي بدت هدفًا للهجوم.
جلست ديون في مكانها وبسطت الدائرة، ثم فعّلت صيغ [التحليل][التتبّع][الإعادة].
"[انعكس، انكشف، أثر القوة والضوء!]"
لبضع دقائق بعد استخدام السحر، كانت الأثيرات المتبقية في الهواء تحفظ أثره كصفحةٍ سفليةٍ لورق النسخ. وبجمع [التحليل][التتبّع][الإعادة] أمكن معرفة السحر المستخدم.
'إنه تركيب مذكور في 『كتاب الشامل للسحر』 المجلد الثالث. سحر ديوه حقًا منهجي ونظيف.'
لم يحاول كليو إيقاف استقصاء ديون.
'أضفت بند السرية إلى العقد، وسأشتري وسائط السحر منها لاحقًا أيضًا، فلا حاجة للإخفاء.'
بعد أن أعادت تتبّع حركة الأثير، نهضت ديون أخيرًا واقفة. وعلى قدميها الصغيرتين بحذاءٍ عالٍ، اجتازت الحديقة الترابية بخفة.
"كليو!"
"نعم."
"كم مرة يمكن استخدام هذا السحر على التوالي؟"
مع الأخذ في الحسبان استهلاك الأثير وتركيزه، بدا أن ثلاث ضربات متتالية ممكنة، لكنه خفّض العدد احتياطًا.
"كما رأيتِ، يبدو أن مرة أو مرتين هو الحد."
"مياو― مياو―(يا لك من بارع في الكذب، تس!)."
تمتم بيهيموث عند قدميه. وتظاهر كليو بأنه لم يسمع.
"حسنًا. إنها صيغة تلتهم الأثير بشدة… هذا ليس بالأمر الهيّن."
حتى بهذا العدد المحدود بدت ديون متأثرة بشدة.
ورغم أنها كانت مغطاة بالتراب، وقفت ديون أمامه تبتسم بدهشةٍ أنيقة.
مع هبّة الريح طار قبّعتها بعيدًا، وتطاير شعرها الوردي الرمادي، واحمرّ خدّاها طبيعيًا.
الانفعال والرهبة جعلا ملامحها تلمع كفتاةٍ صغيرة.
"راي، أنت عبقري حقًا. لا… هذه عبارة ضعيفة. لا سابقة لهذا السحر… ضربة تبدأ من السماء."
شعر كليو بالحرج من المديح الجاد، فحكّ خدّه وتجنّب النظر.
'لأن إنسان العصر الحديث معتاد أن تأتي الهجمات من السماء…'
بالنظر إلى مستوى التطور التقني، بدا ذلك ممكنًا، لكن من الصحف والكتيبات لم يكن في هذا العالم منطادٌ طائر بعد. وحتى المناطيد الهوائية بدت مخصصة للسياحة.
قد يكون القصف من الجو مفهومًا سابقًا لعصره. فكرة عادية سيخطر بها الجميع لاحقًا.
"إنها قوة أقرب إلى الملائكة أو الشياطين."
"أليست مبالغة؟"
"وأين المبالغة؟ هذا السحر يتطلب قدرة ضبط هائلة وحساسية أثيرية عالية. وإلا فقد يُصاب المُستخدم نفسه."
ابتلع كليو قصة أنه كاد يُطعن برمحه أثناء التدريب واضطر لنشر سحر [الدفاع] على عجل.
"لنرَ، قطر الدائرة نحو 20 مترًا، إذًا مستوى 4؟ لو لم أرها بعيني لما صدّقت أن هذه قوة ساحر من المستوى الرابع."
"عشرون مترًا مسافة يستطيع حتى المبارز الأدنى تجاوزها ببضع خطوات اندفاع، لذا فليس سحرًا عمليًا في القتال."
"أتحاول التملّص بهذا العذر أمام ساحر مثلك؟ أتظن أنك ستبقى إلى الأبد ساحر من مستوى 4؟"
رفعت ديون حاجبيها ووضعت يديها على خصرها. وبصوتٍ أخفض من المعتاد وبلا تردّد وبّخته.
"عندما تبلغ المستوى الخامس يصبح قطر الدائرة 80 مترًا. أما المستوى السادس فـ200 متر. عندها حتى المبارز المتوسط يحتاج بضع ثوانٍ لاجتيازها. وحين يصبح تعويذك أسرع من اندفاعهم… فالنتيجة واضحة."
"لكن كما أن ساحر المستوى السادس قوي، فإن مبارز المستوى السادس داخل نطاق 200 متر شبه لا يُقهر. لا أظن أنني أستطيع مواجهة مبارزٍ رفيع كهذا."
كان حدّ سعة الأثير الذي يُعدّ معيار مستوى الأثير متماثلًا في معايير القياس لدى كلٍّ من الفرسان والسحرة.
وكما هو حال دائرة الساحر، فإن نطاق ضربة سيف الفارس كان أيضًا يتناسب طرديًا مع مستوى الأثير.
وكما يستطيع كليو، بصفته ساحرًا من المستوى الرابع، أن ينشر دائرة بقطر عشرين مترًا، فإن الفارس من المستوى الرابع كان قادرًا على إظهار أفضل مهاراته ضمن نطاق عشرين مترًا متمركزًا حول جسده فقط. وكان من الصعب توجيه هجوم فعّال إلى خصم يقع خارج هذا النطاق.
"مجرد التفكير، وأنت ساحر، في منافسة فارس في فنون القتال أمر استثنائي بحد ذاته. شخص لا يستطيع حتى حمل سيف. من الأساس، من الذي قد يخطر بباله أن يهاجم بالسحر؟ إنه تبذير فوق تبذير…."
وبعد موجة من الانفعال، استعادت ديون قدرًا من هدوئها، ثم راحت تتأمل المشهد في الحديقة كأنها تلتقطه بعينيها من جديد.
"لقد أنجزت الأمر."
حين تبرد عينا ديون المائيتان حتى تصيرا كالجليد، تبدو أكثر صدقًا وجمالًا بكثير مما تكون عليه عندما تتصنّع اللطف.
"خدم هذا القصر جميعهم مخلصون، لكن اطلب من السيدة كانتون أن تشدد عليهم بالكتمان مرة أخرى. إن لم تكن ترغب في أن تصبح شخصية موضع مراقبة لدى إدارة المعلومات السرية."
وإذ تذكّر كليو حفلة عيد الميلاد التي لم يبقَ عليها سوى أسبوع واحد، وتذكّر ملكيور الذي أرسل دعوة الحفلة، أومأ برأسه.
"شكرًا على النصيحة. وأنا أيضًا لا أرغب في أن أكون في مثل ذلك الموقف."
"عدد السحرة من المستوى الخامس في ألبيون لا يبلغ حتى ثلاثين. ومن المستوى السادس أحد عشر. ومن المستوى السابع ثلاثة. ومن المستوى الثامن واحد فقط. ومعظم السحرة رفيعي المستوى مسنون.
حتى الفرسان الذين يُقال إنهم يمتلكون أعظم قوة قتالية بين البشر، إن لم يبلغوا المستوى السادس فلن يتمكنوا من تنفيذ هجمات بعيدة المدى. ولو كان كل ساحر قادرًا على فعل ما تفعله أنت، لكان الناس وجود السحرة―."
"مياو―مياو―(هذا الجسد الأصلي يريد الآن أن يدخل ويتمدد، فمتى سينتهي خطاب هذه الآنسة)."
قاطع بيهيموث كلام ديون. فقد تثاءب وراح يخدش جسده بقدمه الخلفية، ولم يلبث أن لجأ إلى الفعل المباشر.
"―لما تقبّلوه."
أنهت ديون ما أرادت قوله بثبات، ثم انحنت بخصرها بملامح ذابت نعومةً كأنها لم تكن جادة قبل لحظة.
"أووو، هل شعر موث بالملل؟"
"مياو. مياو. (حسنًا أنكِ فهمتِ)."
ومع تخلي ديون عن وضع الجدية وانحنائها أكثر، قفز القط البدين وتعلّق بجسدها الرقيق.
تعثّرت ديون قليلًا تحت ثقل القط، لكنها احتضنت بيهيموث بإحكام ولم تتركه.
"موث لم اراك أيضًا منذ زمن! كنت مشغولة هذه الأيام فلم أعطه حتى وجباته الخفيفة!"
"مياو(صحيح. أعطني اللحم المجفف)."
"هل أنت جائع؟ عندما ندخل هناك وجبات خفيفة!"
"مياو مياو!!!"
'حقًا لا يتفاهمان بالكلام، أليس كذلك؟ كيف تفهم بهذه الدقة؟'
كان الغروب قد بدأ يرخى سدوله. وراح الاثنان يتحركان نحو المنزل بشكل طبيعي.
شعر كليو بأن الإرهاق والنعاس المتراكمين طوال شهر كامل يندفعان نحوه كما لو كانا يطالبان بدين.
وحين التفتت ديون إلى كليو الذي أخذ يتأخر أكثر فأكثر، نقرت بلسانها.
"تحت عينيك لم يعد داكنًا فحسب بل أزرق أيضًا، تسك تسك. برؤية هذه الحديقة يمكنني تخيّل مقدار الفوضى التي أحدثتها. لا أثر للزهور ولا لأشجار الزينة، لقد صار المكان أشبه بحقل ريفي قبل البذر."
توقف كليو عن التثاؤب المتواصل وهو يستمع إلى كلام ديون. فقد خطرت له فكرة.
'إذا اندلعت حرب لاحقًا فسيُفرض حصار على العاصمة. قد لا تطول المدة، لكن لا أحد يعلم، فهل أحوّل هذا المكان إلى حقل؟ استعدادًا لنقص الغذاء.'
"البذر إذًا… بالفعل المحاصيل الصالحة للأكل هي الأفضل. هل نزرع البطاطا والفاصولياء؟ والملفوف أيضًا لا بأس به."
رفعت ديون ذقنها قليلًا وضيّقت عينيها. وكان القط أيضًا يحدّق في كليو بالملامح نفسها التي ارتسمت على وجه ديون.
"كنت جادًا للتو، أليس كذلك. لماذا يتصرف شخص لم ينشأ في فقر بهذا البؤس! إنسان يملك أغنى رجل في البلاد أبًا له!"
"ثروة والدي هي ثروة والدي…."
"ليست ملكك؟ يا للعجب، وأنت الذي تملك أرضًا تكفي لبناء مضمار فروسية في منطقة أوريلس وتقول هذا؟"
كان كليو يسير بصعوبة وهو يرفع كتفيه المتهدلين، لكنه انتصب فجأة في دهشة.
"ألا تقلين إن الشراء قد اكتمل بالفعل؟"
"يا لرأسي. بدلًا من هذا ادخل بسرعة واغتسل. هناك الكثير من الوثائق التي ينبغي مراجعتها الآن. بعد المراجعة النهائية سنسدد المبلغ المتبقي هذا الأسبوع ونسجل الملكية."
"جميعها دون استثناء؟"
'هل رتّبتِ كل تلك العلاقات القانونية المعقدة في هذه الأثناء؟ ظننت أن الأمر سيستغرق وقتًا أطول. هذا مذهل….'
أعاد كليو النظر إلى الآنسة الصغيرة التي تعانق قط وهي ترتدي فستانًا ملطخًا بالتراب، كأنه يراها لأول مرة.
"آهاها. كلها! لقد أعددتُ العقد، وما عليك سوى التوقيع. يبدو أنني بارعة في التفاوض أكثر من السحر."
"هذا رائع. لقب العبقرية لا يليق بي بل بالليدي ديون."
كان ثناءً نابعًا بصدق من أعماق قلبه.
وكان قراره بإبرام عقد معها اختيارًا صائبًا للغاية.
***
في عطلة نهاية الأسبوع وقّع على الوثائق كما طلبت ديون، وقرأ مجموعة من السوابق القضائية الرئيسية المتعلقة بشراء الأراضي واستئجارها.
ومع عودة يوم الاثنين أنهى فورًا تسجيل نقل الملكية.
وخلال الأيام التالية أمضى وقته في اللعب مع بيهيموث، ومشاركة الشراب، وتقليب كتاب 『دليل الأحجار السحرية』 الملقى في المنزل. مرّ أسبوع كأنه حلم.
استيقظ كليو متأخرًا اليوم أيضًا، ونظر إلى الخزانة على يسار سريره بابتسامة راضية. كان مجرد النظر إليها يمنحه شعورًا جيدًا.
داخل الخزانة كان هناك صندوق حديدي اشتراه بخمسين ألف دينار.
وكان الصندوق أداة سحرية لا يستطيع فتحها أو نقلها أحد سوى المستخدم الذي نُقشت عليه أولًا.
'سآخذه معي لاحقًا إلى السكن الجامعي. مجرد امتلاك سندات الأرض يمنح شعورًا رائعًا.'
شهادة ملكية أرض تحمل ختم رئيس بلدية أوريلس تحت اسم كليو آسيل.
كانت وثيقة حديثة جدًا صدرت قبل يومين فقط.
'هذا الشعور بتسجيل الملكية في السابعة عشرة، إنه الأفضل حقًا. كأنني شبعت حتى من دون أن آكل.'
في تلك اللحظة سُمع طرق مهذب على باب غرفة النوم.
"هل استيقظت يا سيدي الشاب؟"
"السيدة كانتون. صباح الخير."
لم تُرسل كبيرة الخادمات أحدًا بدلًا عنها، بل دخلت بنفسها وهي تدفع العربة.
وعلى الصينية في الرف الأعلى كانت موضوعة بعناية شاي دافئ وحليب وتوت العليق مع شراب، وبيض مسلوق نصف سلق، ولحم خنزير طري، وخبز محمص ومربى البرتقال.
كان فطورًا جُهّز بعناية وبكميات صغيرة وأنيقة مراعاةً لشهية كليو القليلة.
وكانت السيدة كانتون متحمسة، تبذل جهدها كي يزداد وزن السيد الشاب ولو قليلًا قبل بدء الدراسة.
"اليوم يبدو لون وجهك أفضل بكثير، وهذا يطمئنني."
"بفضل عنايتكِ."
"الاجتهاد في التدريب جيد، لكن عليك أن تهتم بصحتك أولًا."
كان كليو، مرتديًا بيجامته، يتلقى الصينية فوق السرير.
تحركت رئيسة الخادمات بسلاسة، وقدّمت فوق الملاءة أربع صحف يومية مكوية بعناية.
"إذًا، بعد أن تنتهي من الطعام رجاءً اقرع الجرس."
"شكرًا على ذلك."
كان صباحًا بالغ الأناقة.
وكان الطعام لذيذًا كما في كل مرة.
فالطاهي الذي عمل طويلًا في مقر عائلة كولفوس، ومسؤول الحلويات، والبستاني، والخادمات، ورئيسة الخادمات، جميعهم كانوا منظمين كأوركسترا واحدة.
'كنت أظن أن المدرسة مريحة بما فيه الكفاية، لكن هناك ترفًا يفوق ذلك… مليون ومئتا ألف دينار يمكنني إعادتها إلى والدي، لكن هذا القصر مؤسف التفريط به. كيف… ألن توجد طريقة لأحصل عليه كهدية؟'
لم يكن سوى أسفه لأنه، طوال تلك الفترة، انشغل بالهروب من المنزل، والذهاب إلى دار المزادات، والتدرب على السحر، وإثارة الضجيج، فلم يتمكن من الاستمتاع بما في هذا المنزل الرائع من تجهيزات وخدمات.
'هل أرفع درجاتي في المدرسة فأحصل على المركز الأول، أو أشارك في مسابقة ما؟ سأصنع ذريعة، ثم إن سنحت فرصة للقائه لاحقًا سألمّح بالأمر.'
كان والده، الذي زار المدرسة مرة واحدة فقط، لم يبعث بأي خبر بعدها. وبالطبع كان ذلك مناسبًا لكليو أيضًا، لذا لم يتواصل معه أولًا.
قالت ديون إنها تكتب رسالة إلى غيديون آسيل بصياغة لطيفة ومنمقة. وبمهارتها كان الأمر مطمئنًا.
وضع كليو الصينية على العربة، ثم فتح الصحيفة وهو لا يزال نصف مستلقٍ على السرير.
كان قراءة الصحف الأربع جزءًا من روتينه الصباحي، إذ كان ينتظر خبرًا ما.
وبينما يقلب الصحيفة وهو غارق في الوسائد الناعمة، انتفض كليو فجأة وجلس.
<اكتشاف عرق تيفلاوم في أرض ملكية بمدينة دوبريس، ويُقدَّر أنه الأكبر في قارة دِرنييه>
<الحكومة تبدأ تحقيقًا حول إجمالي الاحتياطي>
<ما هو التيفلاوم؟ ― مادة في طليعة التقدم التقني>
<كنز الشمال الشرقي، كيف سيغيّر خريطة الصناعة والخدمات اللوجستية؟>
من الصحف الملكية إلى تلك ذات النزعة الجمهورية، بدأت جميعها تتحدث في آن واحد عن منجم التيفلاوم.
'نجح الأمر. أخيرًا رُفع حظر النشر!'
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.