– عطلة صيفية حكيمة (1) –
رغم أن هذا المكان كان أصل كل الحوادث والمشكلات التي بدأت، فإن طعام مطعم مبنى السنة الأولى ظل لذيذًا كما هو.
ولو لم تكن سيل جالسة أمامه، وريبي وليتيشيا ملتصقتين به من الجانبين، لكانت الوجبة أمتع بكثير.
"يا فتيات، دعنني آكل أولًا ثم نتحدث."
"كُل."
"كُل كثيرًا."
"إذًا ابتعدن عني قليلًا."
"أجبنا أولًا إذًا."
"مهما سألتم، الجواب واحد. صادف أن الأسئلة جاءت من الجزء الذي كنت قد حفظته."
"لكنها صيغة سحرية لا تظهر إلا بعد إنهاء المجلد الأول من الكتاب الشامل للسحر! كيف تحفظ ذلك كله؟ إذًا أنت عبقري يا راي!"
لم تسمح له التوأم من الجانبين حتى بأن يضع لقمة في فمه وهما تثرثران.
يبدو أن توأم أنجيليوم كانتا فعلًا طالبتين ملتحقتين مبكرًا. عند النظر إليهما عن قرب، كانت ملامح الطفولة لا تزال واضحة على وجهيهما.
وبحكم كونهما طفلتين، وبدون أي تحفظ، راحتا تمطرانه بالأسئلة عن سحره.
كانتا فتاتين ذكيتين بما فيه الكفاية وأكثر، لكن طريقتهما الطفولية في مخاطبة الأصدقاء تعود إلى أيام قاسية في الماضي قضتاها في بيئة صارمة تتدربان فيها على المبارزة فقط.
توأم أنجيليوم لم تذوقا طعم الحرية والصداقة لأول مرة إلا بعد قدومهما إلى هذه المدرسة—هكذا قرأ في المسودة السابقة.
وفي نطاق تلك الصداقة، لم تكن سيل موجودة آنذاك.
"سيل، ألا يمكنكِ أن تردعيهما قليلًا؟"
"ولماذا أردعهما؟ إنهما لطيفتان هكذا. ثم إنني أنا أيضًا فضولية لمعرفة سر سحرك. صحيح أن حجم دائرتك من المستوى الثاني، لكن القوة لم تكن تقل عن المستوى الرابع."
"هاه، أنتن لستن حتى مرشحات لتصبحن ساحرات، فلماذا كل هذا الاهتمام بالسحر؟"
"لأن الفرق بيننا نحن المبارزين، الذين هدفنا تكثيف الإيثر داخل الجسد، وبين السحرة الذين هدفهم بسط الإيثر خارج الجسد رغم أننا نستخدم الأثير نفسه، أمر مثير للاهتمام دائمًا. هوهو."
"لا تخفضي صوتكِ بلا داعٍ وأنتِ تقولين كلامًا عاديًا…."
كانت سيل تجلس أمام كأس من النبيذ الأبيض، تشبك يديها وتسند ذقنها عليهما. وكانت تملك جمالًا رفيعًا بحيث لا يبدو هذا التصرف متعجرفًا عليها.
سيليست تانبيت دي نيجو، بشعر أزرق داكن متموج بلطف و مقصوص قليلا، وعينين فضيتين تتلألآن في أطراف عينيها الطويلتين.
قميص بأزرار مفتوحة اثنين أو ثلاثة دون سترة أو ربطة عنق، أكمام مرفوعة، وساقان طويلتان نحيلتان تحت بنطال الزي المدرسي. فتاة ذات سحر أنيق وميل محايد بين الانثوية والذكورية.
م.م:😑😑😑💀
'بل ويبدو أنها أطول مني أيضًا….'
كان على وشك أن يستسلم ويقف بعدما عجز حتى عن تناول بضع لقم بسبب إزعاج التوأم.
عندها شعر بيد تضغط على كتفه برفق. لم يحتج حتى إلى الالتفات ليعرف من تكون.
وكأن وراء كل جبل جبلًا آخر.
"…إيسييل."
أمام الهيبة المخيفة للفارسة، تراجعت التوأم بخفة إلى الجهة الأخرى من الطاولة قرب سيل.
ارتشفت سيل جرعة من النبيذ، وبدا أنها لا تنوي التدخل إطلاقًا. كانت عيناها تلمعان فحسب.
"لقد كذبت عليّ."
"كذبت؟"
"أكدت مرارًا أنك لا تعرف شيئًا عن السحر."
"قلت إنني لا أعرف، ولم أقل إنني لا أستطيع."
هنا لا بد من اتباع استراتيجية جلسة الاستماع مجددًا. كان الأمر خطأ حينها وصحيحًا الآن. أليست الأمور تسير هكذا دائمًا!
"حسنًا. سأصدق مبدئيًا أنك… لست تابعًا لأي جهة معينة. بما أن اللورد آرثر يقول ذلك."
وبينما بدا أنها تراعي آذان الطلاب في المطعم الذين كانوا يصغون إلى الضجيج، عبّرت إيسييل عن رأيها بصيغة مبهمة.
ولو فُسّر كلامها صراحة، فالمعنى واضح. "بما أن آرثر يزعم أنك لست جاسوسًا أرسله الأمير الأول أو الثاني، فعليّ أن أصدق، لكن بصراحة يصعب التصديق، وأتوقع أن لديك نية خفية."
أمام نمر، وخلفه أسد. وبين نظرات الفتيات الأربع المتلألئة أو المفعمة بالقتل أو بالفضول، تمنى كليو لو يستطيع أن يختفي ببساطة.
"إذًا ما هدفك من إخفاء قوتك؟"
'لماذا تظن هذه الفتاة أن كل من في العالم يعيش مثلها حاملًا هدفًا ورسالة؟ هل لأنها ما تزال صغيرة…؟'
"الفصل."
"ماذا؟"
"هدفي في الحياة أن أُفصل من المدرسة كي لا أذهب إلى الجيش."
تلون وجه إيسييل الخالي من التعبير بالارتباك، ثم ازداد وقارًا.
"…هل هناك شيء تسعى إلى تحقيقه لدرجة أنك تريد تفادي الخدمة الإلزامية؟"
كانت تسأله إن كان من دعاة مناهضة الحرب أو من الرافضين للخدمة العسكرية بدافع الضمير. شعر كليو بالاختناق حتى كاد يضرب صدره من شدة الضيق.
"طبعًا لدي ما أريد تحقيقه. أن أعيش آكل وألعب إلى الأبد في فندق بمنتجع سياحي. أشرب الشمبانيا صباحًا، والويسكي مساءً، وأنام اثنتي عشرة ساعة ليلًا."
"يا لك من… لا تجيب أبدًا بجدية! ولماذا دخلت هذه المدرسة إذًا!"
بدت وكأنها تظن أنه يمزح بينما هي تتحدث بجدية، فانفجرت غاضبة مرة أخرى.
وبالطبع، لم يكن في جواب كليو واحد بالمئة من المزاح.
"أتظنين أنني جئت لأنني أردت ذلك؟ ها؟"
ربما كانت تتمنى أن توجه له لكمة، لكن يد إيسييل المرتجفة لم تستطع أن تضرب فتى واهنًا لا يجيد حتى تنفيذ حركة أساسية واحدة في المبارزة.
كررت أنفاسًا عميقة كأنها تحاول تهدئة غضبها، ثم قالت من بين أسنانها.
"أشعر أن إضاعة الوقت في الحديث معك بلا جدوى. لقد أُعجبت حقًا بموهبتك، لكن يؤسفني أن تكون تلك الموهبة قد حلت بك أنت تحديدًا. لا أعلم لماذا يمنحك اللورد آرثر كل هذا الاهتمام."
ثم استدارت وغادرت المطعم بخطوات واسعة، مبتعدة بسرعة. راقبتها سيل وهي تنفجر ضاحكة.
"يا للهول، إيسييل جادة في كل شيء."
"لأنها إيسييل."
"ماذا؟ أتدافع عنها؟"
"فقط أقول إن هذا هو الواقع."
"هاهاها. وأنت أيضًا صلب كالصخر. فتاة جميلة كهذه متعلقة بك… على أي حال، سمعت طموحك جيدًا. بما أنك تحب المنتجعات إلى هذا الحد، أود أن أرسل لك دعوة شكرًا على العرض الممتع الذي قدمته لنا. ما رأيك؟ أمي تملك فندقًا على شاطئ نوفانتِس."
"لا أعرف أين هذا المكان."
"أكنت تعيش محبوسًا في غرفة ضيقة؟ لا تعرف أشهر شاطئ في ألبيون؟ إنها العطلة، تعال مرة. فندق أمي سمعته ممتازة. فندق أبيض قائم فوق منحدرات طباشيرية بيضاء."
عند هذه النقطة تذكر وصفًا قرأه من قبل. كانت والدة سيل، كاتارينا تانبيت دي نيجو، أشهر سيدة أعمال في مجال الفنادق في البلاد. وعندما تندلع الحرب لاحقًا، ستقدم كاتارينا فنادقها كمستشفيات ميدانية، فيعلو اسمها أكثر.
'وحتى قبل ذلك كانت قد اكتسبت شهرة بخدماتها المتطورة وتصاميمها الداخلية… فندق دي نيجو.'
ولما لاحظت سيل أن قلبه بدأ يتزعزع قليلًا، تابعت بحماس أكبر.
"في الأصل، كانت فيلا جدتي، ثم حوّلته أمي إلى فندق حين وُلدت تقريبًا. قبو جدتي مليء بأنواع نبيذ عتيقة مذهلة. إن أتيت، سأقدم لك الشمبانيا كل يوم."
"سيل، أريد أن أذهب أنا أيضًا!"
"وأنا! لكنني أفضل شربات الليمون الأخضر بدل الشمبانيا."
"وأنا عصير الليمون!"
"آنستي أنجيليوم اللطيفتان مرحب بكما في أي وقت. راي، سأرسل لك الدعوة قريبًا إذًا. يجب أن نلتقي في نوفانتِس!"
ثم انصرفت سيل وهي تقود التوأم معها. وفي أعقاب العاصفة التي مرت، وبين شعور يشبه الخراب الذي يخلفه الإعصار، عقد كليو عزمه على أمر واحد.
'عندما أهرب من أبي، عليّ أن أتجنب نوفانتِس.'
***
انتهت دروس الفصل الأول جميعها.
وصدرت نتائج الامتحانات النهائية.
مادة أساسيات المبارزة أنجزها. ركض الألف متر بكل ما أوتي من قوة في 4 دقائق و59 ثانية، وحصل على الدرجة الكاملة في الاختبار التحريري، فكان المجموع 50 نقطة.
أما التاريخ، فحفظ قائمة المراجع الإضافية كاملة وهو يتلقى ضربات من مخلب بيهيموث الأمامي. 92 نقطة.
أصاب أسئلة الدرجات العالية، لكنه خُصم منه لأنه لم يعرف اسم الملك السابق، فسمع تذمر القط بأنه يفتقر إلى الثقافة العامة.
في مادة الكلاسيكيات حصل على 85 نقطة. وتلقى ضربة بمخلب القط الخلفي.
وأما أساسيات السحر، 100 نقطة.
كان من حسن الحظ أن الحضور لا يُحتسب ضمن الدرجات. رغم أنه تغيب في البداية مرارًا، إلا أن زيبيدي منحه العلامة الكاملة.
المجموع الكلي 327 نقطة. والمفاجأة أن ترتيبه كان التاسع.
عادةً ما تكون الأستاذة روزا سخية في الدرجات، ثم يأتي زيبيدي ليقتطع منها بصرامة، لكن الأمر انعكس مع كليو.
حين مرّ قبل قليل بلوحة الإعلانات ورأى الترتيب، وجد أن إيسييل كيسيون كانت الأولى مجددًا. مجموعها 397 نقطة.
'إما تتدرب على المبارزة كل يوم أو تدرس. فتاة كان يمكنها أن تعيش بشيء من الاسترخاء أكثر.'
شعر بشيء من الأسف، وفي الوقت نفسه بدا له أمرًا مدهشًا أن تحدد في مثل هذا العمر رسالتها في الحياة وتركض نحو هدفها.
'نعم. هذا هو التابع المخلص الذي يليق بآرثر. أنتِ شخصية رئيسية، فاجتهدي كما تشائين. أما أنا فسأعيش حياتي.'
كان انطباعه الأخير عنها، بعد أن استفز مشاعرها قبل الافتراق، يثقل قلبه قليلًا، لكن ما العمل. إذا غادر المدرسة هذه المرة فلن يراها مجددًا.
في مكتب البريد داخل الحرم، أرسل كليو برقية إلى سكرتارية شركة آسيل في كولفوس، وهو يدندن بلحن خفيف.
[الترتيب العام: التاسع
يرجى رفع تجميد السحب وتنفيذ الوعد]
'أرأيت يا أبي. أعد إليّ مالي الآن.'
فقد دخل ضمن العشرة الأوائل، ومن الطبيعي أن يُلغى قرار التحاقه بالجيش. كل ما تبقى هو انتظار رفع تجميد السحب، ثم يسحب المبلغ كاملًا ويفرّ.
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه كليو وهو يمضي قدمًا في تنفيذ خطته.
***
كان رد والده سريعًا. في عصر اليوم التالي لحفل ختام الفصل، جاء شخص يبحث عن كليو.
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.