الفصل 60 – أنا كيفن فوس [2]
مع حلول الليل على هولبرغ، انطلقت هيئةٌ مظلمة تشق شوارع المدينة المزدحمة.
كانت تتحرك بخفة بين السيارات، حيث كان شخص يمتطي دراجة نارية انسيابية لا تصدر أي صوت. ولولا المصباحان الأماميان للدراجة، لكان من السهل على أي شخص ألا يلاحظها وهي تنساب بسرعة بين الشوارع.
وبعد عشر دقائق أخرى من القيادة، توقفت الدراجة بصمت أمام فيلا كبيرة.
خلع كيفن خوذته، فكشفت عن عينيه القرمزيتين اللتين تلألأتا تحت ضوء القمر.
-شوا!
“أيها النظام، افتح المخزون.”
مد يده إلى يمينه ثم سحبها مجددًا، فظهرت في يده طائرة مسيّرة صغيرة.
شغّل الطائرة، ثم فعّل خاصية التمويه وخاصية كتم الضوضاء المثبتتين فيها.
-بزززز!
قذف الطائرة في الهواء، فاختفت بصمت، وذابت في ظلام الليل، مندمجة تمامًا مع محيطها.
ظل كيفن ينظر إلى المكان الذي كانت فيه الطائرة قبل لحظات، ثم حدق ببرود في الفيلا أمامه.
لم تكن هذه المرة الأولى التي ينفذ فيها عملية اغتيال.
فقد سبق أن كلّفه النظام مرارًا بمهام مشابهة، كان عليه فيها اغتيال شخصيات رفيعة المستوى.
ولهذا، ما إن أُسندت إليه المهمة، حتى كان قد جهز كل ما يحتاج إليه لتنفيذها.
أخرج هاتفه، وبدأ يشاهد ما تنقله الطائرة المسيّرة من داخل الفيلا.
عقد حاجبيه قليلًا، ثم فعّل خاصية العرض المجسم في هاتفه.
وسرعان ما ظهر أمامه نموذج ثلاثي الأبعاد للفيلا.
ضم أصابعه وبدأ يدرس تخطيط المكان بعناية.
كانت الفيلا كبيرة نسبيًا، وتتكون من مبنى رئيسي تحيط به جدران إسمنتية مرتفعة.
وحولها حديقة واسعة مليئة بمختلف أنواع الأزهار والنباتات، وبجوارها متاهة ضخمة.
وفي قلب المتاهة، كان هناك جناح خشبي جميل تحيط به الورود الحمراء والوردية.
وجّه كيفن الطائرة المسيّرة لتدور حول محيط الفيلا، حيث كان عدة رجال يرتدون ملابس سوداء يقومون بالحراسة.
بدأ يعد جميع الأشخاص الذين استطاع رؤيتهم، ثم فعّل الكاميرا الحرارية ليتأكد من أنه لم يفوّت أحدًا بسبب ظلام الليل.
“خمسة عشر… ستة عشر… سبعة عشر.”
وأثناء العد، لم يستطع إلا أن يعبس.
…كل هذا العدد في الخارج فقط؟
كان هناك شيء يخبره بأن الوضع غير طبيعي.
-طَق!
فكر للحظة، ثم قرر نشر أجهزة الاستطلاع المصغرة.
ضغط زرًا على شاشة هاتفه، فسقطت عدة أجهزة صغيرة من الطائرة المسيّرة، وهبطت برفق فوق عشب الحديقة.
مرر إصبعه نحو اليسار، فانتقلت الشاشة من منظور الطائرة إلى منظور أجهزة الاستطلاع.
وبينما كان يوجه تلك الأجهزة عبر هاتفه، أبقى الطائرة في السماء لمراقبة محيط الفيلا تحسبًا لأي طارئ.
دخل أحد أجهزة الاستطلاع إلى الفيلا بهدوء، وأخذ يتنقل من غرفة إلى أخرى.
وبعد عدة دقائق من الاستطلاع المستمر، توقف عند ما بدا أنه مكتب الهدف.
تسلل عبر الفتحة الصغيرة أسفل الباب، وتمكن كيفن من رؤية داخل الغرفة.
في وسطها كان يوجد مكتب خشبي ضخم، وأمامه أريكتان من الجلد الأبيض.
وخلف المكتب نافذة كبيرة تطل على الحديقة بأكملها.
غطت الأرضية سجادة ضخمة بدت وكأنها صنعت من جلد حيوان حقيقي، بينما زينت الجدران لوحات فنية متنوعة.
وبينما كان كيفن على وشك تفقد الملفات الموجودة على المكتب، التقط جهاز الاستطلاع اهتزازات قادمة من الأرض.
قطب حاجبيه قليلًا، ثم أخفى الجهاز عن الأنظار وفعّل خاصية التمويه.
-صرير…
“هل انتهت جميع الاستعدادات؟”
دخل الغرفة رجل بدين في منتصف العمر، يرتدي رداءً أحمر مزينًا بنقوش ذهبية دقيقة.
كان ينظر خلفه وهو يتحدث، يرافقه عدة رجال بملابس سوداء ينظرون بحذر في الاتجاه نفسه.
تعرف كيفن فورًا على الرجل البدين.
فيكتور هيو.
هدف عملية الاغتيال.
قارن صورته بالبيانات الموجودة على هاتفه، ثم أكد هويته.
وبعد ثوانٍ قليلة من دخول فيكتور، دخل رجل طويل القامة، كانت عضلاته بحجم رأس إنسان.
وبمجرد دخوله، طغت هيبته وحضوره على الجميع داخل الغرفة.
أما فيكتور وحده، فقد بدا غير متأثر نسبيًا.
-بامف!
جلس فيكتور على كرسيه، ثم أشار للرجل الضخم بالجلوس على إحدى الأريكتين المقابلتين له.
جلس الرجل وقال:
“السيد أوليفر دخل بالفعل إلى المقر، وهو يجري حاليًا محادثات مع السكرتير تشون لتأمين طريق إمداد جديد. وخلال ساعة، ينبغي أن ننتهي من إتمام الصفقة.”
ما إن سمع فيكتور اسم أوليفر حتى اسود وجهه.
“أوليفر؟ الرجل الذي احتكر معظم طرق التجارة في هولبرغ؟”
أومأ الرجل الضخم.
“…نعم.”
طرق فيكتور بأصابعه على الطاولة وسأل:
“هل شُددت الحراسة هنا؟”
أجاب الرجل:
“نعم. استأجرنا عدة حراس إضافيين. ورغم ذلك، فاثنان فقط يستحقان الذكر، وكلاهما من الرتبة F.”
أمسك فيكتور بذقنه الصغير للغاية بإصبعه، وظل صامتًا قليلًا قبل أن يقول ما كان يقلقه منذ يومين.
“…قل لي، هل صدرت أي تحركات غير اعتيادية من الطلاب القادمين من القفل
ضحك الرجل الضخم بخفة بعدما أدرك مصدر قلقه.
“حتى لو تحركوا، فأشك أن مجموعة من المبتدئين الخضر يستطيعون تجاوزي.”
ابتسم فيكتور ابتسامة متكلفة.
“الأمر ليس بهذه البساطة… ماذا لو أرسلوا أحد الأساتذة لاستهدافي؟ حتى أنت، كشخص من الرتبة E، لن تكون ندًا لأي أستاذ هناك.”
أسند الرجل ظهره إلى الأريكة وعقد ذراعيه.
“ما تقوله منطقي…”
“لكن هل فكرت يومًا في هذا؟”
“هل تعتقد أن القفل ، الأكاديمية الأولى في العالم، ستنحدر إلى هذا المستوى وتستهدف شخصًا مثلك؟ شخصًا لا يستحق حتى أن تراقبه القوى الأضعف؟”
ثم تابع وهو ينظر إليه.
“كنت سأتفهم الأمر لو كنت زعيم منظمة إجرامية كبرى.”
“لكنك مجرد وزير مالية لمدينة ما تزال في طور التطور.”
“لا توجد أي فرصة لأن يرسلوا أستاذًا من أجلك.”
“وفي أسوأ الأحوال، سيرسلون طالبًا.”
“والطلاب…”
“…لا يستحقون الذكر أمامي.”
خفّ قلق فيكتور قليلًا بعد سماع كلامه، لكنه لم يستطع التخلص منه تمامًا.
“…صحيح، لكنهم من اللوك.”
ابتسم الرجل الضخم بسخرية، وبدأ وهج أسود ينبعث من جسده.
وفي اللحظة التالية، هبط ضغط هائل على جميع الموجودين في الغرفة.
“هاه…”
“أتظن أن مجموعة من الطلاب الذين لا يملكون أي خبرة قتالية حقيقية، بل ولم يقتلوا أحدًا في حياتهم، يستطيعون مقارعتي؟”
تحت ذلك الضغط الهائل، سارع فيكتور إلى الاعتذار.
“ل-لا، أنا آسف… أنا فقط متوتر.”
أدرك الرجل أنه بالغ قليلًا، فسحب ضغطه وقال:
“همف.”
“عندما يحين الوقت، وإذا ظهروا فعلًا…”
“…فسأريك الفرق بيني وبينهم.”
نهض من مكانه، ثم نظر إلى فيكتور وقال:
“…لقد شعرت بها قبل قليل، أليس كذلك؟”
“قوتي.”
كان فيكتور ما يزال يتعافى من الضغط الذي تعرض له، فأومأ برأسه.
“نعم.”
“…إذًا لا يوجد ما يدعو للقلق.”
رأى فيكتور مدى ثقته بنفسه، فابتسم بمرارة.
“تنهد… حسنًا.”
“لهذا السبب أدفع لك كل هذا المال يا إلدور.”
ابتسم إلدور.
“حسنًا، بالنسبة لشخص مثلي، فإن ما تدفعه يمكن اعتباره صفـ…”
“…همم؟”
توقف فجأة في منتصف الجملة، ثم نظر نحو الجهة اليمنى من الغرفة.
ضيق عينيه واقترب من الجدار.
“ما هذا؟”
التقط جهازًا صغيرًا بحجم قطعة نقدية.
وسرعان ما بدأ لون الجهاز يتشوه، متحولًا من لون الجدار إلى لون أصابع إلدور.
-كريك!
سحق الجهاز بين أصابعه، ثم نظر إلى فيكتور بوجه قاتم.
“فيكتور…”
“ابدأ عملية الإخلاء.”
ارتجف صوت فيكتور من شدة الصدمة.
“م-ماذا حدث؟”
نظر إلدور إلى المسحوق الذي كان قبل لحظات جهاز الاستطلاع.
ثم قال ببطء:
“لقد تم اختراقنا.”
…
-بززززت…
حدق كيفن في شاشة هاتفه التي امتلأت بالتشويش، ثم خلع سترته الكشميرية ووضعها بعناية فوق الدراجة.
مد يده إلى يمينه.
وفجأة ظهر في يده سيف رفيع وانسيابي.
أخرج السيف من غمده، ثم مرر إصبعه ببطء على نصله المعدني البارد.
“من الجميل أن أراك مجددًا…”
أعاد السيف إلى غمده، وثبته عند خصره.
ثم رفع نظره نحو الفيلا.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم فعّل مهارته من الرتبة F.
[[F] تنقية العقل]
بمجرد تفعيلها، شعر بأن رأسه أصبح أكثر صفاءً.
كل ما رآه عبر الطائرة المسيّرة تحول في ذهنه إلى متغيرات بدأ عقله يحللها واحدة تلو الأخرى.
وببطء…
بدأت تتشكل خطة كاملة في ذهنه.
خطة تحدد أسرع طريق وأفضل وسيلة للوصول إلى فيكتور… والقضاء عليه بأسرع وقت.
“فوووو…”
أطلق زفيرًا طويلًا، وبعد ثوانٍ قليلة فقط من تفعيل المهارة…
ألغى تفعيلها.
وما إن انتهى أثرها، حتى بدأت العروق تنتفخ في جبهته وتنبض باستمرار.
قطب حاجبيه، لكنه كبت أي تعبير يدل على الألم، وتحمل الآثار الجانبية للمهارة بصمت.
وبعد بضع ثوانٍ، عاد كل شيء إلى طبيعته، واختفى الألم.
ورغم أنه لم يستخدم المهارة إلا لثوانٍ معدودة، فإنها استنزفته بشكل واضح…
لكن الأمر كان يستحق.
فالآن…
أصبح يعرف أسرع وأكثر الطرق أمانًا لقتل فيكتور.
أغمض عينيه.
وببطء…
ذاب جسده في ظلام الليل.
“….لتبدأ المطاردة.”