▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أول ما يجب على حاملي الراية المؤقتين فعله لاكتساب الشرف والسمعة عند مغادرتهم حديقة السيوف هو مغادرة تحالف هوفستر.
أخفى جين وجيلي كل ما قد يدل على انتمائهما لعشيرة رونكاندل؛ لم تكن العباءتان اللتان ارتدياهما تحملان شعار السيف الأسود، كما أن الحقيبة التي ضمّت ممتلكاتهما لم تحمل أي علامة مميزة.
ولأن ملامح وجه جين لم تكن قد انتشرت بعد بين العامة، لم يحتج إلى التنكر، وإن كان قد غيّر مظهره قليلًا — فقصّ شعره الأسود الذي كان يصل إلى كتفيه. ومع ذلك، لم يكن مظهره هو مصدر الخطر الأكبر، إذ إن الفنانة القتالية المعروفة باسم جيلي ماكرولان كانت أكثر شهرة منه في الأوساط العامة. ولحسن الحظ، لم يدم نشاطها طويلًا، لذا لم تكن شهرتها واسعة الانتشار.
أما الأسماء المسجلة في أوراق هويتهما، فكانت مستعارة: جين غراي وجيلي بيتن.
وبرغم أنها هويات زائفة، إلا أن الأوراق كانت رسمية ومتقنة، مما خول لهما دخول وخروج عاصمة فيرمونت بحرية تامة.
مع ذلك، لم يكن من الصعب على أحد في تحالف هوفستر أن يخمّن أنهما من حاملي الراية المؤقتين لعشيرة رونكاندل. فذاك المكان لا يختلف كثيرًا عن المقر الرئيسي للعشيرة، ومن الطبيعي أن تُكشف هويتهما هناك.
لهذا، قررا التوجه إلى أرض لا تطالها سطوة الرونكاندل… إلى ما وراء البحار.
قالت جيلي: "ستحزن السيدة لونا كثيرًا عند مغادرتك، وكذلك المتدربون التابعون لفصيلك، سيدي. ألن تودعهم؟"
فأجاب جين: "نعم، لكن أختي لونا أيضًا طليقة الروح، أما المتدربون، فأخشى أن يبالغوا في ردّ فعلهم. بعد كل شيء، أنا لا أذهب إلى الموت."
غير أن جين وجد نفسه وجهًا لوجه مع تسعة من المتدربين عند البوابة الرئيسية لـ حديقة السيوف قبل أن يغادرها.
قال مازحًا: "ما الأمر؟ ألم تبدأ التدريبات بعد؟ العم زيد لن يغفر لكم هذا الغياب بهذه السهولة."
فصاحوا جميعًا بصوت واحد: "رجاءً عد إلينا سالمًا!"
رفع المتدربون سيوفهم في انسجام تام، وحدّق جين إليهم بصمت، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة.
قال: "أتوقع منكم أن تصبحوا أقوى مما أتخيل حين أعود. لا أريد أي خسائر في الأرواح أو انسحابات أثناء غيابي. حظًا موفقًا في تحمل العقوبة التي ستنالونها لأنكم تغيبتم عن التدريب لتوديعي."
صافحهم جين بقبضته، ثم واصل طريقه مغادرًا الحديقة.
"كم هو غريب… الشعور مختلف تمامًا عن المرة الماضية."
ففي حياته السابقة، طُرد جين من العشيرة وهو في الخامسة والعشرين، وغادر حديقة السيوف بطريقة شبيهة. لكن الفارق بين مغادرته منفياّ في تلك السن، والمغادرة كحامل راية مؤقت في الخامسة عشرة، كان شاسعًا.
خمسة عشر عامًا…
لقد تطلب من جين خمسة عشر عامًا كاملة ليحصل أخيرًا على خمس سنوات من الحرية — سنوات بدت له دهرًا طويلًا، لأنه وُهب عقلًا واعيًا منذ ولادته الثانية.
شعر جين بفرح غامر، فراح يدندن لحنًا مرحًا لا إراديًا.
عادةً، لم يكن سايرون يمنح حاملي الراية المؤقتين سوى فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين لاكتساب الشهرة قبل العودة. أما أن يمنحه خمس سنوات دفعة واحدة، فذلك لم يكن عبثًا.
"من الواضح أن أبي يمنحني هذه الفترة الطويلة لأبلغ ذروة القوة الروحية قبل عودتي."
لكن جين لم يكن فتىً مطيعًا يتبع أوامر والده حرفيًا. لم يكن يخطط لبلوغ ذروة القوة الروحية فحسب، بل السحرية أيضًا.
❃ ◈ ❃
في المقبرة، حيث بقي ستيرون وحده، فكّر بصمت:
"ترى… هل سيتمكن الابن الأصغر من كسر قيود عشيرتنا، والتحرر من آل زيفل؟ إنني متشوق لرؤية ذلك."
فرغم أن سايرون بلغ منزلة نصف حكيم بسيفٍ واحد، إلا أنه لم يستطع إلغاء العهد الذي أبرمه أسلافه مع عشيرة زيفل.
وكانت آخر آمال عشيرة رونكاندل معلقة على ابنهم الأصغر، المتعاقد مع سولديريت.
لكن الأمل، في تلك اللحظة، لم يكن سوى شمعة في مهبّ الريح…
❃ ◈ ❃
مضى يوم، وكان اثنان يسيران وسط غابة.
عادةً، يتوجه حاملو الراية المؤقتون إلى منطقة ماميت لاكتساب الشهرة. فهي بؤرة تعج بالمجرمين والخارجين عن القانون، ما يجعلها ساحة مثالية لتصفية الأشرار وكسب السمعة.
وكان جين قد فكّر في اتخاذ ماميت وجهته الأولى، لكن لأسباب تختلف عن غيره. لم يكن هدفه مطاردة المجرمين، بل العثور على شخص يُدعى هيستر — معلمه في السحر في حياته السابقة. لقد كان يتوق لرؤيته مجددًا، لكنه لم يشأ إضاعة الوقت بدافع الحنين.
"لن يتعرف إليّ في هذه الحياة على أي حال."
فبإمكانه البحث عنه لاحقًا حين يشاء.
لذا، عدل جين عن الذهاب إلى ماميت، وقرر التوجه إلى مملكة أكين.
"الأرض التي قُتلت فيها في حياتي السابقة."
فقد لقي جين حتفه هناك، حين هاجمه ثلاثة فرسان من [فئة التسع نجوم!] أثناء نومه، لكن ذلك الموت لم يكن سوى نعمة مستترة… فقد منحته حياة جديدة.
سألته جيلي: "لماذا مملكة أكين بالذات، سيدي؟"
أجابها جين: "هل سبق أن زرتِ أكين من قبل، جيلي؟"
"لا."
"حين كنت في أطلال كولون، سمعت حديثًا بين بعض السحرة. يبدو أن عددًا من السحرة غير المسجلين بدأوا يثيرون المشاكل مؤخرًا في أكين."
"سحرة غير مسجلين؟"
"كما يوحي الاسم، هم سحرة لم يُسجَّلوا في جمعية السحر. وغالبًا ما يكونون مجرمين أو مرتزقة أشرار."
تابع: "ويبدو أنهم يتعاونون مع مرتزقة من فناني القتال، وينشرون الرعب بين مواطني أكين. أنوي التوجه إلى هناك وتحطيم رؤوسهم."
بطبيعة الحال، لم يسمع جين هذا الحديث في أطلال كولون، بل كان يعرفه من حياته السابقة. فكل من أقام في أكين يعلم بأن أولئك السحرة والمرتزقة كانوا يعيثون فسادًا هناك.
والواقع أن أولئك لم يكونوا إلا أدوات بيد عشيرة تيسينغ الإجرامية، التي تحكم عالم الجريمة في أكين.
وكانت غاية جين الحقيقية متعلقة بهذه العشيرة، إذ تدير دار مزادات سرية تحت الأرض، تحتفظ فيها بمقتنيات لا تُقدّر بثمن، لم يُدرك العالم قيمتها بعد.
"لا بد أن أحصل على بعض الكتب السحرية وحلقة معيّنة هناك."
فبرغم أن معظم تلك الكتب مكتوبة بلغة قديمة أو مشفّرة، إلا أنها تحتوي على تعاويذ فريدة. وبعضها، وإن لم يكن بفعالية تعاويذ السحر الحديث، إلا أنه يتجاوز حدود الزمن والمدارس التقليدية.
وبفضل معلمه العبقري، كان جين يعرف كيف يميّز بين الكتب الثمينة والزائفة.
وفوق ذلك، خلال خمس أو ست سنوات، ستنتشر شهرة قطعة أثرية معينة في العالم وتحمل اسمًا رسميًا. كانت تلك القطعة {خوذة على شكل حلقة}، وقد تمنى كل فنان قتالي في حياته السابقة امتلاكها.
قالت جيلي بحماسة وهي تضرب قبضتها في الهواء: "فكرة ممتازة، سيدي! لطالما أحببت سحق الأوغاد حين كنت نشطة. أشعر بالحماس فعلًا!"
ورغم أن قوتها كفارس سبع نجوم قد خُتمت، إلا أن قلبها ما زال ينبض شغفًا وهي ترافق جين وموراكان في رحلتهم.
لكن كانت هناك مشكلة كبيرة…
قالت جيلي: "سيدي… لا أعتقد أننا نستطيع استخدام بوابة النقل للذهاب إلى أكين. علينا شراء أرخص تذكرة والإبحار بالسفينة…"
لقد كانوا مفلسين.
في حديقة السيوف، لم يكن المال عائقًا يومًا، أما الآن، فلم يكن معهم سوى عشر قطع ذهبية فقط.
وبهذه الأموال، لا يستطيعون دفع أجرة بوابة النقل، فضلًا عن شراء تذكرة بحرية فاخرة. لقد انتهت حياة الرفاه التي اعتاد فيها جين إنفاق ثلاثة إلى خمسة آلاف قطعة ذهبية يوميًا دون تردد.
بوووف!
تحوّلت القطة السوداء في سلة جيلي إلى إنسان مجددًا.
قال موراكان: "فطيرة الفراولة! كنت أعلم أن هذا سيحدث، لذا خبأت بعضًا من مجلاتي النادرة. فوفو، يمكننا بيع واحدة منها وشراء تذكرة من الدرجة الأولى."
قالت جيلي بدهشة: "متى جهّزت هذه الأشياء يا لورد موراكان؟ هه… ألن يكون الأمر محرجًا إن بعناها؟"
قال جين: "ضعها جانبًا، موراكان. لسنا بلا قلب حتى نبيع مجموعة عزيزة عليك."
ردّت جيلي: "لكنني أظن أني أستطيع جمع بضع مئات من القطع الذهبية إن احتملت الإحراج وبعتها في إحدى المدن."
"مئات؟! لقد اشتريت هذه المجلة بألفي قطعة! لا يمكنك بيعها بهذا السعر!"
انخرطا في جدال طريف حول سعر المجلات الثقافية😉، بينما كان جين يراقبهما وابتسامة ترتسم على وجهه. ثم هزّ رأسه وتكلم:
"كفى، أنتما الاثنان. لدي فكرة بخصوص المال. قبل أن نذهب إلى أكين، سنمر الليلة على مملكة زان. هناك شخص يمكنني الاستفادة منه."
سألت جيلي: "مملكة زان؟ لكن كيف سنصل إليها من دون مال أصلًا؟"
"سنركب موراكان. هيا، تحوّل إلى هيئتك الأصلية."
وبرغم أن يومًا قد مضى على مغادرتهم حديقة السيوف، إلا أن الوقت كان لا يزال نهارًا، ولم يكن من الحكمة ظهور التنين الأسود الأسطوري في السماء.
قال موراكان بتردد: "أيمكنني فعل ذلك حقًا، يا فتى؟"
صرخت جيلي: "هذا جنون! لا يمكننا ذلك يا سيدي! ماذا لو رآنا أحد؟ نحن لم نغادر أراضي رونكاندل بعد!"
"لا بأس، دعونا نستمتع قليلًا. مرة واحدة فقط لن تضر. تحوّل، موراكان، أمامنا طريق طويل."
لم تتح لجلي فرصة الرفض.
فووووش!
عاد موراكان إلى هيئته كتنين أسود، وأمسك بجين وجيلي ثم وضعهما على ظهره.
وانطلق الثلاثة يعبرون سماء هوفستر نحو مملكة زان.
وبعد ذلك بوقت قصير، انتشرت شائعة صغيرة في وسط هوفستر مفادها أن بعض الناس "رأوا تنينًا"… لكن لم يعرف أحد الحقيقة أبدًا.
لم يرَ أحدٌ ذلك التنين… سوى الأخت الكبرى لجين.
قالت وهي تراقب السماء:
"إنه حقًا استثنائي. بالكاد أصبح حامل راية مؤقت، وإذا به يطير في السماء على ظهر تنين؟"
كانت لونا جالسةً على شرفتها، تحتسي الخمر، وتفكر في شقيقها الأصغر الذي غادر للتو. ومن نافلة القول إنها رأت موراكان يحلّق في السماء، وكذلك الشخصين الراكبين على ظهره.
رفعت كأسها وقالت بتهكّم:
"نخب أخي الجاحد عديم الإحساس، الذي لم يُكلّف نفسه حتى عناء توديعي. همف."
"أرغ… أوووب…"
للأسف، كانت جيلي تعاني من فوبيا المرتفعات. وما إن هبطوا على تلة قريبة من عاصمة مملكة زان، حتى ترجّلت من على ظهر موراكان وبدأت ترتجف من شدة الخوف.
صاح موراكان بقلق:
"هـ-هل أنتِ بخير، فطيرة الفراولة؟! أيها الفتى! فطيرة الفراولة مرعوبة تمامًا الآن بسببك!"
ردّ جين وهو يعبس:
"ولِمَ تلومني؟ أنت من كان يطير بطريقة مجنونة."
"أنت من أصر على ركوب ظهري! آه… تنفسي بعمق، فطيرة الفراولة… نعم، ببطء، تنفسي جيدًا… هكذا."
حاول جين وموراكان تهدئة جيلي — أو فطيرة الفراولة بالأحرى — وهما يربّتان على ظهرها، لكنها كانت لا تزال ترتجف ووجهها شاحب كالموتى.
فانتهز موراكان الفرصة واحتضنها عناقًا واسعًا، ولم تُبدِ جيلي أي مقاومة — سواء أدركت نواياه أم لم تفعل. ثم نظر إلى جين وقال بثقة متباهية:
"هذا لا يُحتمل. سأعتني أنا بـفطيرة الفراولة، وأنت اذهب وأحضِر المال، أيها الفتى."
"أأنت جاد؟ مجنون…"
كاد جين أن يصرخ بذلك، لكنه تمالك نفسه وقرر المضيّ في خطة موراكان.
ركض جين من التلّ، يخترق الشوارع قرابة ساعتين، حتى وصل إلى وجهته:
مقر عشيرة بيل.
قصر فخم شامخ يُرى من أي بقعة في عاصمة زان. وليس من المستغرب أن تكون عشيرة بيل أعظم عشائر التجّار في المملكة.
اقترب جين من البوابة، فاستوقفه الحرس.
قال أحدهم باحتقار:
"ما الذي تريده؟ ابتعد أيها الصعلوك."
آه…
ما إن سمع تلك الجملة المبتذلة، حتى غمرته مشاعر الحنين. لقد اعتاد سماع عبارات كهذه مرارًا في حياته الماضية، حين كان يتجوّل — بل يزحف — على الطرقات كمتسوّل.
وكانت الرحلة الطويلة على ظهر موراكان قد بعثرت شعره، وملابسه لم تكن تحمل شعار السيف الأسود. لذا، لم يكن غريبًا أن يراه الحرس مجرد صبي مزعج يقترب من القصر في ساعة متأخرة.
قال جين دون مقدمات:
"سيمبر بيل. هل هو في الداخل؟"
تبادل الحرسان نظرات الاستغراب. فقد بدا تصرفه وكأنه من أبناء النبلاء.
قال أحدهما:
"نعم، إنه في الداخل. عذرًا، من تكون يا فتى؟"
فكّر جين في ما سيقوله.
هل يقول: "أنا جين رونكاندل"؟ أم: "صديق قديم"؟ أم يكتفي بـ: "مررت بالقرب وقررت الزيارة. اطلبوا من سيمبر أن يخرج."؟
ولا واحد من هذه الأجوبة كان مناسبًا. فإن كشف عن اسمه الحقيقي، خالف شرط عدم استخدام اسم العشيرة بصفته حامل راية مؤقت. أما الخيارات الأخرى، فكانت ستتطلّب إجراءات طويلة من الاستجواب قبل السماح له بلقاء سيمبر.
قال بهدوء:
"شكرًا… وآسف على هذا."
طاخ!
وجه جين ضربة خاطفة إلى مؤخرة عنقي الحارسين، فسقطا مغشيًا عليهما. ثم أخرج ما يملك — عشر قطع ذهبية — ووضعها على بطنيهما تعويضًا عن الإغماء. بعدها فتح بوابة القصر ودخل إلى مقر عشيرة بيل.
ولحسن حظه، كان سيمبر جالسًا وسط البحيرة في ساحة القصر، يتظاهر بالحزن، مما وفّر عليه مواجهة المزيد من الحراس أو إثارة أي ضجّة.
ناداه:
"سيمبر."
فالتفت سيمبر مذعورًا:
"من أن— مـمم! مـهممم!"
"لا تصرخ. أنا جين، من أنقذك من كينزيلو."
"بـ-بواه! سيدي جين؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
"ألا تذكر أنك قلت لي أن أزورك إن احتجت إلى المساعدة؟"
"طبعًا أذكر! كيف يمكنني نسيان دَيني لك، سيدي جين؟ لولاك، لما كنت الآن—"
"عظيم. سأنتظرك هنا، فاذهب وأحضِر لي بعض الذهب والمال."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪