▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
راود الشك جيت فيما سمعه.
"هل فقد هؤلاء المسافرون، الذين تطأ أقدامهم أكين لأول مرة، عقولهم؟" تساءل في نفسه، لكنه ما لبث أن تمالك أعصابه، فالزبون يظل زبونًا، ومهما بدا سلوكه غريبًا، فإن الاحترام هو القاعدة التي اعتاد عليها.
قال بنبرة متوترة، محاولًا تلطيف الأجواء:
"ما بالك تتصرف هكذا، يا سيدي؟ هاها… حتى لو كنت زبونًا، فإن توجيه الشتائم لي قد يُعدّ إهانة… كو—رغ!"
كرااك.
في لمح البصر، هوت لكمة موراكان اليسرى على جسد جيت، فحطّمت أحد أضلاعه بلا رحمة. شهق الهواء من صدره المتقلّص، وقبل أن يتسنّى له الشعور بالألم، باغته كعب قاسٍ على كتفه، فتمزّقت عضلته في الحال.
عجزت عيناه وأذناه عن استيعاب ما يحدث.
"كيف يمكن لهذا أن يحدث، رغم أنني فارس من فئة خمس نجوم؟!"
رغم أنه يعيش اليوم حياة رجل شارع بسيط، إلا أن ماضيه كان حافلًا؛ فقد كان يومًا ما منتمياً إلى فرقة مرتزقة، وراكم تجارب لا تُحصى من ساحات القتال، مما جعله مقاتلًا متمرسًا.
ومع ذلك، لم يمرّ بحياته موقف كُسر فيه بهذه الطريقة الفجائية… بهذه البساطة المذلّة.
"اللورد موراكان! لمَ تهاجمه؟ قد يُزهق صاحب الحانة أنفاسه الأخيرة!" صرخت جيلي بانفعال.
رد موراكان ببرود قاتل:
"وهذا بالضبط ما أنوي فعله، يا فطيرة الفراولة. هذا النذل دسّ السم في مشروباتنا."
لحسن حظه، لم يكن جيت من أولئك الحمقى الذين يتمسكون بعنادهم في وجه الموت. بل كان سريع البديهة، يعرف متى يتراجع، ومتى ينكسر من أجل النجاة. ومع إدراكه أن حياته على المحك، انحنى على الفور، راكعًا، مستعدًا للاعتراف والتوسل بكل ذرة من كرامته المنهارة.
"هـ… خارغ… كيوك… أورب…!"
لكن موراكان لم يمنحه الفرصة، بل واصل ضرباته المتتالية دون شفقة. تنين في هيئة بشرية، ينهال عليه بالشتائم كما ينهال عليه باللكمات:
"يا ابن القحاب الحقير!"
"أيها القذر الوسخ!"
"مت وانتهِ!"
والأدهى من كل ذلك، أن ملامحه بقيت جامدة، خالية من أي انفعال.
وكان هذا الجمود هو ما أرعب جيت أكثر من الضرب نفسه.
"يا له من مشهد شافٍ للنفس."
رؤية جيت، الرجل الذي كان له تاريخ سيئ مع جين في حياته السابقة، مطروحًا على الأرض يتلوّى من الألم، بثت في نفس جين شعورًا غريبًا بالرضا.
لكنّ جين لم يكن أحمقًا؛ فهو يعلم أن هذا المحتال سيكون ذا فائدة عظيمة في المرحلة القادمة. وإن استمر موراكان، فلن يتبقى من جيت سوى جثة هامدة قبل أن يبوح بما في جعبته.
"يكفي، موراكان. دعنا نستمع إليه الآن." أمر جين.
قال موراكان، متضايقًا:
"أتراك تريد محاورة هذا الأحمق الذي حاول تسميمنا، أيها الفتى؟"
أوقف ضرباته أخيرًا، ونظر إلى جين بعيون متسائلة، فيما اقتنص جيت الفرصة النادرة بكل ما أوتي من قوة، وخرّ راكعًا أمام الفتى.
"أرجوك، أيها السيّد الشاب! اعفُ عني! سأفعل أي شيء للتكفير عن خطيئتي!"
رغم أن أضلعه كانت مكسورة، وأنفه قد تهشّم، إلا أن صوته خرج واضحًا لا لبس فيه. لقد بلغت إرادته في النجاة حدًّا يدعو للإعجاب.
وفي غمضة عين، زحف إلى قدمي جين وتمسّك بسرواله بإذلال مطلق. أطلق موراكان شخرة ساخرة، لكنه كبح جماح غضبه بصعوبة. فرغم كل شيء، فإن جين هو المتعاقد الذي انتُظر منذ ألف عام، ولا بدّ من الإصغاء إلى ما يدور في ذهنه.
صفعة!
انحنى جين، وصفع جيت على خده، ثم قال بهدوء:
"ابتعد. دمك يلوّثني."
"ن-نعم! أعتذر! سأبتعد فورًا… أرجوك، اعفُ عني!"
قال جين ببرود:
"سأطرح عليك الآن بعض الأسئلة البسيطة. إن كذبت، فستموت. وإن صدقت، فستعيش. سأحكم على صدقك بناءً على مزاجي، وحدسي، وشعوري الداخلي. هل هذا واضح؟"
هزّ جيت رأسه بشدة، وقد تناثرت قطرات دمه في كل اتجاه.
"جيد. ما مهنتك؟"
عادةً، قد يكون أول سؤال يطرحه أحدهم في موقف كهذا: "هل حقًا وضعت السم في مشروباتنا؟" أو "لمَ فعلت ذلك؟"
لكن جين بدأ من سؤال جوهري، سؤال كشف على الفور لِجيت أن من يقف أمامه ليس طفلًا عاديًا.
كان جيت يعلم جيدًا أن محاولة كسب تعاطف جين ضربٌ من العبث. لذا لم يرَ أمامه خيارًا سوى كشف الحقيقة بكل ما أوتي من موضوعية وصدق.
قال بصوتٍ متهدّج:
"أنا… أنا أملك نزلًا وأعمل كوسيط للمعلومات. وأتورط كذلك في بعض عمليات الاتجار بالبشر… باختصار، أقوم بأعمال متنوعة. لكن إن عفوت عن حياتي، أيها السيّد الشاب، فأعدك بأن أكون ذا نفع كبير لك! أكين هي ميداني، وأنا أعرفها كما أعرف راحة يدي!"
تقلّص وجه جيلي باشمئزاز من هذا الاعتراف الوقح. أما موراكان، فاكتفى بهزّ رأسه وهو يتمتم ساخرًا: "كنت أعلم أنه كذلك."
قال جين، مقاطعًا:
"كفى تعليقات جانبية. بعبارة أخرى، أنت [قمامة متعددة الوظائف]. والآن، هل سمّمت مشروباتنا لتبيعنا عبيدًا في مكانٍ ما؟"
أجاب جيت بخزي:
"للأسف… هذا هو الواقع."
قال جين وقد ضاقت عيناه:
"إلى أين؟"
"عفواً؟"
كراك!
أطبق جين على إصبع جيت الصغير حتى لامس ظهر يده، وأطلق ألمًا حادًا دون أن يسمح له حتى بالصراخ.
تلعثم جيت، ثم صرخ متوجعًا:
"ت-ت-ت-تيسينغ! إلى دار المزادات السرية التابعة لتيسينغ!"
أمره جين بنبرة حادة:
"اشرح."
"نعم! نعم! دار المزادات السرية تيسينغ تابعة لمنظمة خفية تُدعى تيسينغ… هناك، تُباع وتُشترى الأرواح البشرية: العبيد، والمخدرات، وجميع أنواع المهربات والتحف المسروقة!"
عندها قال جين، وكأن كل شيء بات واضحًا:
"سأرسل من يعالج جسدك بحلول المساء. وتعلم ما الذي يُنتظر منك بعد ذلك، أليس كذلك؟"
"بالتأكيد! أشكرك من أعماق قلبي، أيها السيّد الشاب! شكرًا جزيلًا لك!"
وما إن أيقن جيت أن حياته قد كُتب لها أن تستمر، حتى أوشك على تقبيل حذاء جين من شدة امتنانه.
هذه "القمامة متعددة الوظائف" سيصبح أداة نافعة لهم أثناء إقامتهم في أكين، رغم أن جين ما زال يحتقره، بل ويكره مجرد وجوده. لكنه، في ذات الوقت، لا ينكر أن هذه القمامة تمتلك معرفة قيّمة ومهارات لا يُستهان بها.
أمر جين بإرسال جيت إلى الطابق العلوي، مُغلقًا بذلك مكتب الاستقبال لهذا اليوم.
لا زبائن. لا خدع. لا استقبال.
قال موراكان، وهو يزم شفتيه:
"يا فتى، لماذا لا ندفن هذا القذر في جبل مقفر وننهي الأمر بدلًا من تحمل تكلفة علاجه؟"
ردت جيلي بهدوء قاتم:
"أتفق معك، سيدي. من يدري؟ قد يغدر بنا مجددًا إن عالجناه."
قال جين وهو يحدق الى الأفق:
"منظمة سرّية ودار مزادات تابعة لها؟ هذا هدف مثالي لسحقه وكسب المجد والشهرة. يمكننا قتله بعد أن نحقق منه ما نريد."
ردّ موراكان بنبرة مترددة:
"كلامك صحيح، ولكن…"
قاطعه جين بلهجة حاسمة:
"دعونا نثق به في هذه المرّة. نحن بحاجة إلى دليلٍ في أكين، ولا أحد أفضل منه في هذه المدينة."
تبادل الاثنان النظرات، ثم أومآ برأسيهما صامتَين، مسلّمين بقرار القائد الشاب. ففي بعض الرحلات، تكون الطاعة لقرارٍ غير مألوف مفتاحًا لنجاة الفريق كله.
ظلّ موراكان وجيلي في النزل لمراقبة جيت، بينما خرج جين للبحث عن معالجٍ يعالج المحتال.
كان يعتبرهما أكثر من تابعَين… كانا رفيقَيه الحقيقيين.
ومع ذلك، ما إن وطأت قدماه أرض الشارع وحده، حتى شعر بحريةٍ لم يعهدها من قبل، وكأن ثقلًا قد زال عن كتفيه. كان هذا هو الفضاء الذي لطالما انتظره: الساحة التي تسمح له باللعب بأوراقه كعائد، واستخدام معرفته بالعالم كما يشاء.
أكين، هذه المدينة التي خنق نموّها استبداد آل تيسينغ، لم تكن غريبة عليه. بل على العكس، كانت مألوفة تمامًا. فمن المرجّح أن معظم الأبنية، والمنشآت، والمنظمات التي عرفها في حياته السابقة لا تزال قائمة إلى اليوم.
ظلّ جيت يراقب الثلاثة عن كثب وهم يحتسون الشاي الأسود في سكون، جالسين بأناقة تنمّ عن ثقة وهيبة.
"كلّما فكّرت في أمرهم… ازددت اقتناعًا بأن هؤلاء الأشخاص يفيضون مالًا ونفوذًا. وكنتُ أظنّ أنني خبير في تقييم البشر… كيف لم ألمح ذلك من الوهلة الأولى؟! ولماذا جاء أمثالهم إلى هذه الزاوية المنسية من المدينة؟"
الرجل الذي طرحه أرضًا مقاتل بارع من الطراز الأول، والخادمة لم تُبدِ أي انزعاج من المشهد العنيف، بل بدا كأنها اعتادت على رؤية أمثاله يُسحقون. أما ذلك الصبي… الذي حسبه جيت في البداية أرستقراطيًا غبيًا، فقد كان يعطي الأوامر للاثنين بكل بساطة، وكأنهما تابعان له منذ زمن بعيد.
"ما هذا الذي أراه؟" تمتم جيت في نفسه، وقد اتسعت حدقتاه بدهشة.
"هل هو وريثٌ لعشيرة عسكرية عظيمة؟ أم أحد أفراد القوات الخاصة التابعة لإمبراطورية فيرمونت؟ في الحالتين… إن أنا ارتكبت خطأ في التعامل معهم، فسأُمحى من الوجود وكأنني لم أكن."
مرّ بعض الوقت، ومعه ترسخت الفكرة في ذهنه:
"لا شك في أنهم من القوات الخاصة التابعة لفيرمونت."
بل ذهب به الظن إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد بات يعتقد أن كل ما حدث، بما في ذلك اللقاء الأول العنيف، كان مدبّرًا ومحسوبًا مسبقًا. "هؤلاء الثلاثة ليسوا حمقى. لقد أدركوا أن مشروباتهم كانت مسممة في الحال، ووجدوا معالجًا بارعًا خلال أقل من ساعة… لا يمكن أن يكون هذا مجرد صدفة!"
غاص في أفكاره، وعيناه تحدّقان بصمت في جين:
"لا بد أنهم حققوا عني سابقًا. لا شك أنهم يعرفون كل شيء عني. لا، بل ربما ينون استخدامي كمدخل إلى دار المزادات السرية التابعة لتيسينغ لتنفيذ مهمة خاصة…"
ثم لمعت الفكرة السوداء في ذهنه:
"وبعد أن تنتهي المهمة؟ سيقضون على كلب الصيد الذي لم يعد نافعًا، أي عليّ أنا."
شدّ على أسنانه، وعزم عزيمة لا تراجع فيها:
"إن أردتُ النجاة، فعليّ أن أُثبت لهم أن وجودي لا غنى عنه. يجب أن أكون ذا فائدة لا يُستهان بها. يجب أن أقدم الولاء الخالص، وأخدمهم بإخلاصٍ مطلق."
رغم قوة ونفوذ عائلة تيسينغ، إلا أن تأثيرها محدود داخل حدود أكين، كضفدع يعيش في قاع بئر لا يرى من السماء إلا فتحة. أمّا القوات الخاصة لفيرمونت، فهي اسم يُرعب القارات، وكيان تحسب له الممالك ألف حساب. لذا، لم يكن أمام جيت أي تردد في اختيار الجهة التي سينحاز إليها في هذا الصراع.
ولم يتأخر في إثبات ولائه، فبدأ بالكشف عمّا في جعبته من معلومات عن آل تيسينغ ودار المزادات السرية. وعلى الرغم من سوء تقديره الأول لهم، إلا أن خبرته كوسيط معلومات رفيع لم تخنه قط.
قال، وهو يخفض صوته قليلاً:
"رغم أن الزعيم المُعلن لعائلة تيسينغ هو شخص يُدعى سالكا، إلا أن القائد الفعلي ليس سوى ظلٍّ خفي. سالكا مجرد واجهة — اسمٌ لامع فحسب. أما القائد الحقيقي، فنحن نطلق عليه في الخفاء اسم ’سبايدرهاند ألو‘."
رفع جين حاجبه قليلًا.
"سبايدرهاند ألو؟"
هزّ جيت رأسه مؤكدًا:
"أجل. إنه شخص بالغ الخطورة. تنتشر شائعات كثيرة حول ارتباطه بعائلة رونكاندل الحقيقية المقيمة وراء البحر. أما بخصوص دار المزادات السرية…"
كان جين يعرف مُسبقًا معظم ما أفشاه جيت. لكنه آثر الصمت، وتركه يتحدث مطولًا؛ ففي ذلك فائدة لرفيقيه موراكان وجيلي، ليعرفا ما يعرفه جين من ماضيه المنسي.
لم يمضِ وقت طويل حتى عثر جين على معالج صامت، يثق بكفاءته وسريّته. كان يُدعى مالتران، رجلٌ عُرف بعلاجه لأيٍّ كان — حتى أكثر المجرمين شهرة وخطورة — ما دام الأجر كافيًا. ولحسن الحظ، كان متجره السحري لا يزال قائمًا في ذات الزاوية التي حفظها جين عن ظهر قلب.
"سمعت أنك بارع في إجراء العمليات الطبية غير القانونية."
نظر إليه مالتران بنظرة مرتابة، ثم قال:
"ومن الذي قال لك ذلك؟"
فرد جين باقتضاب:
"لا يهم. سأدفع لك بسخاء."
كان مالتران قد بدا أصغر سنًّا بخمسة عشر عامًا عمّا يتذكره جين، لكنه ظلّ كما هو: رجل متوسط العمر، ببطن بارزة ونظرات حذرة. حك بطنه المتدلي لحظة صمتٍ وتأمل، ثم قال:
"… ما حالة المريض؟"
"بعض الأضلاع مكسورة، وإصبع يد متدلٍّ بشكل غريب، لكنه لم يفقد الكثير من الدم."
طقطقة خفيفة.
ألقى جين إليه بخاتم أنيق، مصنوع بإتقان فائق، فانحنى مالتران والتقطه، وما إن وقعت عينه على بريقه حتى وقف فورًا قائلاً:
"يومٌ سعيد هذا… هيا بنا."
لم يكن مالتران سوى ساحر شفاء متمرّس، صاحب باعٍ طويل في الطب السحري.
وما إن وطئت قدماه النزل، حتى انهمك في عمله لخمسة ساعات متواصلة، عالج خلالها جيت من كل أثر للعنف الذي تعرض له، وكأن شيئًا لم يحدث.
وقد بدا الرجل، المتصبب عرقًا والمنهمك بإلقاء تعاويذ الشفاء، أقرب إلى راهبٍ ناسك منه إلى ساحر مأجور.
"الآن أفهم سبب تسمية اتحاد لوتيرو بالاتحاد السحري."
تمتمت جيلي بدهشة، تراقب ما يجري بعينين تلمعان فضولًا وذهولًا. فقد كانت حياتها في ظل عائلة رونكاندل فقيرة بالسحر، وهذا المشهد بالنسبة لها كان نادرًا، بل أشبه بالمعجزة.
أما جيت، فقد شعر بامتنان غامر تجاه جين، الذي لم يبخل عليه بمعالج بارع كهذا. وما إن اكتمل شفاؤه، حتى ركع على الأرض، واضعًا يديه على صدره، قائلاً بخشوع:
"سيدي الشاب، أعترف أن لقائي الأول بك لم يكن على ما يُرام، لكني الآن أتعهد بالولاء الأبدي لك. أرجو أن تأذن لي بخدمتك مخلصًا."
رد عليه جين بهدوء:
"ذلك يتوقف على سلوكك وأدائك من الآن فصاعدًا."
ثم التفت إلى المعالج قائلاً:
"هل انتهيت؟ أرجو ألا تنكسر أضلاعه مجددًا خلال ساعات."
قهقه مالتران بسخرية مريرة:
"ما هذه المزحة الثقيلة… حسنًا، سأغادر الآن. لا تترددوا في استدعائي إن وقعت حادثة أخرى. سأقدّم جلسة علاج مجانية واحدة، بشرط ألا تكون حالة خطيرة. فأنا، كما تعلمون، أعمل بقدر ما أتقاضى من أجر."
ابتسم له جين:
"لديك أخلاقيات عمل ممتازة. أتمنى لك يومًا سعيدًا."
ثم غادر مالتران النزل، مختفيًا في أزقة المدينة.
أما جيت، فقد أصبح الآن أكثر حذرًا.
"علاقات مع عائلة رونكاندل النقيّة؟! من أين خرجت هذه الشائعات السخيفة عن ’ألو‘؟ أشك كثيرًا في أن أحد إخوتي قد يتعاون مع عصابة منحطّة في اتحاد لوتيرو!"
وفجأة، وضع جين فنجان الشاي على الطاولة بقوة، كأن ذكرى ما ضربت ذهنه بغتة.
"هناك واحد… ذلك الذي حاول أن يلقي عليّ لعنة قديمة. قد يكون له صلة بالأمر. بعد كل شيء، هذه أراضي زيفل — معقل اتحاد لوتيرو السحري."
لكن لم يكن بوسعه الجزم بشيء. فقط ساحر من الطراز الأول يستطيع أن يلقي لعنة مثل "وهم السيف"، ولم يكن من المعقول أن تمتلك منظمة إجرامية مثل تيسينغ ساحرًا بهذا المستوى.
ومع ذلك، لم يستطع جين كبح آماله. لقد قضى عشر سنوات في قلعة العاصفة، وخمسًا أخرى في حديقة السيوف، بحثًا عن بصيص خيطٍ يكشف هوية من ألقى عليه تلك اللعنة، دون جدوى.
"هل انتهيت من شرحك؟" سأل جين.
فردّ جيت على الفور، وكأنما كان ينتظر الإذن بالكلام:
"نعم! وإذا أردتم المزيد، فسأشرح كل ما أعرف، بكل أمانة وصدق. أقسم بحياة ابني!"
"لديك ابن؟"
تظاهر جين بالدهشة، رغم أنه كان في حياته السابقة مقرّبًا جدًا من ابن جيت — الطفل اللطيف الذي لم يشبه والده لا في الطباع ولا في الأخلاق.
"نعم. ولأني الآن قد أقسمت ولائي لك، أرجوك أن تأتي لرؤية ابني. هذا سيكون دليلي على أنني لا أنوي خيانتك يا سيدي الشاب ."
كان الطفل لا يتجاوز العامين حينها، وجيت — دون خجل — أراد أن يستخدمه كورقة ثقة أخيرة. فما كان من جين إلا أن هزّ رأسه في دهشة، مستغربًا من مدى الانحدار الذي بلغه هذا الرجل.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬