الفصل 60: المقامرة الأخيرة
أخذ لين نفسًا طويلًا، هادئًا كبحيرة متجمدة.
«أيتها السحلية القذرة… هل هذا كل ما لديكِ؟»
«كنتِ تتباهين بعظمتك قبل لحظة. أين ذهب كل هذا الكلام الفارغ؟»
«قلتُ لكِ من قبل. سأقتلكِ اليوم، يا إيسفيرليا.»
«وهل تعلمين شيئًا؟ هذه حقيقة تكذبين بها على نفسكِ باستمرار. كل ما حدث لي طوال هذا الوقت كان لأنني كنت في أسفل السلسلة الغذائية. العذاب الذي عانيته، والعذاب الذي أعانيه الآن، والعذاب الذي سأعانيه مستقبلًا… كله موجود بسبب ضعفي، غبائي، ونقصي.»
«لكن من الآن فصاعدًا… سأصعد هذه السلسلة.»
«سأقف في قمتها.»
«وما تعانينه الآن سببه غروركِ ونقصكِ.»
«تتظاهرين بالقوة أمام الكائنات الأدنى لأنكِ عاجزة عن تجاوز من هم بمستواكِ أو أقوى منكِ داخل عشيرتكِ. فتملئين هذا الفراغ بالتسلط على الضعفاء.»
«أستطيع أن أرى الحقيقة الآن. أنتِ مجرد سحلية وضيعة في عشيرتكِ، لا أكثر من مهرجة مثيرة للشفقة.»
«طوال هذا الوقت، لم تكوني سوى سحلية لَعينة وُلدتِ في قمة السلسلة الغذائية لغرض واحد فقط، أيتها العاهرة.»
«وهذا الغرض… كان هو لتعزيزغروري.»
«وللأسف، هذه السحلية سقطت الآن من مكانها.»
«تظنين نفسكِ ملكة أو شيئًا من هذا القبيل، لكنكِ لا تفهمين أمرًا واحدًا. أنا الزعيم الأخير هنا، وأنتِ اللاعبة.»
«أنتِ من تتحداني.»
زفر لين نفسًا طويلًا آخر، فعّل عينه، وشدّ قبضته على خنجره.
وبسرعة هائلة، تحرك كوميض أزرق. لم تستطع عينا إيسفيرليا التقاط جسده. كل ما رأته كان بداية خط أزرق داكن يمتد عشوائيًا في الهواء.
ولم يخرج من فم لين سوى جملة واحدة:
«إما أن أعيش… أو أموت. واحد فقط سيبقى واقفًا.»
وقبل أن تتمكن إيسفيرليا من الرد، كان لين قد أصبح أمامها بالفعل. ركبتُه ارتطمت بمعدتها، فاختنق نفسها. وحين حاولت شن هجوم مضاد، كان لين قد تفاداه، موجّهًا ركلة خادعة نحو منتصف جسدها، ثم غيّر مسارها في اللحظة نفسها، فانفجرت ضربة قاطعة من خنجره شقّت يدها المتجمدة وسال الدم.
حاولت إيسفيرليا تجميد موضع الإصابة، لكن لين لم يمنحها فرصة. انفجرت هالته الزرقاء، ضاغطةً جسده ومشكّلة صورة أفعى سوداء بعيون زرقاء. اندفع لين بلا هوادة، ساحقًا إيسفيرليا إلى أسفل الجبل. لكمات لا تُحصى انهالت عليها من كل اتجاه، وكأن أفعى سوداء عملاقة قد أمسكت بفريستها ومزقتها من جميع الجوانب.
وبلكمة واحدة سريعة، أُرسلت إيسفيرليا طائرةً إلى داخل كهف. قبض لين على خنجره وأطلق شقّين نحو سقف الكهف، فانهالت اشواك جليدية اخترقت جسدها، وزاد نزيفها.
دون إضاعة وقت، بدأ لين يرتد داخل الكهف بسرعة، مهاجمًا من كل اتجاه.
غطّت إيسفيرليا مناطقها الحيوية بدرع مانا كثيف لتقليل الضرر.
عندها فعّل لين قرط الأفعى الخاص به. سقط القرطان من أذنيه وتحولا إلى أفاعٍ معدنية ذهبية متحركة. اندفعت عبر الكهف بسرعة عالية، تصطدم بإيسفيرليا مرارًا، ممزقةً جسدها ومُغرقته بالدم.
استغل لين الوضع وهاجم الكهف نفسه، ناويًا إسقاطه بالكامل فوق رأسها.
تحملت إيسفيرليا الهجوم، لأنها كانت تحضّر لاستخدام كمية هائلة من المانا لتجميد الكهف وحبسه بداخله.
لاحظ لين نيتها. قفز إلى نهاية الكهف الضيق، ضغط ساقيه على الجدار، وجمع الزخم. اندفع عائدًا عبر الكهف في اللحظة التي عاد فيها القرط الذهبي إلى أذنيه.
وبينما بدأت إيسفيرليا بتجميد الكهف، كان خنجر لين قد شُحن بطاقة ماهولية السوداء. شقّ هائل ضرب الجزء العلوي من الكهف، فانهار فوق إيسفيرليا. وأثناء سقوطه، قذف لين خنجره إلى جذور شجرة، تأرجح به، وهبط بأمان على الأرض.
«هاااا… هاااا…»
تنفس لين بصعوبة.
«آمل أن ينهيها هذا.»
ما إن أنهى كلماته، حتى انفجرت موجة طاقة هائلة من الجبل.
حطمت إيسفيرليا الأنقاض واندفعت خارجة. هبطت من الأعلى، ودفع انفجارها لين مترًا إلى الخلف.
«اللعنة عليكِ أيتها المرأة! لماذا لا تموتين؟!»
رفعت إيسفيرليا يدها المتبقية، وعينها تتوهج.
تشكّلت عشرون يدًا بيضاء حوله. حاول لين الهرب، لكنه فشل حين جمّدت دائرة سحرية ساقه في مكانها. انهالت الأيادي البيضاء المتدفقة عليه، تضربه من كل اتجاه وتلحق به أضرارًا في كل موضع.
«آآآآآآه!»
«آآآآآآه!»
صرخ لين، والألم يكتسحه وهو يحاول الصمود.
وفجأة، ومضة إدراك ضربت عقله.
لم يكن لديه خيار آخر… سوى الصراخ.
الصوت استدعى تساقطًا ثلجيًا هائلًا انهمر من الجبل. حاولت إيسفيرليا إيقافه، لكن ذلك التشتيت القصير كان كل ما احتاجه لين. ثوانٍ معدودة كانت كافية ليهرب من فخها.
حطم لين الأيادي البيضاء العشرين وتحرر، ساقطًا على ركبة واحدة.
اغتنمت إيسفيرليا الفرصة، رفعت ذراعها، شكّلت دائرة سحرية، وأطلقت انفجارًا ثلجيًا أبيض.
أمسك لين خنجره وتدحرج بسرعة، متفاديًا الهجوم بالكاد. عندها تحرك وشم الأفعى حول عنقه، متحولًا إلى أفعى جوية. وضع لين الخنجر بسرعة داخل فمها.
كان لين يستعد لمقامرته الأخيرة.
كانت هذه المقامرة شديدة الخطورة، لكنه لم يملك خيارًا آخر. كل شيء كان يعتمد على مقدار ما يستطيع تقليده.
لم يكن قادرًا على استخدام مهارة النوكترين خاصته أو غريزته. مجرد محاولة واحدة كانت ستجعل أعضائه تنفجر وروحه تتحطم. وفوق ذلك، كانت البركة التي التهمها تحت سيطرة نولن، ما جعلها غير قابلة للاستخدام تمامًا.
لم يتبقَّ أمامه سوى خيار واحد: تقليد الغريزة التي استخدمها سابقًا قسرًا.
لم يكن قد استخدم هذه الحالة من قبل، لأنها تتطلب إنهاكًا جسديًا هائلًا وتركيزًا ذهنيًا مطلقًا.
لم يكن يعلم مقدار القوة التي ستُستنسخ من الحالة الأصلية، لكنه كان واثقًا أنها لن تتجاوز أربعين بالمئة.
أغمض لين عينيه وانحنى إلى الأمام، خافضًا الجزء العلوي من جسده. تمايلت يداه ببطء من اليمين إلى اليسار. انقبضت كل عضلة في جسده، وتكوّن ألم لا يُحتمل في داخله. أصبح تنفّسه عميقًا وثقيلًا.
شحذت إيسفيرليا حواسها. شعرت بأن الهواء حول لين يتغير، مذكّرًا إياها بالوحش الذي قاتلته من قبل.
خرج نفس بارد من لين، واتسعت عيناه ببطء.
في تلك اللحظة، نجحت موهبة لين في تقليد حالته الوحشية قوية. حتى وإن
لم تكن الشكل الكامل أو نسخة مثالية، فقد كانت كافية لقلب ميزان المعركة… وإعلان بداية النهاية بين تنين ووحش صغير.