سرت رائحة الطعام الزكية إلى أنوفهم، فقرقرت بطونهم تطلُّعًا لما سيأتي.
"لمَ لا تأكلون؟" تساءل غوستاف وهو يجلس.
"إنهم… يأكلون، أليس كذلك، يا رفاق؟" سأل إي.إي وهو يحدّق بهم بحدة.
"مستحيل، يمكنك أخذ طبقي يا فالكو،" قال تيمي وهو يدفع طبقه جانبًا ويتّجه صوب غوستاف.
ابتسامة متكلفة ارتسمت على شفتيه قبل أن يطفو الجانب المظلم من فالكو، "أتجرؤ على محاولة تسميم هذا السيّد؟ أبعد هذا القذى عن وجهي أيها العمود الأعمى!" قال وهو يدفع الطبق نحو أيلدريس.
"هذا السيّد لن يأكل إلا طعامًا يليق بمقامه،" أضاف فالكو المظلم وهو ينهض ويتجه إلى غوستاف.
صار لدى أيلدريس ثلاث صحون أمامه في هذه اللحظة، بينما راح إي.إي يحدّق به بعينين مليئتين بالعزيمة، "أيلدريس… إهدار الطعام هو…"
قبل أن يتمّ جملته، قاطعه أيلدريس قائلًا، "آه، لا أرى شيئًا… لا أرى، إذًا لا أستطيع الأكل،" قال بينما وقف وراح يلوّح بيده أمام وجهه كما لو كان أعمى.
"ألم تقل إنّ الألوان تحدّثك؟" سأله إي.إي.
"الألوان، نعم… لكن الطعام؟ لا… باستثناء هذا الطبق،" قال وهو يشير إلى طبق غوستاف.
إي.إي: "…" 'تبا لكم جميعًا،'
ألقى غوستاف نظرة حذرة حوله وهو يمسك ملعقته، "لمَ تحومون حولي هكذا؟" تساءل بنبرة مريبة وهم يحدّقون في طبقه كالشياطين الجائعة.
كان فالكو المظلم أول من اندفع محاولًا اختطاف الطبق.
لكن غوستاف رفعه بسرعة عن الطاولة وقفز واقفًا.
"ما الذي تفعله بحق الجحيم؟" صاح مستنكرًا.
"سلّم غدائك لي،" أمره فالكو المظلم بنبرة متسلطة.
"سنقتسمه معًا،" أضاف تيمي وهو يحاول انتزاع الطبق أيضًا.
سارع غوستاف إلى التوجه نحو غرفة المعيشة بينما انطلق الجميع خلفه في مطاردة محمومة للطبق.
حدّق إي.إي بهم لثوانٍ قبل أن يقرر تذوق طعامه مستغلًا انشغالهم بالمطاردة.
"إخخ،" انتفخت وجنتاه وارتسمت على وجهه ملامح الاشمئزاز.
"تبا لهذا،" قال قبل أن يلتقط ملعقة وينضمّ إليهم راكضًا نحو غرفة المعيشة.
وهكذا، مرّت بضعة أيام أخرى، ووصل الأسبوع المحدد لتحدّي طلاب الصف الخاص مجددًا.
بذلك، يكون قد مضى شهران على وصول طلاب السنة الأولى. وصل إلى غرف غوستاف والبقية الصندوق الأبيض مجددًا في يوم الأحد.
لقد تضاءل عدد الطلاب العاديين المتحدّين لهم بشكل ملحوظ.
خصوصًا مع فالكو وغوستاف.
استطاع غوستاف أن يحصي بالكاد عشرة طلاب ما زالوا يمتلكون الجرأة لتحدّيه، وهو عدد لا يقارن بأكثر من ستين طالبًا تحدّوه الشهر الماضي.
أما فالكو، فلم يتحدَّه سوى خمسة طلاب، في حين أنّ إي.إي لم يتلقَّ سوى ثلاثة تحديات، بينما لم يكن لدى أيلدريس سوى متحدٍّ واحد.
أما تيمي، فلم يمضِ على انضمامه إلى الصف الخاص سوى شهر واحد، لذا فقد استهان به كثير من الطلاب العاديين وتهافتوا على تحدّيه.
بلغ عدد التحديات التي وُجّهت إليه نحو مئة.
أما غوستاف، فظلّ معظم متحدّيه من حزب ماتيلدا، لذا لم يكن مستغربًا أن يصل عددهم إلى عشرة.
على عكس المرة الماضية، لم يتقدّم دييتريك بأي تحدٍّ هذه المرة.
التقى غوستاف به عدّة مرات خلال الأيام الماضية، وفي كل مرة، لم يكن يرى في عينيه ذلك التحدّي المتّقد الذي كان يميّزه من قبل.
وجد غوستاف هذا غريبًا، إذ إنّ دييتريك أظهر في السابق شخصية لا تعرف الاستسلام، فلم يكن يتوقع منه أن ينسحب بهذه السهولة، خاصّة أنّ لديه محاولتين متبقيتين.
لكن غوستاف قرّر ألا يشغل ذهنه بالأمر كثيرًا. فقد كان هذا السيناريو الأفضل بالنسبة له، فهدفه الأساسي كان إرغام هؤلاء الطامعين على التراجع حتى تتمكن ماتيلدا من الانضمام إلى المهمة دون قيود عائلية.
شعر أنّه يدين لها بهذا بعدما ساعدته في قضية دانزو العجوز، خاصّة بعد أن اضطرّ لانتهاك جسدها باستخدام هيئة شخص آخر.
خلال الأيام القليلة الماضية، التقى غوستاف بأندريك عدة مرات. كانت محادثاتهما دائمًا تتسم بالعدائية، وكان غوستاف يتعمد الاقتراب منه حتى يتمكن النظام من تحليله.
لم يكن طبع أندريك يتحسن مع الوقت الذي قضاه هنا، بل كان يسوء، مما زاد من رغبة غوستاف في القضاء عليه.
ومع ذلك، كان غوستاف يشعر أن هناك أمرًا غريبًا بشأنه، ولهذا أراد مراقبته عن كثب.
كان كلاهما يماطل لكسب الوقت.
أندريك كان يعلم أنّ غوستاف صار أقوى منه بعد معركته مع تشاد، لذا أراد أن يتدرّب أكثر قبل أن يطلب معركة حياة أو موت.
أما غوستاف، فكان يماطل ليس فقط لإعطاء أندريك فرصة للتغيير، بل أيضًا لمراقبته عن كثب بحثًا عن أي خلل قبل اتخاذ قراره النهائي.
مرت بضعة أيام أخرى، وأخيرًا حلّت الليلة التي سبقت يوم تحدي الصف الخاص التالي.
في ساحة مفتوحة، وقفت ثلاثة ظلال طويلة أمام ظلّ أقصر.
كان الظلام يلفّ المكان، فلم تكن الإضاءة كافية، لكن أجسادهم ألقت بظلال طويلة على العشب.
"يجب أن يتمكن أحدكم على الأقل من غرز مصل الغيل في فخذها،" قال الشخص الأقصر وهو يناولهم ثلاثة أنابيب اختبارية.
"فعّلوا وضعه المصغّر كي لا يُكشف أمركم،" أضاف.
أومأ الثلاثة برؤوسهم علامة الفهم بعد أن تلقّوا الأنبوب.
"إن فشلتم، فسأجعل حياتكم جحيمًا في الـ م.ب.و بعد أن أصبح شخصًا مصنفًا،" أردف بنبرة قاسية جعلت الثلاثة يرتجفون خوفًا.
"انصرفوا،" أمرهم وهو يدير ظهره.
"أمرك،" أجابوه بأصوات مرتجفة.
لكنه توقف بعد خطوات معدودة، "تذكّروا… إن كُشف أمركم وورد اسمي على ألسنتكم… فلن يتمّ طردي فحسب، بل سأحرص على أن تُدمّر حياتكم،" قال بصوت جليدي قبل أن يستأنف سيره.