إختيار أفضل إثنا عشر فريقًا وطالبًا من كل أكاديمية والسماح لهم بطحن بعضهم البعض في وسط ساحة عملاقة، لن يحضر النبلاء والملوك فقط لمشاهدة مثل هذه الحرب المصغرة، بل سيتم نقل ما يحدث داخل الساحة عبر بث مباشر من خلال البلورات السحرية، لجميع بقاع العالم. حتى يستطيع الأناس العادييون كذلك، مشاهدة العرض الترفيهي الذي سيحدث لأول مرة بتاريخ هذا العالم.
" هل سأكون غريب أطوار إن قلت بأنني لازلت لا أستوعب ما يجري؟ "
" لا أعتقد بأن أحدًا سيلومك"
"هم، أجل ولكن، اتعلم شيئًا؟ شين "
".. ما الأمر؟ "
"أنا فقط… أعتقد بأن العالم قد جن جنونه أخيرًا ربما.. "
" …. "
أمام وجهي الذي كان يعرض إبتسامةً لا أعلم السبب من ظهورها، ويحمل عينين فارغتين من أي روح أو طاقةٍ بهما، لم يستطع صديقي شين، سوى إبعاد نظراته عني، وإعادة تركيزه نحوا شيء آخر، تمنى أن يكون آخر شيء يضطر للتركيز به حقًا.
ولكن، ولحسن حظه او سوئه، لم يكن الوحيد الذي وجد نفسه يشعر بضيق وتوتر كبيرين، وهو ينظر إلى ما كان يحدث أمامنا الآن.
" يبدون جادين حقًا…" انزلقت تلك الكلمات من بين شفتي شين، بينما تطل عينيه، أعيننا جميعًا.. على ساحة تدريب أكاديمية بالادين التي كانت تتسع لبناء قرية كاملة بها، وهي تنهار الآن أمام حشد الطلاب الكبير المجتمع بمنتصفها، حولها، بأطرافها وحتى بالمدرجات…وبالخارج كذلك.
على الأقل امتلكنا مكانًا جيدًا داخل الساحة لرؤية كل شيء. بالرغم من أن المكان مزدحم أكثر هنا.
وكأننا بأحد أسواق العاصمة ليليث، ولكن بشكل أخف ولن تحتاج فيه للإلتصاق بمن هم حولك، او تواجه صعوبةً في التنفس، ومن بعد إنتهاء إعلان الأكاديمية عن **_حفل التتويج_** او هكذا قاموا بتسمية المسابقة التي جمعت الأكاديمات الثلاث الكبرى بالعالم، أُمرنا بعدها للقدوم إلى ساحة الأكاديمية، لأجل إختيار المشاركين ببطولة حفل التتويج.
" على الرغم من انه كان بإمكانهم إختيار أفضل إثنا عشر من لائحة الأقوى وإرسالهم فقط.. " قلت تلك الكلمات، وأنا أفكر باللذي يفكر به المدير رايهن.
" لن يفلح هذا. "
" ماذا؟ " نظرت بإستغراب ناحية شين، الذي تمتم وهو ينظر إلى الحشد المهول الحائر أمامنا.
" اتظن بأن اللوائح ستفشل بإظهار الأقوى فعلًا؟ " قلت وانا أحاول فهم مقصد شين.
" قريب من الإجابة ولكن ليس هذا هو السبب الحقيقي كذلك "
" ليس السبب..؟ " إن لم تقم الأكاديمية بإختيار الأفضل من لائحة الأفضل، فمن أين سيأتون بأفضل الطلاب؟ لا يعقل بأنهم يمتلكون لوائح خاصة لا يتم عرضها كبقية اللوائح؟ أيعقل ان تقوم إدارة الأكاديمية بشيء كهذا؟
بينما كنت أغرق بالتفكير عن السبب الحقيقي، الشيء الذي لم يسمح للأكاديمية بالإعتماد على لوائحها الخاصة لإختيار طلابها، قال شين بضعة كلمات تلميحية، لم تساهم إلا بزيادة حيرتي أكثر فقط.
ناظرًا إلي بطرف عينه، قال شين: " ألم تبقى لوقت أطول بما يكفي لتعرف؟ " بنبرته الجافة المعتادة، متأملًا أن يقودني تلميحه لمعرفة السبب الحقيقي، ولكن سرعان ما خاب أمله، خصوصًا عندما رآني أرمش مرارًا وانا أنظر إلى وجهه بتعابير فارغة.
" أنت.. " وكأنه يلعنني داخل قلبه لسبب ما، تنهد شين بإستسلام أخيرًا، قبل أن يفصح عن السبب الحقيقي.
".. لن يسمح لهم نظامهم الخفي ذاك، بمعرفة الأفضل هنا. " فقط عندما نطق شين بتلك الكلمات، بوجه عبوس قليلًا، أضائت عيناي بنور العلم.
" هكذا إذًا!! " صرخت بحماس لا إرادي.
" لا هل أنت جاد؟ " فقط ليقابلني جليد شين، ويطفئ نيران حماستي فوريًا.
" آه.. أعتذر عن ذلك ولكن كان الحشد يشتتني قليلًا لهذا… " استخدمت الضجيج الصادر من زملائي كدرع يقيني من طعنات عيني شين، الذي لم يفعل شيئًا آخر سوى إعادة النظر نحوا الأمام مجددًا.
اذًا، لن تستطيع إدارة الأكاديمية إختيار الطلاب من لوائحها الخاصة.
ربما يبدوا الأمر غير مفهوم من أول مرة، ولكن وبالتفكير في الأمر بجدية ولقليل من الوقت، وبوضع أمر النظام الذي يمنع حتى الأقوياء من إكتساب النجوم، ويدفعهم للتعاضد مع فصولهم لكي يحافظوا على يوم متسق دارسيًا، لا أعتقد بأن الأكاديمية ستستطيع فعلًا إستخراج أقوى الأقوى من بين الطلاب.
فحتى وإن قمنا بوضع اللوائح الخاصة، كلوائح الأفضل في الشهر او لوائح النقابة الخاصة، يوجد الكثير من الذين اتخذوا نهجًا دفاعيًا او داعمًا من الخلف منذ البداية، ولم يتحركوا لكي يبرزوا إلا عندما يحتاجهم الأمر لذلك. فقط لزيادة تعداد نقاط فصلهم.
وأبرز مثال على ذلك كان أنا بنفسي.
منذ البداية، وضعت قيودًا على نفسي لأجل حماية رين وذاتي، ولم أستطع إبراز نفسي كثيرًا حتى وإن أردت.
ببعض الأحيان، وإن كنت استطيع الفوز بأي قتال حتى وأنا أضع سلاسل القيود حول رقبتي، فسأربح، ولكن يوجد من يفضلون البقاء في الظلال حتى النهاية. وبحال كنت أنا لا أفضّل الجلوس وتحريك الخيوط من الخلف دائمًا، ستجد المتخصصين بذلك المجال بكل مكان بالأكاديمية.
ليس الأمر وكأنني أعرفهم جميعًا، وربما لم امتلك الفرصة بعد للتباهي بالدائرة الإجتماعية التي صنعتها لنفسي، خصوصًا من بعد ان قمت بإعادة إحياء شاليتير، وكشف غطائي جزئيًا، لم يكتشف أحد وجود رين بعد، ولكن سرعان ما التصق بي لقب _إستريديوس اليافع_ عقب إعترافي بإعادة إحيائي لشاليتير، وكشفي للون هالتي الحقيقي.
لقب جعل المدير رايهن يسقط من مكتبه ضاحكًا، عندما ركض إليه آلبيرت، وأخبره بنوع اللقب الخطير الذي مُنحت له.
كان الغطاء الذي استخدمته لإخفاء هويتي الحقيقية، قد تحطم نوعًا ما، ولكن النتيجة السيئة التي توقعها الجميع، لم تحدث لسبب واحد فقط، شرحه المدير رايهن بعدما أوقفه آلبيرت عن الضحك عن طريق إظهار إحدى سيوفه النحيفة المخصصة للإغتيال.
" كيف تقوم بفعل شنيع كإشهار سيفك أمام وجه رفيق دربك فقط لأنه يضحك قليلًا.. "
" رايهن "
" حسنًا حسنًا أنا افهم، لن يضر القليل من المزاح أحدًا.. " قائلًا قبل ان يعيد تعديل وضعية جلوسه، وسعاله لمرة وإثنتين لتنظيف حلقه، تحدث المدير بنبرة جدية أخيرًا.
" بصراحة.. ومن بعد إنكشاف غطائك مع جلالته، دُفعت للقيام بشيء بسيط كان كافيًا رغم بساطته، على عدم إثارة أي جدل كبير من حولك. "
".. وما الذي فعلته.. " سألت بتوتر.
وفقط من بعد طرحي لسؤالي، ارتسمت على وجه المدير، من وضع يديه أمامه، ضامًا يديه بالأعلى وصانعًا لجسر صغير بهما، مريحًا ذقنه على ذلك الجسر، مغمضًا عينيه للمنتصف، العينين اللتان بدأتا تلمعان بإخضرار أزعجني، إبتسامة صغيرة بالأسفل، دفعت غريزتي الدفاعية للنشاط لا إراديًا.
" هل تعلم عن أكثر شيء كان إستريديوس بارعًا به في حياته؟ "
حينها، وضع المدير ذلك السؤال على الطاولة، السؤال الذي لم أكن سأجيبه بأي شكل، حتى وإن سألتني له الآن ومن بعد قرائة كل تلك الكتب، لم أكن سأعلم إجابته خصوصًا وأن المعلومات عن ذلك الإمبراطور كانت شحيحةً أصلًا.
ولكن ولمفاجئتي، كان المدير رايهن.. ولسبب ما، يعلم الإجابة بالفعل.
" بالطبع لن تعرف شيئًا كهذا صحيح؟ " قال بنبرة من عرف بعدم إمتلاك أي أحد لتلك المعلومة.
" كان الشيء الوحيد الذي برع فيه إمبراطور السحر، أكثر من اي شيء وأي موهبة امتلكها من مواهبه الآخرى… هي إستدعاء الموتى. "
من بعد طرحه للسؤال والإجابة عليه بنفسه، شرح لنا المدير الإستراتيجية البسيطة التي نشأت بعقله، فقط لأن الحظ كان يقف بجانبي كما قال.
على حسب أقواله، ومن بعد إظهاري لرغبتي غير المتزعزة بإعادة إحياء شاليتير، كان السبب الوحيد الذي منعه من التحرك والقيام بخطته الأساسية، والتي كانت تقوم على أساس دفن الجثة بسرعة، وحبسي لفترة من الزمان حتى اهدأ بحال إنفجرت وقررت إستعادة الجثة بالقوة، كان الشيء الذي منعه من القيام بكل ذلك، والإضطرار للمرور بكل تلك الفوضى التي لن يعلم أحد بحدوثها فقط لأنه امتلك طريقته الخاصة لإخفاء الأمر، سمح لي بالذهاب بينما قام هو بإتباع طريق أطول من الذي أراده، واستعان بخدمه الخاصين، من لم يكونوا سوى عدد من الطلاب المنتشرين في جميع الفصول عبر سنين الدراسية، طلاب لم يكونوا سوى خدم مدربين استخدمهم المدير لعدة أسباب مختلفة لخدمة الأكاديمية.
تحرك المدير بسرعة لنشر تلك المعلومة الصغيرة، عن إستريديوس ومقدرته المثالية في التحكم بحياة من حوله، بالإضافة لمعلومة آخرى كاذبة، تفيد بظهور عدد كبير من مستخدمي السحر الذين امتلكوا هالات بنفسجية اللون، قريبًا من لون هالة إستريديوس ولكنها لم تمتلك نفس التأثير.
متحكمًا بأجواء الأكاديمية بشكل يعارض المنطق، ناشرًا لمعلومة كاذبة بإستخدام ألسنة جنوده الذين امتلكوا مصداقيةً كبيرةً حول زملائهم، فقط بنصف يوم، تلاعب المدير رايهن بكل شيء حول راحة يده، بسهولة ستجعلك تصدق إن اخبرك أحد بأن هذه لم تكن المرة الأولى التي يفعل فيها مثل هذا الأمر.
" ربما استطيع التحكم بما يحدث داخل الأكاديمية فقط، لقصر يداي، ولكنك اخترت طريقك بالفعل الم تفعل؟ اخترت كشف قوتك للعالم لأجل تغييره، لذا لن تمانع إن قمت بتمهيد الطريق قليلًا لك، وإبطاء وتيرة الزخم الذي سينقض عليك مستقبلًا، ريثما تصبح مستعدًا لمواجهته بالفعل. " معيدًا إبتسامته العادية مجددًا، مظهرًا نوع القوة التي امتلكها داخل جدران الأكاديمية، كان المدير يخبرني ببساطة بأنني وطالما كنت داخل أسوار بالادين، فسأكون بمأمن من أي شيء.
شاكرًا قبل ان اتوجه للخروج رفقة آلبيرت، اوقفني المدير فجأةً قائلًا " آه نسيت ذكر شيء أخير " مجبرًا إياي على الإلتفات ناحيته، فقط لكي أتلقى تحذيرًا صغيرًا، شعرته قادمًا من سلاسل القدر، لا من فم المدير.
" ربما صدق معظم الطلاب أمر الهالة، ولكن لن يصدق الجميع ذلك بسهولة. سيسرني إن وضعت كلماتي هذه بالإعتبار. "
مخيف جدًا اليس كذلك؟ بالطبع، كنت وطوال الشهرين السابقين، ارفع معدلات حذري وأنا اقابل كل يوم شخص جديد يسأل عن نوع التعويذة التي استخدمتها لأجل شاليتير.
على الرغم من انني استخدمت المكان الذي يفترض بي فيه ان اشرح النقطة التي لم تسمح للإدارة بإستخدام اللوائح لإختيار الطلاب، الا انني قمت بالعودة للماضي فقط لشرح السبب الذي سمح لي للوقوف هنا بين الجميع دون ان يبتعد عني أي أحد، ويصفني بالوحش او شيء كهذا.
اقدم لك خالص إعتذاري على هذا.
" تبدوا بأنك تفكر بالكثير " منتبهًا لصمتي لفترة طويلة الآن، تحدث شين أخيرًا.
" آه.. نوعًا ما "
أيعقل بأن رجل بمثل ذكاء رايهن، لم يتوقع مثل هذه الثغرة بنظامه؟ اتسائل بشأن هذا بصراحة.
بخلاف النظام نفسه، انا متأكد من انني سمعت من مكان ما عن وجود عدة مراقبين يراقبون نموا الطلاب ويقومون بتقييم قدراتهم فرديًا. الا يستطيع اولئك كشف من يبقون في الخفاء او من يخفيهم النظام؟
بصراحة، لا أظن ان شيئًا يفوت رايهن هنا. حتى وإن كان أمر المسابقة قد سقط على رأسه بشكل مفاجئ.
ولكن أعتقد بوجود شيء يفوتنا نحن هنا.
" ارجوا من الجميع الإنتباه"
مقاطعًا لقطار أفكاري المتسارع، سمعت صوتًا جهورًا يصدر من أعلى رأسي، وفقط بالنظر للأعلى، وجدت ذلك الجسد الطائر، والذي وبالتركيز قليلًا فيه، ستجده يرتدي زي المعلمين الخاص بأكاديمية بالادين.
بشعره البني الطويل والواصل لنهاية ظهره، الشعر المصفف للخلف، وبشرته القريبة للسمرة ولكن أكثر إنفتاحًا، سرعان ما تعرفت عيناي على هيئة أكثر معلم مشهور بهذه الأكاديمية.
" المعلم إلوار.. " نطق شين بإسم من كان يعتبر الأقوى ثانيًا من بعد المدير رايهن.
" يبدوا ان الأمر سيبدأ أخيرًا.. " فكرت وانا انظر إلى ظهور هذه الشخصية المهمة بالأعلى.
دون الحاجة للنظر من حولي، حل صمت مطبق على الجميع بالفعل، وشُد إنتباههم بقوة نحوا المعلم إلوار.
" ستبدأ مسابقة حفل التتويج بعد ثلاثين يومًا من اليوم. وطلب منا إختيار وإعداد أبرز إثنا عشر فريقًا وطالبًا لأجل الفوز بالمسابقة. "
الفوز..
حقًا.. لدينا شخص هنا يتحدث عن الفوز بشكل مباشر هكذا؟ لا لا علاقة لشخصية المعلم إلوار والتي تعتبر من أكثر الشخصيات حدةً وصرامةً هنا، بدفعه حتى يتحدث عن الفوز مباشرةً هكذا.
" ربما بعضكم متفاجئ من لذكري لأمر الفوز ونحن لم نقم بإختيار أي أحد بعد ولكن.. " وكأنه قام بقرائة أفكاري من بين الحشود بالفعل، واصل المعلم كلماته بنبرة صوته الثابتة والعالية، ولكن بشكل أقوى من السابق.
" مالم نتحدث عن الفوز منذ البداية ونضعه نصب أعيننا.. فبأي حق وأي سمعة نتباهى نحن من نقف بقمة بالادين! " صارخًا بكلمات بدأت تهز كيانات الطلاب تدريجيًا، واصل المعلم رفع صوته أكثر وأكثر.
" طوال الأعوام الماضية، كان الجميع يضعون أعينهم صوب ستيلفورد وأساليبها الإقصائية في الإختيار والتدريب، ويضعوننا ثانيًا فقط لأننا رفعنا أعلامنا بشكل متأخر قليلًا! هل هذا مقياس حقيقي لكم؟! هل ستسمحون للعالم بوضعكم ثانيًا فقط لأنكم كنتم تضعون أساسكم وتبنون ذاتكم ببطئ وبحكمة لن يفهمها العالم؟! هل ستسمحون لشيراين، أقلكم واقعًا بأن تعتليكم حقيقةً؟!"
مثيرًا لغضب الطلاب تدريجيًا، من كانوا يستجيبون له بسرعة كبيرة بالحقيقة… لدرجة رأيت فيها بعضهم يبكون وهم يقبضون أياديهم بقوة.. اممم ما الذي يجري؟
" بعضكم حاول الإنضمام لستيلفورد ورُفض فقط لأنهم لم يستطيعوا قياس مقدراتكم بالشكل الصحيح، ماجعلكم تضطرون للإنضمام إلى بالادين، وانتم والآن، تجدون اسمائكم تقارن بمن هم أعظم منكم في الخارج حتى قبل ان تتخرجوا، أجيبوني، هل أنتم نادمون على إختياركم لستيلفورد في البداية؟! "
انا لا أحتاج لذكر صراخ الطلاب بكلمة " نعم! " التي هزت المكان _حرفيًا_ وجعلتني أستند على شين لا إراديًا، لست مضطرًا لشرح ما حدث وقتها صحيح؟
" أنتم تريدون الإثبات، لا بل أنتم بحاجة للإثبات للعالم بأنكم الأقوى بلا منازع! وبأن الجميع بحاجة لإعادة حساب حساباتهم من جديد، وإعداد العرش الجديد لبالادين حتى تعتليه منذ اليوم، وللأبد!! "
صراخ يتبعه صراخ… هتاف يتبعه هتاف.. بكاء ودماء سالت لأن أحدهم لم يستطع تمالك أعصابه ولكم جاره من فرط حماسته..
بدأت أشعر بالقلق حقًا الآن.
ولكن ولحسن الحظ، لم يستمر ذلك طويلًا قبل ان تهدأ أعصاب المعلم إلوار، ويبدأ بشرح الأمر الذي تمنيت لو تحدث عنه منذ البداية عوضًا عن عرض الغليان الذي خرجنا منه سالمين بشكل ما، دون نشوب عراك بلا قيود.
" جيد. يسعدني بأنكم مستعدون لحمل راية بالادين، ولكن وكما اُخبرتكم، نحن مقيدون بعدد معين من الطلاب، وانا هنا الآن لإعلان مجموعة الطلاب، الذين قامت الإدارة سلفًا بإختيارهم وفقًا لقدراتهم الفريدة. "
" ايه؟ " على الرغم من انني شعرت بأنني الذي تلقى أقوى صدمةً من بين الجميع، الا اننا جميعًا… تجمدنا بأماكنا.
" اختيروا مسبقًا…؟ " سمعت شين وهو يلفظ تلك الكلمات.
إن كان الطلاب.. قد تم اختيارهم بالفعل..
" ما الداعي لوقوفنا هنا وإستماعنا لكل هذا اذًا؟!! " صرخ أحد الطلاب الشجعان، بالكلمات التي لن أقدر على قولها جهرًا مهما حاولت.
وفقط وكزناد سُحب، سرعان ما اعتلت الصرخات السماء، وبدأ الجميع يصرخون منتقدين، بينما ينظرون نحوا المعلم المعلق بالسماء، والذي لم يتحرك لقول أي شيء سوى بعض مضي مدة من الزمان.
وكأنه كان ينتظر هذا الغليان منذ البداية، واصل المعلم النظر نحوا الطلاب بعينيه المطابقتان للون شعره دون تحرك، وفقط عندما مر مقدار معين من الزمن، ولم يظهر على الجمع أي رغبة بالهدوء، تحدث المعلم أخيرًا.
" كالعادة ومهما دربناكم، سنكتشف سريعًا أن معظم اخطائكم المرتكبة، ستحدث بسبب الإنفعال وعدم الإنتظار قبل التحرك. " بهدوء، ولكن نسبةً لإستخدامه لأداة سحرية تجعل صوته عاليًا بما يكفي لدرجة تجعله واضحًا حتى بالرغم من إنفجار الأحاديث بكل مكان.
واصل المعلم إلوار أقواله دون ان يسمح للحشد بالهدوء أكثر، مستغلًا زخمهم الذي صنعه بنفسه منذ البداية، وغضبهم الذي اوقد ناره بنفسه، وخيبة أملهم التي قام بتربيتها حتى اللحظة، لينطق بالكلمات التي جعلتني أتمنى بأن لا أكون مشاركًا بهذه المسابقة مهما حدث.
" بالفعل، تم إختيار الطلاب الأفضل من وجهة نظر الإدارة ولكن، حتى وإن كنت أرى بأن طلابي هم الأفضل بالأكاديمية بأسرها.. ربما يتمكن طلاب معلم آخر، من هزيمة طلابي في نهاية المطاف. ولكن وفقط لكي نجعل المعلومة أوضح، لن يحدث أمر كهذا هنا.. " متفاخرًا بطلابه نوعًا ما، واصل المعلم حديثه ليصل أخيرًا لنقطة الإنفجار الحقيقية.
" ولهذا، ولكي يتم إختيار الحزمة الأقوى فعليًا دون اي خطأ، سيتعين على الطلاب الذين يُذاع اسمهم الآن، من اختارهم جميع معلمي الأكاديمية بالإجماع، قتال أي فريق، وأي فرد يتحداهم، وبحال انتصروا فسيحافظون على حقهم بالمشاركة في التتويج. ولكن.. وبحال تعرض الفريق الذي اختارته الأكاديمية للخسارة، فسيتم نقل حق المشاركة للفريق الفائز مباشرةً وسيضطر كذلك للقتال والمحافظة على حقه بالمشاركة، حتى يأتي يوم السابع والعشرون من شهر القربان "
على وقع تلك الكلمات، التي أعادت الهدوء مجددًا للساحة، بشكل أراني قدرة هذا المعلم على التحكم بالأجواء من حوله.. نظرت لجانبي، حيث يقف شين.. فقط لكي أجد الرجل هناك، يبتسم بطريقة أرسلت الكهرباء عبر جسدي بأكمله.
ربما كان شين حالةً خاصة، كونه لا يبتسم كثيرًا بالطبع.. ولا ينجرف بسهولة كذلك، الا انني سرعان ما وجد ان الجميع من حولنا، قد فقدوا صوابهم بالفعل.
شاعرين وكأنهم سيقاتلون رؤوس الأكاديمية بأنفسهم، وكأنهم سيثبتون شيئًا في حال انتصروا على اولئك النخبة المختارة… ارتسمت على اوجه الجميع.. إبتسامة أقرب لإبتسامة شرير قد ولد من أعماق قلوبهم.
" من الجيد انكم استقبلتم الأمر بهذه الطريقة " من بعد رؤية ردة الفعل غير الطبيعية التي ارادها منذ البداية، بدأ المعلم إلوار أخيرًا، بلفظ أسماء تعيسي الحظ – أحم – الطلاب الذين اختارهم مجلس إدارة الأكاديمية.
" لنبدأ أولًا بالفرق… "
بالترتيب العكسي، من أعلى السنين الدراسية، بدأ بذكر أسماء الفصول والطلاب.
وفقط ومن خلال إستماعي للأسماء التي ذكرت، لم أستطع فعل شيء سوى الإنكماش بمكاني، وانا أستمع لكل تلك الأسماء ذات الأوزان الثقيلة، وهي تسقط على رؤوسنا من الأعلى.
" السنة الرابعة الفصل الأول: فيت كيريا، إلياس بيلمونت، لينيا هيلمان.. "
وكانوا هؤلاء الثلاثة الذين ركزت على اسمائهم تحديدًا، ومن لم يصلوا لذروة قوتهم بعد.. يعتبرون أقوى الأقوى بالهرم الطلابي ببالادين.
أشعر بأنني قمت بترديد كلمة الأقوى كثيرًا، لدرجة بدأت أشعر فيها بأنني الأضعف هنا.
" لا تبدوا متفاجئًا هكذا شينون، لم تتوقع ان تقوم الأكاديمية بإختيار اشخاص بخلاف هؤلاء اليس كذلك؟ " حينها، سمعت صوت هيرومو وهو يأتي من جانبي، فقط لكي أجده يسير ناحيتنا رفقة إسحاق وشاليتير، بالإضافة لفتاة ذات شعر وردي قصير من فصلنا، تدعى هوشي.
" الإستماع لمثل هذه الأسماء تجعلني ارغب بالعودة لغرفتي والإختباء طوال اليوم! " قالت هوشي بصوتها الطفولي، بينما تقوم بإعتناق جسدها بقلق.
" سيضطرون للدفاع عن حقهم بالمشاركة لذا من الطبيعي ان يكونوا أقوياء بما يكفي " متحركًا بحذر حتى لا يقوم بإسقاط أحدهم عن غير قصد نسبةً لحجمه الضخم، تحدث العملاق إسحاق عن عمالقة الأكاديمية والوزن الذي سيحملونه من اليوم.
" هيا الآن، علينا أن لا ننسى أنفسنا نحن أيضًا! ربما يقوم المعلم بمناداة اسمائنا كذلك! لا يجب ان نصغر انفسنا أمامهم! "
"…لطالما تسائلت من أين تأتي بهذه الثقة.. هيرومو. " قالت شاليتير وهي تنظر نحوا وجه هيرومو بإبتسامة.
" ولكن اليس من الصعب إختيار احد من فصلنا؟ انا اعني.. بالنظر لهذه الأسماء المعلنة.. " عبرت هوشي عن قلقها بينما واصل المعلم ذكر المزيد من الأسماء ذات الأوزان.
" من وجهة نظري، أعتقد بأن الأمر صعب قليلًا. خصوصًا وأننا نهتم بالحفاظ على النقاط عوضًا عن الحصول على النجوم وتقوية الأداء الفردي. ربما نمتلك فرصةً في مجموعة الفِرق ونشارك بفريق شين، ولكن لست متيقنًا فيما إن كان احدنا يستطيع العمل بشكل فردي حتى تختاره الأكاديمية للمشاركة في القتالات الفردية. " عارضًا الواقع، تحدث إسحاق عن إمكانية قدراتنا الجماعية، ونقاط ضعفنا الفردية.
بالحقيقة، انا اقف مع إسحاق هنا. فيما يتعلق بمقدرات فصلنا، وعندما نتحدث عن أفضل شيء نمتلكه، فلن يكون شيئًا بخلاف العمل الجماعي.
كان فصلنا جيدًا بالعمل الفردي إلى حد ما ولكن، وعندما نعمل في شكل ثنائيات ورباعيات، وبخلاف القدرات التي يمتلكها أعضاء تلك المجموعات، أشك في مقدرة أي فريق على التناغم كما يفعل أعضاء فرق فصلنا.
بالطبع، كل هذا يعود إلى شين، الذي جمع الفصل منذ البداية، ودفعهم للعمل بشكل جماعي حتى في أقل التفاصيل والمهام، لكي يستطيعوا النجاة.
ربما يمنعهم تركيزهم على النجاة من السطوع والإنشهار بين بقية الطلاب، الا انهم كانوا راضيين بهذا.
" اصمتوا، احاول الإستماع. " أخيرًا، تحدث الشخص الذي قام بتكوين نسيج فصلنا، وهو يلقي بتركيزه نحوا كلمات المعلم، الذي وصل الآن لطلاب العام الثالث.
يبدي إهتمامًا كبيرًا بما يجري هاه؟ حسنًا، ليس الأمر وكأننا سنكون خارج المسابقة حتى لولم يتم ذكر اسمائنا. مازلنا نملك فرصة للمشاركة مادمنا نهزم أحد هذه الفرق.
بالنسبة لي، ربما لا أبدوا متحمسًا تمامًا هنا، ولكنني ادرك حجم الفرصة التي ظهرت أمامي الآن.
فرصة المشاركة والقتال أمام ملوك العالم ونبلائه، أمام العالم بأسره.
فرصة اللمعان كنجمة لا تنطفئ، ووضع البصمة التي أريد وضعها تمامًا.
دون الحاجة للتفكير كثيرًا، كانت الفرصة التي قدمها لي العالم الآن على غير عادته، هي فرصة السطوع، فرصة البروز التي كنت احتاجها بالضبط، العتبة المثالية بالنسبة لي.
وأيضًا، كانت هذه المسابقة التي جمعت الأكاديميات الثلاث بمكان واحد، هي الفرصة المثالية لي، للم شملي مع فريقي السابق.
على الرغم من أننا لم نمضي وقتًا طويلًا حتى نصبح فريقًا حقيقيًا بعد.
لذا حتى وإن لم يتم نطق اسمي هنا، ولا أعتقد بأنني سأُذكر هنا على أي حال.. أحتاج فقط لتحدي احد الفرق رفقة شين وشاليتير، والفوز.
ربما اعاني قليلًا إن حاولت الإنخراط وتحدي أحد بمفردي، ولكن وأمام ثلاثتنا، فلا أعتقد بأننا بعيدين عن أي فريق قوي آخر.
ربما لسنا أقوياء بما يكفي لإعلان اسمائنا هنا، ولكن ماذا بذلك؟ في الحقيقة سيمنحنا هذا فرصة أفضل لإختيار احد الإثني عشر فريقًا، – الأضعف بينهم – والتخطيط جيدًا قبل الذهاب لزهيمته.
تمامًا كما نفعل عندما نخرج لإنهاء أي مهمة.
مادمنا نملك الفترة الكافية للتخطيط، فهذا كافٍ لضمان فوزنا.
" ما الأمر شينون~ ليس الأمر وكأنك تنتظر إذاعة أحد اسمائنا هناك؟ هذا مستحي—"
" الفريق الأول بالسنة الثانية الفصل الثالث: شين سانجيرو، شاليتير أكيديا، شيرو لينارد. "
دعك من الذي كان هيرومو يقوله وباللذي كنت أفكر به وقتها.
دعك من كل تلك النظرات التي توجهت لناحيتنا، وتَجمد الزمن لحظيًا وقتها.
دعك من رين التي قالت: " اوه، ذكر اسمك " بنبرة صوت غير متفاجئةٍ على الإطلاق.
دعك من كل هذا، وركز مع عقلي الذي انطفأ لحظتها وسمح لوعيي بالسباحة بعيدًا عني.
" إيه؟ "
كنت فخورًا وقتها، بقدرتي على إخراج صوت كهذا، ونطق هذه الكلمات.. حتى وإن كانت عديمة المعنى.
—
" قامت إدارة الأكاديمية بإختيار فريقين من هذا الفصل بالإضافة لطالبين كذلك… "
من بعد نهاية الإعلان، وقبل إنتهاء المعلم من ذكر أسماء بقية الطلاب المشاركين، قمنا بالإنسلال بحذر من بين الجموع، وهربنا ناحية غرفتي بمهجع الطلبة.
" ولكن شيرو.. الا تبدوا غرفتك طبيعية جدًا؟ " سمعت هيرومو وهو يطرح ذلك السؤال.
" أهذا ما يهمك الآن؟!! " قبل ان تصرخ عليه هوشي بشكل هستيري قليلًا.
لا عجب إن انفلتت اعصابها قليلًا فقد تم إختيار فريقها للمشاركة بعد كل شيء.
" لا.. هذا كثير بعد كل شيء.. " تمتمت بهدوء، سامحًا للتعويذة بتهدئة أعصابي التي حُرقت قبل لحظات فقط.
" شيرو؟ هل أنت بخير؟ " تداخل صوت شاليتير الناعم مع مفعول التعويذة ليعطي مفعولًا أفضل بمراحل.
" أنا بخير ولكن…يخيفني كيف تحافظان انتِ وشين على هدوئكما بالرغم من ان فريقنا قد تم إختياره للمشاركة بالمسابقة " قلت وأنا اخرج من وضعية الإنكماش التي كنت بها لفترة من الوقت، قبل ان اعاود رفع بصري وأنظر إلى المجموعة التي تقف أمامي الآن.
".. فريق هوشينو، هيرومو وإسحاق. بالإضافة لفريق شين، شاليتير.. وأنا. ليس ذلك فحسب، بل تم إختياري رفقة شين لأجل المبارازات الفردية كذلك….هل هذه دعابة من نوع سمج ما؟ " ناظرًا للأعضاء الذين اجتمعوا تمامًا قبل ان يتم الإعلان عن أسمائنا معًا، وكأن القدر كان يمازحنا بطريقة ما. وضعت يدي على رأسي مجددًا، وانا أستشعر صداعًا قريب الوصول.
" سأكذب إن قلت بأنني لا أشعر بالتوتر هنا " سمعت إسحاق الواقف، والمنحني قليلًا بسبب السقف القصير بالنسبة له، وهو يعبر عن قلقه.
" لا.. يمكنني تفهم سبب هدوء شاليتير وشين نوعًا ما، وربما انت وهوشينو تبدوان متوترين فعلًا، ولكن ماذا عنه؟ " قلت مشيرًا إلى الشخص الوحيد الذي لم يكن متعرقًا هنا، ولا تبدوا عليه علامات التوتر إطلاقًا.
" أنا؟ " مشيرًا لنفسه، بينما يقوم بإمالة رأسه بشكل أحمق. بدا الجاني متسائلًا ببرائة عن جريمته.
"… لقد فقد وعيه بالفعل. " حينها، سمعت تلك الإجابة وهي تخرج من شين.
الإجابة التي لم ترضيني مهما فكرت، وأجبرتني للنظر لهوشي، طالبًا بعيناي تفسيرًا أفضل.
وفوريًا، وكأنها قد نجحت بقرائة نيتي، سرعان ما خرجت من هوشينو " آه! " صغيرة قبل ان تقول: " أجل! لقد فقد وعيه! " وتعيد نفس الكلمات التي قالها شين ولكن بنبرة حيوية أكثر.
هل يمزحون معي؟
أيعقل بأنهم لا يستطيعون قرائة الأجواء فعلًا ويحاولون المزاح حقًا؟ الآن من بين جميع الأوقات؟
ربما أثر ذكر اسمائهم بشكل أقوى مما ظننت.
في الحقيقة، أتمنى ان يظهروا القليل من الفزع حتى لا أشعر بأنني الشخص الغريب هنا.
أخيرًا، قادتني نظراتي المتشبعة بالحيرة.. نحوا أملي الأخير، أملي المرتفع بالسماء بعيدًا عن بقيتهم، إسحاق.
ناظرًا إلي من الأعلى، لم يقم العملاق بشيء سوى النظر ناحية هيرومو الذي كان جالسًا بهدوء على السرير، وفقط بتبادل الأنظار معه لجزء من الثانية، أعاد إسحاق النظر ناحيتي مجددًا.
" هيرومو يمتلك مرضًا إنفصاميًا نادرًا بجيله. "
" مرض؟ "
" تمامًا. "
دفعتني تلك الكلمات إلى النظر ناحية هيرومو، الذي كان يجلس بشكل طبيعي جدًا، ولكن هادئ للغاية على غير عادته بالطبع.
" هل هو مرض يجعله صامت أكثر او شيء ما؟ " بنبرة غير ساخرة، على الرغم من أن كلماتي تبدوا كذلك. أشرت بإصبعي نحوا المريض المذكور، وأنا أفكر بجدية بشأن نوعية المرض الغريب الذي يتحدث عنه إسحاق.
بالطبع، كان السبب الوحيد الذي جعلني لا أفكر بالسخرية من أي كان الشيء الذي يسبب حالة الهدوء الغريبة هذه، لصاحبه غير الهادئ عادةً، هي تجربتي مع لعنة شاليتير القديمة.
ولكن، وربما كانت حالة شاليتير غريبة، ومليئة بالكثير من الحزن، الا ان حالة هيرومو هنا… كانت شيئًا آخر فقط.
" هيرومو هنا… يعاني من نوع من الإنفصامات التي تخلق له شخصية معاكسة لشخصيته الحقيقية. "
" معاكسة؟ "
" تمامًا. ولكن يكمن الفرق بينها وبين الحالات العادية من الإنفصام، بأن مقاييس طاقته ذاتها تنعكس على حسب حالته. "
بصوته الجهور الخشن، شرح لي إسحاق عن مقدرات هيرومو الحقيقية.
على ما يبدوا، يمتلك هيرومو نوعًا من الأمراض التي لا تؤثر على شخصيته فقط، بل تعكسها كذلك.
فبدلًا من تلك الشخصية المرحة والمتهورة التي يمتلكها، يتحول هيرومو إلى شخص أقرب لشين في الشخصية.
يكمن الفرق فقط بأن أحدهما يحافظ على إبتسامته المعتادة طوال الوقت، بينما الآخر لا يفعل.
وفي حالة هيرومو، يوجد إنعكاس آخر يحدث بخلاف إنعكاس شخصيته.
" جسده ومقدراته. بحال تعرض جسد هيرومو لأي هجوم ساحق أفقده وعيه، وانعكست شخصيته هناك، فسيشفى جسده بالكامل، ويعود وعائه الفارغ للإمتلاء ولكن بشكل مضاعف عن السابق، كما وستتضعاف حدة تحركاته وقوته العامة، وسيتغير اسلوب قتاله المتهور، لآخر حذر وشديد التركيز. بالطبع، يحدث عكس ذلك إن تعرض للإنفصام بحال كان بكامل قوته. "
بإختصار، يصبح هيرومو أقوى بضعفين ويتغير أسلوب قتاله بالكامل عندما ينهزم في أي معركة قوية، ويفقد وعيه جراء ذلك. ولكن لا تتغير خصائصه عندما يفقد وعيه وجسده سليم، بل تنعكس شخصيته فقط.
" هل هذا هو السبب الذي يجعله هادئًا هكذا؟ "
أمام سؤالي، أومئ الجميع بالموافقة، بالإضافة لهيرومو.. الذي اومئ رفقتهم بإبتسامة على وجهه.
هذا الفتى.. يملك سره الخاص كذلك هاه؟
لا أدري بصراحة إن كان سرًا أم مجرد معلومة معروفة لم أكن داريًا عنها لقلة إحتكاكي المباشر مع هيرومو.
على كل حال، أشعر بأنني بحاجة لتخصيص وقت أطول لمعرفة المزيد عن زملائي، وتقليل وقت الكتب.
" ولكن إختيار ستة أشخاص من فصل واحد.. لم يحدث هذا سوى مع السنوات العُليا صحيح؟ " عائدةً للموضوع الرئيسي، تحدثت شاليتير عن شيء مثير للإنتباه.
".. تم إختيار ثمانية من الفصل الأول بالسنة الرابعة لوحدها..بينما كانت نسبة الإختيار ببقية الفصول بين ثلاث إلى أربع طلاب بأفضل حال. حتى أن السنوات الخامسة لم يمتلكوا سوى فريقًا واحد وشخصين.." مستذكرًا الأسماء التي نُوديت سابقًا، بدأ شين يشير ببطئ لشيء غير إعتيادي قد حدث.
بالطبع، جميعنا فهمنا الشيء المقصود وقتها.
" السنة الرابعة يعتبرون الأقوى بالفعل صحيح؟ لذا كان الطبيعي إختيار معظمهم للمشاركة ولكن.. " قالت هوشي بينما تضع يدها على ذقنها وتفكر بشيء تظنه صعب التحقق بالواقع.
" يبدوا أن شيئًا يجول ببال المعلمين لإختيارهم فصلنا من بين كل تلك الفصول. " أخيرًا، تحدث هيرومو بنبرة صوت هادئة لم أسمعها منه من قبل، مشيرًا إلى شيء غامض يحدث.
من جانبي، أرى بأن شكوكهم في محلها بالطبع.
فبعد كل شيء، كانت السنوات الرابعة بشكل عام، تهيمن على اللوائح التي اهتمت بعرض أفضل طلاب الشهر، وأفضل مستخدمي التعاويذ، بالإضافة لأفضل مستخدمي مهارات.
فبينما كانت معظم الفصول تمتلك طالبًا أو اثنين متفوقين لدرجة تجدهم دائمًا ضمن قائمة أفضل عشر طلاب بلوائح معينة، كان طلاب السنة الرابعة على الجانب الآخر.. يحتلون ما تبقى من اللوائح.
بشكل أظهر قوة تلك السنة المكونة من فصلين فقط، على عكس باقي السنوات المكونة من ثلاث فصول، دائمًا ما ستجد مجموعةً من طلاب تلك السنة، يسيطرون على مقدمة او مؤخرة لائحة كاملة.
على سبيل المثال، لدينا لائحة تُنشر شهريًا وتجمع أفضل عشر مستخدمين لعنصر النار. ستجد أن أول ست طلاب باللائحة، هم طلاب من السنة الرابعة تحديدًا.
وعندما ننظر للائحة أفضل مستخدمي التعويذات السحرية، ستجد طلاب السنة الرابعة يسيطرون على المراكز من الخامس وحتى التاسع، بشكل متواصل دون تزعزع.
لهذا كان إختيار كم كبير من طلاب تلك السنة للمشاركة بحفل التتويج شيء منطقي، الا ان إختيارنا نحن.. من كنا لا نزال بسنتنا الثانية فقط، ولم يصقل معظمنا او غالبيتنا مهاراته، بينما لم يكتشف جزء آخر كيف يسيطر على تلك المهارات أساسًا.. شيئًا من المخاطرة والتهور، بالنسبة لشخص يخطط بحذر خلف الكواليس كرايهن.
" هل تظنون بأنهم يحاولون إختبارنا؟ " بمحاولةٍ لفهم أسباب الإدارة، وضعت هوشي ذلك الخيار على الطاولة.
" لن يحتاجوا لفعل هذا إذًا. يمكنهم إختبارنا بعدة طرق مختلفة خصوصًا وأنهم يتحكمون بالفعل بطريقة سياقة الإختبارات… كان شعورهم بالرغبة في الفوز بشكل ساحق قوي بما يكفي بعد كل شيء.." فقط لكي يقوم إسحاق بنفي ذلك الإفتراض بسهولة.
" اتعني حضور المعلمين؟ " حينها، قاصدةً الجزئية الأخيرة من حديث إسحاق، تسائلت شاليتير عن شيء قوي، شعرنا به جميعنا عندما كان المعلم إلوار يقوم بحرق وقوده عن طريق تحميس الجميع في الساحة.
" أجل.. لم أشعر من قبل بحضور مماثل لذاك منذ ان التحقت بهذا المكان… أفهم الآن كيف يتفاخرون بقدرتهم على مراقبتنا بكل لحظة. هذا جنون لا أكثر. إنتهاك للخصوصية فقط. "
حاكًا رأسه بقلق، بينما يقوم بالتحدث بنبرة مضطربة بعض الشيء، تسببت طريقة ذكر إسحاق للأمر بضحكنا جميعًا.
على الرغم من أنني اضحك الآن، إلا انني وفي ذلك الوقت.. شعرت كما فعل الجميع، بحضور ذلك الكم الهائل من المعلمين المتخفيين، وهم لا يمانعون إخفاء حماسهم وطاقتهم السحرية، كإشارة تدل على إستجابتهم القوية لخطاب المعلم إلوار، ورغبتهم الحقيقية بالفوز بالتتويج.
لم يؤثر على الطلاب فقط، بل قام بتدمير غطاء المعلمين كذلك.. حقًا ياله من ملقي مثالي.
" تحدثنا عن الأمر من بعد حدوثه لن يغير أي شيء. الآن وقد تم إختيارنا للمشاركة، علينا التركيز على محافظتنا على حقنا بالمشاركة مهما كلف الأمر. "
قافزًا للجانب الآخر قبل الجميع كما يفعل دائمًا، نهض شين من سريري بهدوء قبل أن ينظر إلي تاليًا بعينيه الحادتين، ولكن المليئتين بالمعاني والتصميم المطلق.
أجل أجل أنا أفهمك ولكن.. الا ترى بأنك تطلب الكثير مني الآن؟
متحججًا داخل عقلي ولكن ناهضًا من مجلسي على كل حال، وقفت بثبات قبل أن انظر نحوا الجميع.
اخذًا لنفس خفيف، حاولت التحدث بأفضل صوت ثابت أستطيع إخراجه.
" سنة رابعة ام أيًا كانوا، وحتى وإن أحضروا الأكاديمية رفقة معلميها جميعًا.. سنصل إلى ذلك الحفل، ونتوج أنفسنا بأيادينا أمام مرآى العالم بلا شك! " بشكل ربما لم يعهده أيًا من كانوا داخل الغرفة، قلت تلك الكلمات التي جعلتهم جميعًا ينظرون إلي بتعجب.
ربما أبدوا غريبًا الآن ولم أتقن الأمر بشكل جيد بعد. ربما لازلت أفتقر للمرونة التي يتمتع بها شين في حالات كهذه، إلا أنني.. وإن اردت تغيير العالم في نهاية المطاف، فلابد لي من تعلم التأثير بمن هم حولي اولًا، ودفعهم لعدم القلق او الإستسلام.
مواصلًا الوقوف، بينما أنتظر ردة فعلهم التي لم تتأخر كثيرًا، وجدت زاوية فم إسحاق، ترتفع ببطئ.
" للحظة فقط.. شعرت وكأن المعلم إلوار قد تجسد بهيئتك. " مبتسمًا بإرتباك، سرعان ما رأيت تلك الإبتسامة، وهي تتغير لواحدة واثقة.
" م-ما الذي—"
" ولكن أجل أتفق معك. سواءً كان إختبارًا أم لا، هذا لا يهم، فقد تم إختيارنا بعد كل شيء، لا خيار لدينا سوى الرقي لمستوى طموحهم فقط! " ضاربًا الأرض بقدمه العملاقة، الضربة التي سببت إهتزازًا طفيفًا بالغرفة، ونتج عنها خروج القليل من الغبار حول المكان، عبر إسحاق عن حماسته بطريقة حركت قلوب الجميع _حرفيًا_.
على الرغم من أنني نظفت المكان مؤخرًا فقط…
" لا يبدوا ان لنا خيارًا غير مواكبة التيار القوي. " بهدوء وعلى عكس رفيقه، نهض هيرومو كذلك من كرسيه.
" أجل أجل! لن يهزم أحد فريقنا! " كونها العضو الثالث والأخير بفريق هيرومو وإسحاق، قفزت هوشي من مكانها بحماس، قبل أن تنضم لرفيقيها.
" يبدوا أن كلماتك قد أثرت فيهم بشكل كبير. " خرجت تلك الكلمات التي اراحت صدري، من شاليتير التي نهضت من مجلسها كذلك.
" حسنًا.. يعود الفضل لشين بذلك "
لولم يخلق لي الفرصة المثالية للتحدث، لم يكن حديثي سيؤثر بهم لهذه الدرجة بالحقيقة.
حقًا بدأت أشعر بأنني بعيد كل البعد عن مستواه.
ولكن، وبوضع الحماس جانبًا، علي التفكير بخطة فورية، لمعالجة الوضع الحالي.
الآن ونحن المدافعين لا المهاجمين، لا نعلم متى سيقرر أحد التقدم. وبينما لم أعلم بعد كيف يتفق خصمان على القتال، وهل يجب علي القتال طوال اليوم أم لا، كان علي أن أضع اسوء التقديرات أولًا.
على هذا النسق، وبإفتراض أنني سأحتاج للقتال طوال اليوم، او ربما…ست مرات باليوم كحد أقصى، واضعًا إحتماليةً لوجود قاعدة تمنع أي فرد من القتال لأكثر من ست مرات باليوم – متمنيًا ذلك في الحقيقة – فهل يستطيع شين وشاليتير مواكبة هذا؟
لا بالحقيقة، هل أستطيع أنا مواكبة شيء كهذا أصلًا؟
بوضع وعائي الضخم في الحسبان، وكمية الخصوم الفرديين الذين سيتجوب علي مقاتلتهم، بجانب خصوم الفرق الآخرى.. هل أمتلك ما يكفي للقتال والفوز حتى أصل لليوم السابع والعشرين؟
ستة معارك في اليوم على الأقل، خصوم أقوياء، إنخفاض مستويات المانا لدى شين وشاليتير.. وإمكانية إنخفاضها لدي.. هل سنستطيع تحمل كل هذا لمدة سبعة وعشرين يومًا حقًا؟
مازلت حتى اليوم أتذكر أول هزيمة تعرضنا لها.. وأسوء هزيمة… حين تعرض شين لتلك الإصابة البالغة.. وقُتلت شاليتير.
لم يعقب ذلك سوى جذبي لأنظار ملك هذه المملكة، وتحطيمي لأعدائي بشكل لم يجد فيه أحد جثثهم بسهولة.
بوضعي نفسي على الجانب، والتفكير بإحتمالية وجود خصوم في هذه الأكاديمية بمثل قوة ذلك الرجل…
ربما قام وقتها بإستخدام حيلة ما لخداع شين وشاليتير، خصوصًا لأنني قمت بقتله بضربة واحدة فقط.. ولكن هل يوجد أحد بمثل قوته هنا فعلًا؟
التفكير بكل هذا.. مجهد حقًا.
( ربما ينبغي لك القلق على ذاتك أولًا قبل رفاقك، الا تظن ذلك سيدي؟ "
القلق على نفسي؟
" آه صحيح! بمناسبة الحماسة، شيرو! " حينها، مقاطعةً لحبل أفكاري سمعت صوت هوشي وهي تنادي بإسمي.
" ما الأمر..هوشي؟ " آخذًا القليل من الوقت لنطق إسمها، الذي لم انادي به من قبل، قامت الفتاة على الجانب الآخر فجأةً، برفع يدها اليمنى، والإشارة نحوي بإصبعها السبابة.
" أنا أتحداك في منافسة على حقك للمشاركة في حفل التتويج! " مشيرةً نحوي، بينما تعتلي وجهها إبتسامة عريضة، لم أشعر رغم ذلك بذرة مزاح فيها، كصاعقة ضربت رؤوسنا جميعًا، وجعلتنا نحن الأربعة جميعًا رفقة شين… نصرخ بـ " هاه؟ " بشكل متناغم.
" إ-إيه؟ ما ردة الفعل المتناغمة هذه؟ " متسائلة بعفوية، وكأنها لم تكن السبب في سقوطنا لمثل هذه الحالة منذ البداية… تسائلت هوشي عن الأمر الصادم بطلبها.
"م-م-ما الذي تتحدثين عنه يا فتاة؟!!! هل فقدتِ عقلك بسبب الحماسة أو شيء كهذا؟!! " صارخًا، بقوة….. بينما يقوم بإمساك هوشي من أكتافها وهزها بقوة شديدة، لم يكن الشخص الذي فقد أعصابه بطريقة ناسبته للغاية، سوى هيرومو.. الذي يبدوا بأنه قد عاد لوعيه الطبيعي.
" اووه، أهلًا بعودتك هيرومو! "
" لا تقولي لي ذلك! ما الذي تفكرين به الآن هاه؟! "
" ما أفكر به؟ ولكن، أليس ذلك واضحًا بالفعل؟ شيرو~" قالت بينما تنظر نحوي بإبتسامة مخادعة.
لا لا تنظري لي هكذا، لن أفهم ما تقصدينه بهذه السهولة حسنًا؟
" يملك الجميع حق تحدي المشاركين بالتتويج صحيح؟ ولا أذكر وجود قاعدة تمنع تحدي المشاركين بالمعارك الجماعية لأولئك الذين يقاتلون لوحدهم لذا.." منهيةً حديثها، نظرت هوشي بعدها نحوا شين، الذي لم يقم بالرد عليها مباشرةً.
في الحقيقة، لا أذكر سماعي لأي قاعدة تتحدث عن منع المشاركين من تحدي بعضهم البعض، حتى الذين كانوا بنفس المسار.. ولكن ألن يعني هذا بأن هوشي تريد..
".. إذن، تقولين بأنكِ تريدين تحدي شيرو على مركزه؟ " من بعد صمت دام لبضعة ثوانٍ، أجاب شين بنفس الإجابة التي توصلت لها.
" مووه، أليس هذا ما قلته في البداية فقط؟ ولكن، يسعدني رغم هذا أن تكون أول من يفهمني، كعادتك تمامًا أيها القائد~" بصوتها الحاد القريب لصوت الأطفال رغم عمرها، أكدت هوشي كلمات شين فقط.
إذًا.. هي تتحداني فعلًا.
اتسائل.. ما الذي يفترض بي فعله في حالة كهذه.
وأنا الذي كنت قبل لحظات فقط، أفكر بشأن التحدي القادم.
ولكن شعوري بالأمان هنا بالداخل، منعني من رؤية هجوم محتمل قريب.
لا شعوريًا، وجدت نفسي أنظر بإتجاه شين، من وجدته ينظر نحوي كذلك، وكأنه يخبرني بأن أهتم بالأمر بنفسي هذه المرة.
ألست قاسيًا قليلًا بطلبك هذا الآن؟
" سماوي " حينها، سمعت صوت تنهد صادر من الأعلى، من إسحاق، الذي قام بحركة واحدة غير متوقعة، بحمل هوشي من رقبة قميصها، ورفعها عاليًا.
" م- ما الذي تفعلهالآن؟! أ-أنزلني أرضًا قبل أن أسقط! "
" لن يحدث هذا… شيرو، نعتذر إن قامت هذه الحمقاء بقول كلام غير مفهوم. إنها تفعل هذا أحيانًا دون قصد منها " وجدت إسحاق يعتذر على تصرفات هوشي، حانيًا رأسه قليلًا نحوا الأسفل.
" ك-كلام غير مفهوم؟! ما الذي تتحدث عنه يا—هم؟ أمممم!!! " متحركةً بالأعلى، كانت هوشي تتحجح وتتحرك بجسدها يمنى ويسرى لعلها تنفك من قبضة العملاق، ولكنها قُبلت بهجوم آخر غير متوقع.
" صحيح ما يقوله إسحاق. حتى وإن كانت جادةً فيما تقول فهذا لا يعني بأن حديثها صحيح كذلك. لذا شيرو، يمكنك تجاهله فقط صحيح؟ " مظهرًا وجهًا معتذرًا هو الآخر، بينما يقوم بوضع يده حول فم هوشي، ضاغطًا هناك بيده كالكماشة تمامًا.
تمزح؟ هل يقولان بأن هذه الفتاة هنا كانت تمزح فقط؟ لسبب ما، لا أستطيع تصديق ذلك فقط.
خصوصًا عندما رأيت ذلك التصميم المحفور بعينيها.
لأي سبب كانت تخفيه، ما دفعها للتقدم وتحدي شخص مثلي على مركزي، على الرغم من أنها مشاركة في المسابقة رفقة شريكيها كذلك، حيث أمكنها أن تلمع بشكل أفضل من قتالها بمفردها.
بينما كان إسحاق وهيرومو يحاولان إسكات هوشي، بطرق جعلتها تصرخ أكثر فقط.. كنت أفكر بالسبب الذي جعلها تضع نفسها بهذا الموقف منذ البداية.
ما الذي ستجنيه من مقاتلتي في نزال؟ هل تظن بأنها قوية بما يكفي لهزيمتي فقط؟ هل سبب كهذا يمكن بأن يكون دافعها الحقيقي؟
لا، ربما لم أكن صديقًا مقربًا لهذه الفتاة ولم يكن لي أي إحتكاك مباشر معها، الا انني أشعر بأن سببًا تافهًا كهذا، لن يدفعها لفعل ذلك فقط.
" ما المشكلة بالأمر؟ بالطبع، يمكننا القيام بهذا إن ارادت هوشي ذلك. " حينها، سمعت الصوت الوحيد.. الذي نادرًا ما شارك في هذا النقاش.
سائرةً برشاقة وخفة ستجعلك تشك بأنها تسير في الأرض فعليًا، دافعةً ذلك الشعر للتمايل بهدوء، اخذت شاليتير بضعة خطوات للإقتراب والوقوف بجانبي بهدوء.
ملقيةً علينا بستار شفاف من الصمت لقليل من الوقت، نظرت شاليتير نحوي، بتركيز شديد نحوا عيناي، دون ان ترمش او تهتز عيناها كما كانتا تفعل قديمًا، سرعان ما استقبلت الكلمات التي كانت تحاول إيصالها بوقوفها بتلك الطريقة.
هذه الفتاة.. متعبة بحق.
" إيه؟! الا تمانع الأميرة بذلك؟! " بحماس، من بعد هروبها من قبضة هيرومو بشكل ما.. صرخت هوشي بتلك الكلمات.
" بالطبع. لا أرى سببًا يمنعنا من فعل ذلك. اليس كذلك، شيرو؟ " جهرًا هذه المرة، طرحت شاليتير علي ذلك السؤال، وهي تنتظر إجابةً ترتقي لتوقعاتها.
بوجه سؤالها هذه المرة، لم أقم بشيء سوى الإبتسام بشكل مضطرب، والتنهد قليلًا.
".. تسألينني بالرغم من أنكِ تعلمين الإجابة بالفعل.. حقًا ما الذي جرى لشاليتير التي أعرفها؟ "
" اوه؟ اتفضل النسخة القديمة مني يا ترى؟ " كرد على سؤالي، وجدتها تطرح علي سؤال مباغت أكثر.
القديمة أم الجديدة تقولين..
حسنًا وإن وضعت في موقف لإختيار أيهما، فسأكون بورطة حقيقية بالواقع خصوصًا وأنني لا أعرف الأشياء التي تتوقعها شاليتير الحالية مني.
ليس الأمر وكأنني أعلم عن شاليتير السابقة الكثير، ولكن لنقل بأنني كنت أفهم مشاعرها بشكل أفضل.
او هذا ما كنت سأقوله، إن طرحت علي هذا السؤال قبل أن انظر لتلك النظرة التي اعتلت أعين شاليتير قبل قليل.
تلك النظرات المحمرة.. تلك النيران المشتعلة داخلها.. لم تكن سوى نيران التحفيز التي أرادت شاليتير نقلها لي لجعلي أتحرك من المربع الذي أقف به.
إن كانت شاليتير تلك، والتي لم تكن تعرف كيف تخطوة خطواتها التالية بلا تردد، أصبحت هي الآن من يسحبني للسير، الا يجعلني هذا مثيرًا للشفقة فقط؟
" إن كنتِ ستجبرينني على الإختيار.. " إن اصبحت لا استطيع التحرك نحوا مستوى آخر، إلا بالإتكال على الآخرين، فكيف لي ان اغير عالمنا هذا؟
ربما يمكنني ان اسمح لهم بخلق الفرص لي من تلقاء انفسهم، لكن لن أسمح لأحدهم بدفعي.
ولن أسمح لنفسي بالتوقف كذلك!
".. بهذه الحالة.. سأضطر لإختيار شاليتير فقط. لا يهم إن كانت شاليتير بشخصيتها القديمة ام الحالية، في النهاية..سأختار الخيار الذي يقودني إليكِ." قلت تلك الكلمات، من بعد أخذ نفس خفيف، أعاد ضبط خيط أفكاري.
من جهة شاليتير، من اختفت إبتسامتها من وجهها للحظة، واُستبدلت بلطخة وردية خفيفة ظهرت في خديها، قبل ان تلمع عيناها المشتعلتان، ويخف وميض تلك النيران المصممة بهما، عادت شاليتير للإبتسام ولكن بشكل أعرض هذه المرة، دفعها لإغماض عينيها.
" إجابة مراوغة ولكن مقبولة… أجل مقبولة تمامًا. " بصوتها الرنان، تقبلت شاليتير إجابتي.
لم يتبقى الآن سوى..
" واذًا؟ متى سنخوض ذلك النزال؟ " ناظرًا نحوها بالأعلى، من كانت تحمل نظرات متفاجئة من بعد رؤية المشهد المحرج قليلًا.. والذي حدث قبل قليل، سرعان ما عادت الإبتسامة لوجه هوشي من بعد سماعها لكلماتي.
" هيييه، فقط لأن الأميرة قامت بدفعك قليلًا من الخلف، أصبحت الآن بهذه الثقة~؟ هل كان الأمر دائمًا هكذا بينكما؟ انا اتسائل~"
" لا يهمني ما تعتقدينه برأسك الوردي ذاك. ما يهمني هو ان تسرعي بإتخاذ قرارك فقط. فإن لم تقومي بتحديد الموعد قريبًا، لن أجد وقتًا لك بعد الآن فبعد كل شيء.. انا إنسان مطلوب من قبل الأكاديمية بأسرها كما تعلمين.. " مشيرًا نحوا باب غرفتي بإصبعي، الباب الذي لم يكن أي احد خلفه في الحقيقة، وبقي هكذا لفترة قصيرة من الوقت.. قبل أن نسمع جميعنا صوتًا غريبًا في البداية، كان بعيدًا عنا بعض الشيء، ولكنه واصل بالإقتراب أكثر وأكثر بسرعة كبيرة جعلتنا نستوعب مباشرةً معناه.
اذًا، لقد وصلوا أخيرًا.
" هذا.. "
" صوت.. خطوات؟ " مصيبًا الهدف، ولكن قبل ان يتأكد من أقواله أكثر، اصطدم شيء بباب غرفتي بقوة كبيرة جعلتني أظن للحظة بأنه قد خُلع من مكانه، قبل ان يتبع ذلك الإصطدام المجهول، صوت صرخات متعددة، كانت جميعها تطالب بشيء واحد لا غير.
" اوي شيرو! أخرج من تلك الغرفة الآن!! "
" لا داعي للإختباء بهذا الشكل ففي النهاية سأقوم بهزيمتك لذا أخرج الآن!! "
" ابتعدوا عن طريقي بحق الجحيم انا من سيقوم بهزيمة إستريديوس اولًا!! "
بصعوبة بسبب كثرة الصرخات، استطعت فهم تلك الكلمات وهي تطالب بخروجي.
( هغم… أحدهم… أحدهم نعتك بإسم إستريديوس..!! )
أجل.. سمعت ذلك أيضًا..
سمعت صوت رين وهي تنفجر ضحكًا داخلي من بعد سماعها لأحد الحمقى الذين لا يعرفون خطورة صاحب ذلك الإسم.
حقًا… هل يقوم المدير بعمله بشكل صحيح حقًا؟ أتمنى بأن لا يقوم بنشر أي إشاعات آخرى تقودنا لزاوية سيئة.
" يبدوا ان وقتكِ قد أصبح أقصر الآن، هوشي " قلت بوجه الفتاة التي حملت وجهًا مصدومًا بشكل كاد يجعلني أنفجر من الضحك بدوري.
لالا مهلًا، لا يجب علي تدمير هذا الجو المثالي الذي قمت بصنعه الآن.
فكرت وانا اتذكر إستشعاري لا الإرادي، وبفضل مهارة {الحدس} المضاعفة، بإقتراب الطلاب من غرفتي وبسرعة كبيرة نسبة لإستخدام بعضهم، لمهارات سحرية لأجل تخطي بقية زملائهم والوصول مبكرًا إلي.
ولكن كيف علموا بأنني هنا من الأساس؟
" لا تحاول تجاهلنا اوي!! رأيناك وأنت تنسحب رفقة شين إلى هنا!! شين!! أعلم بأنك تستطيع سماعي! أخرج وسلم حقك بهدوء قبل أن أقوم بتفجير الباب اللعين!! "
وكأنه قرأ عقلي بشكل ما، أجاب احد الطلاب، من الجانب الآخر بالباب.
" تبدوا مطلوبًا كذلك هاه؟ " قلت وأنا انظر إلى شين، الذي حمل وجهه الخالي من التعابير كعادته، قبل أن يقول بهدوء: " لن يطول الأمر قبل إضطراري لمواجهتكم على أي حال " دون ان يظهر أي ذرة من القلق أو التوتر.
حقًا، لا أنفك اندهش من هدوء أعصابه حتى بمواقف كهذه.
" اوه، لا يبدوا بأنني املك الكثير من الوقت هاه؟ " مستوعبةً الوضع، قامت هوشي تاليًا بوضع يدها على الجانب، قبل ان تقوم بسحب سلاح.. او مسدس صغير من الهواء، وتقوم بتصويبه ناحية يد إسحاق الممسكة بياقة قميصها من الخلف.
مهلًا—
" يمكنك الإستمرار بإمساكي لوقت أطول إن اردت، ولكنني لا أستطيع البقاء لطيفةً للأبد حتى مع أفضل أصدقائي كما تعلم~؟ " دون أن تسمح له للرد عليها أو إفلاتها، قامت هوشي بسحب الزناد دون تردد، الشيء الذي نتج عنه تاليًا صوت الإطلاق العالي، والوميض الأبيض الذي شوش بصرنا لجزء من الثانية وجعلني أخفي عيناي خلف ذراعي.
" إسحاق!! "
صارخًا لا شعوريًا، أعدت النظر نحوا المكان الذي كان يقف به، متوقعًا منظرًا سيئًا مليئًا بالدماء على الأقل… ولكن سرعان ما خابت توقعاتي وأنا أنظر إلى تلك الطاقة الخضراء، وهي تخرج من كف يد إسحاق التي كانت ممسكةً بهوشي.
" ما—" مصدومًا، لم أجد كلمات لقولها وأنا انظر إلى قبضة إسحاق المنقبضة، والتي انبسطت تاليًا، مظهرةً بداخلها رصاصةً صغيرةً سليمة.
هل استخدم طاقته لإيقاف الرصاصة؟
هذا ما يبدوا.
" هوه هووه، تمامًا كما هو متوقع من إسحاق~"
على الجانب الآخر.. وجدت هوشي، المختلة.. وهي تقف على قديمها، حاملةً لذلك المسدس بيدها اليمنى.
" وبما أننا انتهينا من هذا هنا، حان الوقت للإنتهاء من هؤلاء كذلك…! " تاليًا، لم تكن حركة هوشي الآتية سوى الدوران لنصف دائرة بشكل إستعراضي جعلها تقابل باب غرفتي، وتشير ناحيته بمسدسها… الباب الذي بدأت تظهر تكسرات خفيفة من حوله، على الجدار بالأعلى والأسفل وكلا الجانبين، نتيجةً للضرب المستمر عليه بقوة كادت أن تكسره.
وأمام هذا الباب المحتضر، سمعت هوشي تقول بهدوء " ألف رصاصة من رصاصة " قبل أن تظهر دائرةً سحريةً وردية اللون أمامها، ودون إنتظار اي لحظة آخرى، قامت هوشي بسحب زناد مسدسها، فقط لكي تخرج رصاصة واحدة بسرعة كبيرة، وتخترق الدائرة السحرية من منتصفها.. وتخرج من الخارج بذات شكلها ودون أدنى تغيير في خصائصها.. ولكن أصبح عددها المرئي لنا فجأةً، وكأنه وهم نراه أمامنا.. لا يعد ولا يحصى.
لا حاجة للقول بأن نتيجة ذلك الهجوم، لم تكن سوى إنطلاق تلك الرصاصات اللانهائية، وإختراق الباب دون معاناة، قبل ان تصطدم بمن هم خلف الباب، وتتسبب بتحول أصوات الصرخات الغاضبة غير المتوقفة، لصرخات متألمة بقسوة، لم تستمر طويلًا قبل أن تتوقف نهائيًا عن الصدور
أمام الهدوء المخيف الذي خلفه إنتهاء هجوم هوشي الذي لم يبقي أحدًا واقفًا كما كنا نرى، سمعنا وقع خطوات ثنائية وحيدة، وهي تسير من جانبنا قبل أن تتوقف أمام مكان الباب الذي لم يعد له أثر بعد الآن.
واقفةً هناك، بطولها القصير وشعرها الوردي المزين بقرط صغير على شكل زهرة بيضاء اللون. بينما كنت أنظر إلى ظهرها صغير الحجم وإلى الأجساد الملقية بكل مكان أمامها بالتناوب، لم تقم الفتاة التي تركت إنطباعًا لا يدل سوى على الجنون بنفسه على قلبي، بشيء سوى الإلتفات نحوي بسرعة، مشيرةً نحوي دون أي شخص آخر، بسلاحها الذي أسقط كل اولئك الطلاب، الذين لم يكونوا سوى طلابًا بمستويات رفيعة.
" لا يبدوا لي بأنك ستكون منشغلًا بأحد غيري الآن. " مبتسمةً، لم تخرج من تلك الفتاة، التي صنعت هذا المشهد المخيف منذ لحظات، سوى كلمات بسيطة ولكن قوية كتلك، بنبرة صوتها العادية تمامًا. بينما كانت عينيها الوردية كلون شعرها، تلمع بوميض لا يهدأ.
".. ويبدوا بأن وقتي معكِ لن يكون يسيرًا على الإطلاق. "
" أتمنى ذلك من كل قلبي! "
أمام هذه الفتاة التي أرتني جانبًا مهووسًا منها.. لم أشعر حقيقة بصدري، سوى بحماسة كبيرة.