| المتحدث: شيرو.
ما أسوء شيء يمكن ان يحدث عندما تقرر تغيير العالم وانت لا تملك أدنى خبرة بالسيطرة على حياتك الخاصة؟ حسنًا، انا بخضم إكتشاف الإجابة.
او بالأحرى، لقد وجدت الإجابة بالفعل.
" هذا.. لا ينفع " قلت متنهدًا وأنا انظر إلى غلاف كتاب يتبع لسلسلة كتب طويلة، استغرقتني ثلاث اشهر لإكمالها.
ولكن، ومن بعد الإنتهاء من قرائة كل تلك الكتب والمجلدات التي فاق فيها حجم المجلد الواحد، الخمسمائة صفحة، اكتشفت بأنني فعليًا قد اضعت وقتي بقرائة هذه الكتب.
(هم، ربما أنت لا تذكر، ولكنني واثقة من أنني قد سألتك فيما إن كانت هذه الكتب ستقدم أي شيء جديد.)
لحظتها، وبالوقت الذي يصمت فيه معظم الناس الطبيعين او يتحركون لقول شيء قد يرفع من معنوياتي التي أصبحت لا أشعر بوجودها، ستجد رين، من لم تكن طبيعيةً ولا بأي شكل، تستغل الفرصة لتذكيري بأحد اخطائي التي كما قالت، لم اتذكر إقترافي لها.
بعد كل شيء، رين تقول الكثير من الأشياء غير المنطقية، وغير المفيدة كذلك، لذا من الطبيعي ان تجدني أتجاهل كلماتها ببعض الأحيان حتى وإن كانت تتحدث بنبرة جادة نادرًا ما أسمعها.
ولكن هذه المرة..لقد كانت محقة.
لا، لماذا يزعجني إعترافي بأنها محقة هنا؟
( سيدي..لطالما كنت جاحدًا ناكرًا للمعروف كما تعلم، لدرجة لم أعد اتفاجأ فيها عندما تنكر فضلًا قدمته لك. اترى؟ حتى انني لا أشعر بالتفاجئ الآن.)
على الرغم من انها تقول هذا الآن، وبنبرة صوت غير متغيرة، ولكن طبيعية جدًا، أستطعت إستشعار طاقة كئيبة تصدر من أسفل رأسي مباشرةً، لدرجة لا أرغب فيها بالنظر للأسفل ورؤية ما يُغلى هناك.
كالعادة، كان الكتيب الناطق الذي اُعتبر كسلاح مطلق استخدمه إمبراطور السحر فيما مضى، يعبر عن مشاعره بوضوح.
(… لماذا تتحدث عني بصيغة المذكر.. )
"آه، اعتذر عن ذلك، هذا خطئي " قلت محاولًا إظهار اسفي بأفضل طريقة ممكنة، ولكن لا يبدوا بأنني قد نجحت بذلك نسبةً لشعوري بإزدياد معدلات الحرارة في الأسفل.
لا.. ستذوب ثيابي إن واصلتِ الغليان هناك.
لحسن الحظ، كنت اجلس بطاولة بعيدة عن أنظار البقية، وإلا لتسائل أحدهم لما يحمل شيرو مصباحًا بنفسجي اللون داخل قميصه.
حسنًا ربما كان هذا سؤالًا مبالغًا به قليلًا، ولكن أعتقد بأن منظري من الخارج يبدوا هكذا بالفعل، وعلى أي حال، كانت المبالغة الحقيقية هي إكتشاف احد بهذا المكان، حقيقة وجود رين.
فبعد كل شيء، وبالمكتبة هنا، ستجد الجميع يركزون على قرائة الكتب فقط. وبينما لم تكن المكتبة نفسها مزدحمةً بمعظم الأحيان، فالجلوس بمكان بعيد عن الأقلية التي ستجدها تفضل الجلوس بالمنتصف وقريبًا من الأرفف التي تحمل معظم الكتب الشهيرة، سيجعلك تحظى بخصوصية تامة على الغالب.
"ولكن كل هذا لا يغير حقيقة هذا المأزق.. " قلت من بعد أخذ نظرة فاحصة على المكتبة، قبل ان اعود ببصري إلى النظر إلى الكتاب الضخم، الموضوع أمامي.
بلا حول، وجدت نفسي اتنهد مجددًا قبل ان يسقط جسدي بإستسلام فوق الطاولة.
فقط، من كان يعتقد بأن تاريخ العالم عديم فائدة لهذه الدرجة؟
بالحقيقة، كنت أعلم بذلك مسبقًا، ووفقًا للكتيب الذي عاصر إمبراطور السحر، والذي كان يجمع الكثير من المعلومات عن العالم على الرغم من انه كان مدفونًا عميقًا أسفله، وبجزيرة تبعد كل البعد عن مركز العالم، الا ان رين أخبرتني بالفعل بمجمل الوضع الذي كان يحدث بمعظم الممالك سابقًا، وبالعصر الجديد كذلك.
( بإختصار. كان العالم بفوضى عارمة وحروب لا تنتهي بين إستريديوس وحكام الممالك، ومن بعد التوحيد، عاش العالم بسخاء لفترة وجيزة قبل ان تتفكك الإمبراطورية ويعود العالم للسقوط في نزاعات متعددة ومتفرقة، وكل ذلك كان تمهيدًا لحرب عظيمة آخرى، قادت العالم لحافة الهاوية، وأنهت وجود عدة أصناف وفصائل مختلفة، قبل ان تنهض مجموعة معينة وتنهي تلك الحرب ويبدأ عصر السلام الحالي. ممل جدًا الست محقة؟ ) بطريقة اختصرت فيها رين شرح أحداث دارت على الغالب في الـ700 عام الماضية، لم أجد نفسي وقتها مقتنعًا بما قالته، وقادني هذا للبحث والعثور على سلسلة الكتب الوحيدة والمكونة من سبع كتب، تحدث كل كتاب فيها عن عصر معين من عصور العالم، إبتداءً من عام 40 ق. إ. س وحتى عام 780 إ. س.
بشكل مفصل ولكن ليس لتلك الدرجة المطلوبة، تحدث الكتاب عن تاريخ ولادة إمبراطور السحر إستريديوس بعام 40.ق.إ.س، ولم يذكر رغم ذلك كيف ترعرع او من اين تحصل على قوته الهائلة، وفجأةً قام بنقلي إلى حروب خاضها الإمبراطور مع حكام آخرين بغرض الإستلاء على ممالكهم وتوحيد العالم، مظهرًا الإمبراطور كبطل يئس من ظلم العالم، وأراد توحيد العالم بأكمله تحت راية واحدة لتحقيق سلام عادل، وحياة يسيرة للجميع.
بالطبع، وقتها ظننت بأن الرجل يبدوا كبطل حقيقي، مطبق للعدالة وربما شخص ينبغي على الجميع ان يحذوا حذوه، الا انني وقتها، وفقط عندما قرأت تلك النصوص التي تشير وتمتدح بطولة إستريديوس، نطقت رين بكلمات لازالت عالقةً حتى اليوم برأسي.
( حقًا، لن يتفوق أحد على بني جنسكم بأسلوب المدح عندما تبتغون ذلك، بخلاف ما إن كان المقصود يستحق المديح أم لا) سمعتها وقتها وهي تهمس بتلك الكلمات، ولكن بنبرة مشمئزة لدرجة لا تصدق.
وعلى الرغم من محاولاتي العديدة لسؤالها عن الذي قصدته بكلماتها، لم تجبني رين واكتفت بدفعي وبشكل غريب، لمواصلة قرائة الكتاب.
في النهاية، وحتى ومن بعد إنهائي لقرائة جميع تلك الكتب، لم أتعلم شيئًا عن إستريديوس او التاريخ الذي اردت معرفته، ولكن عوضًا عن ذلك وجدت نفسي مدركًا لكل اولئك الملوك والأبطال والممالك، التي كانت مجرد أنقاض بوقتنا الحالي.
بالطبع كان السبب الذي حولها لأنقاض الآن يكمن في ملوكها، ولكن لإستريديوس نفسه يد في ذلك على الرغم من ان بعض الممالك نهضت من بعد موت الإمبراطور.
( ماذا الآن اليس هذا كافيًا لك؟ اصبحت تعلم عن كل اولئك الحكام السابقين وممالكهم وسياساتهم بالحكم، الم تكتسب معرفة كافية بالفعل؟ لم أخالك تملك هذا النوع من الجشع يا سيدي..)
" هذا ليس جشعًا في البداية. وثانيًا، كان من الواضح ان كل تلك الممالك سقطت بالفعل على يدي إستريديوس رغم حكامها الفذين، وحتى الذين تلوا اولئك وأتوا من بعد ذلك العصر الفوضوي، لم يكونوا بحاجة لإظهار اي شيء من مقدراتهم لأن السلام قد بُسط بالفعل وقتها. لذا تعلم أي شيء عنهم كان مضيعةً للوقت فقط، تمنيت لو ذكرت المزيد من المعلومات عن إستريديوس وطريقة حكمه على الأقل.."
( اوه، انت تعرف ما تقول الآن هاه؟)
بشكل ما، لم أشعر بأنها تشعر بالسعادة او انها تفتخر بي، وعوضًا عن ذلك، أعتقد وبشدة بأنها تسخر مني فقط.
( ولكن اليس هذا جيدًا الآن؟ مقارنةً بما كنت عليه قبل شهرين، أصبحت الآن تعرف مقدمة رأسك من مؤخرتك. بالطبع، انا اقدم لك كامل دعمي، ولكن لن تعلم يومًا بما كنت أشعر به عندما أعلنت أمام ديرمد عن رغبتك بتغيير العالم، أتذكر؟ كانت لحظة فظيعة بحق~)
تمامًا كما شعرت، لم تكن تفعل شيئًا سوى السخرية من مشاعري هنا، على الرغم من أنني سيدها.
في الحقيقة، كان من الطبيعي ان تجد رين تمزح هنا وهناك وتقول كل تلك النكات القذرة بلا تحفظ، الأمر الذي يجعلني اتسائل دومًا عن الحدود التي كان إستريديوس يضعها لها، او في حال كان هو من علمها التحدث بتلك الطريقة منذ البداية، ولكن وعلى أي حال، ومادمت انا سيدها هنا، فقد سقط علي واجب ثقيل من اليوم الذي وافقت فيه على العقد الذي سيربطني معها لمدى الحياة. ويقتضي هذا الواجب بتهذيب سلوكها بأي طريقة أراها مناسبة من جانبي.
(هن؟ آه… لا..لحظة..) مستوعبةً بسرعة تظهر حضور بديهتها، استشعرت رين راحة يدي اليمنى وهي توضع أسفل غلاف كتيبها.
( أمم سيدي؟.. لقد كنت أمزح كما تعلم~؟ أنا أمزح فقط حسنًا؟ بالطبع انت تفهم ذلك الآن من بعد ان اكتسبت كل تلك الحكمة والمعرفة الواسعة..) استمعت لتلك الكلمات بهدوء، الكلمات التي خرجت بنبرة صوت مرتجفة ومتخوفة بشكل كبير، ولكن بالطبع، لم أكن لأسمح لذلك بالمرور علي.
" اذًا، اتقولين بأنني كنت أحمقًا وأهوجًا بالسابق؟ سيدكِ هذا كان كذلك؟ "
( آه..) مدركةً لخطأها بشكل متأخر، ولنيتي بعدم إظهار أي رحمة مهما قالت، اصبح صوت رين يائسًا أكثر وهي تحاول إعتصار الكلمات المناسبة لقولها: ( لا على الإطلاق! لن بجرؤ عقلي على التفكير بتلك الطريقة الفظة غير المناسبة لسموك على الإطلاق!) ووجدتها تستخدم كلمات مثل سموك والفظاظة، على الرغم من انني لست ملكًا او ذا جاه، وأنها هي نفسها أفضل مثال يؤخذ به عند الحديث عن الفظاظة.
كإشارة صغيرة ولكن واضحة على عدم إهتمامي بما تقوله رين، وأنني سأنفذ ما أرغب به على كل حال، أطلقت رياحًا خفيفة من راحة يدي اليمنى، الرياح التي ورغم إنبعاثها الخفيف، تسببت برفع الكتيب الصغير الذي كان يتدلى من رقبتي.
( ؟!!، لا أرجوك! أي عقاب إلا ذلك! سأفعل أي شيء مهما طلبت! فقط، لا تجعلني أشعر بذلك الشعور المقرف.. أفضل الموت على ذلك لذا أتوسل رحمتك ان ترأ—)
" إن كنتِ مستعدةً لهذه الدرجة لفعل أي شيء، لما لا تتوقفين عن المزاح بتلك الطريقة المزعجة فقط؟ " قلت بصوت خالٍ من أي رحمة به، قبل أن أضغط المزيد من الرياح للخروج من يدي، وبطريقة ستبدوا وكأنني أطلق الرياح داخل ردائي الخاص، لتبريد جسدي بشكل أصبح شائعًا بهذه الفترة نسبةً لدخولنا بشهر اللازورد الحار للغاية، أطلقت الرياح بطريقة معينة ستتسبب بجعل غلاف الكتيب يدور بإتجاه عقارب الساعة، وبشكل دائري غير ثابت السرعة.
( م-مهلًا هذا كثي-هقن!! أرغب بالتقيء ولكن رأسي يدور… أرجوك… سأموت إن واصلت هذا أكثر…)
" تقولين هذا بكل مرة ولكنك بالحقيقة مجرد قطة تملك سبع أرواح " على الرغم من انني عذبتك بهذه الطريقة لأكثر من سبع مرات بالفعل..
رين، الكتيب المليء بالغموض والذي اُستخدم كسلاح مطلق على يد إمبراطور السحر الراحل، إستريديوس.
فقط، من كان يعلم أن لهذا السلاح الذي يمتلك القدرات والتعويذات اللازمة بصفحاته لمحونا جميعًا رفقة العالم، يملك مثل نقطة الضعف الغريبة هذه.
تشعر بالدوار ولكن لا تستطيع التقيوء او تثبيت نفسها للتوقف، حقًا، وجدت نفسي ممتنًا لوجود طريقة يمكنني بها تهذيبها في حال إقترفت اي شيء خاطيء.
لا أرغب بالتفكير في كم ستكون حياتي بائسة إن كانت رين مطلقة وبلا نقطة ضعف.
من الجيد حقًا أن لكل شيء ثغرة.
—
من بعد مرور عدة دقائق على إنتهاء عذاب رين الذي استمر لنصف ساعة، لم أكن اسمع منذ فترة الآن، سوى كلمات الإعتذار الصادقة والمؤلمة، وهي تأتي من رين.
(اوووه رأسي~~ أنا آسفة حقًا لذا توقف من فضلك.. أترجى رحمتك..)
بتلك الطريقة، استمعت لصدى صوت اعتذارات رين وهو يتضخم داخل رأسي.
" إن كنتِ لا تحبين ذلك فسيطري على لسانك فقط.. " قلت وأنا أشعر بالقليل من الذنب على تعذيبها بتلك الطريقة بكل مرة.
بالطبع، لم أكن سعيدًا او كنت أستمتع بتعذيبها على الإطلاق، وأفضّل بالحقيقة لو أمتنع عن فعل ذلك بها.. ولكن وكأنها تملك عقل سمكة هناك عوضًا عن حكمة واسعة، دائمًا ما ينتهي بها الأمر بقول أشياء لا يفترض بها قولها.
ذكرني هذا بعض الشيء، بفتاة، طفلة صغيرة بالواقع، كانت تقوم بفعل أشياء لا يفترض بها فعلها، وتقول أشياء دائمًا ما فاجئت من حولها.
ربما كانت مقارنتها ببعضهما البعض شيئًا غير متوازن نوعًا ما، خصوصًا إن وضعنا أقوال رين ومزحاتها الفاحشية على جانب، كان أغرب وأسوء ما ستقوله تلك الفتاة الصغيرة، شيئًا مثل: " لن أزعج أحدًا لم يمسّني بسوء " بكل تلك الرزانة والتجليل الذاتي وكأنها إمبراطورة ما، قبل أن تأتي باليوم التالي، أشعثة الشعر، ملطخةً بالطين، وممزقة الثياب تمامًا وكأنها قد خرجت من حرب طاحنة، وتخبرني بأنها سحقت ثلاث أطفال أكبر منها بكلا البنية والعمر، فقط لأنهم لم يلعبوا معها عندما طلبت منهم ذلك.
"لا… لا يمكنكِ إجبار أحد على اللعب معكِ إن لم يرد "
" ولكنهم قالوا بأن التنافس معي سيجعل اللعب مملًا، ليس ذنبي انهم دائمًا ما يخسرون "
" رغم ذلك، لا يمكنكِ ضربهم فقط بتلك البساطة.. "
" هل أنت واثق من انك سمعتني بشكل صحيح؟ أخبرتك بأنهم قالوا أن اللعب معي ممل، لذا قمت بضربهم. أترى الآن؟ يوجد سبب واضح وحقيقي لضربهم "
" لا.. رغم هذا.. "
أمامها، لم أكن استطيع قول شيء سوى الإبتسام بتخاذل. تضرب الفتيان لأنهم يقولون بأن اللعب معها ممل.. بالطبع، كان ذلك أقل شيء يمكن ان يتسبب بإسقاط مطرقة عقابها غير العادلة على رأسك.
بينما كنت أستذكر بهدوء كل تلك الذكريات القديمة، وأشعر بذات الوقت بأن صدري قد بدأ يضيق ببطئ، ويمتلئ بنوع من السواد الضاغط غير المرئي، سمعت حينها صوتًا مألوفًا.
" شيرو..؟ "
وكأنه صوت جرس رنان صغير، خافت ولكن قوي بما فيه الكفاية لبعثرة أفكاري وإعادتي من أعمق حلم قد أسقط به، تبعت خط الصوت الآتي من خلفي، وفقط باللحظة التي دخلت فيها إلى محيط بصري، تعرفت على الفور على صاحبة ذلك الصوت المألوف.
" تبدوا شاحبًا بعض الشيء.. هل أنت بخير؟ "
قلقةً، مقتربةً بحذر، امتلئت حدقة عيني فورًا بذلك اللون الأحمر الياقوتي، لون شعرها الفريد الذي كان طويلًا ناعمًا بذات الوقت، متمايلًا مع كل خطوة تخطوها صاحبته، عُقدت منه خصلة واحدة طويلة على الجانب الأيمن بشكل أنيق، وكأنه يدعوا يدي للمسه وتمرير يدي من خلال خصلاته التي ستذيب يدي من فرط نعومته، وجدت عيناي لا إراديًا وهي تذهب مسرعةً لرؤية وجه صاحبة هذا الشعر المثير.
وهناك، عميقًا بعينيها البنفسجيتان، وجدت قلقًا واضح الملامح، اختبئ بخجل أسفل رموشها السوداء الكثيفة والطويلة، بينما أظهرت شفتاها المنضغطتان بقوة ببعضهما البعض، رفقة حواجبها الأنيقة والمستقيمة بالعادة، والتي أصبحت متكسرةً الآن، ذلك القلق بلا خجل.
" آه.. لا لا يوجد شيء مهم، شاليتير. "
أجبت من لم تكن سوى أميرة مملكة الإنباير بنفسها، شاليتير أكيديا.
" ولكنك تبدوا..قلقًا..هل حدث شيء ما؟ " ورغم إجابتي، لا تبدوا شاليتير وكأنها ستصدق بسهولة.
بالآونة الأخيرة، خصوصًا من بعد حدوث كل تلك المصائب بالشهرين الماضيين، وعودة شاليتير للحياة بشكل لازلت أُسئل منه حتى اليوم…أصبحت شاليتير تهتم بكل ما يحدث من حولي، وتهتم كثيرًا بالأشياء التي يمكنها ان تسعدني، وتبعدني بذات الوقت عن ما يمكن ان يزعجني.
بشكل داعب مشاعري دائمًا، لم توفر شاليتير جهدًا إلا وسخّرته لمساعدتي في تحقيق ما أريد.
بهدوء، اقتربت شاليتير وجلست بجانبي، وبينما لم يفصل بيننا سوى قماش الزي المدرسي الخفيف الذي كنا نرتديه، وجدت نفسي وانا من هذا القرب، أشتم رائحة عطر فاخر، أثمل عقلي بسرعة غير طبيعية.
هذا..خطر بعض الشيء.
" تبدوا..وكأنك كنت تفكر في شيء مزعج، أيوجد شيء يشغل بالك؟ " دون توقف، أظهرت شاليتير رغبتها بوضوح بمعرفة ما يجول بخاطري.
هذه الفتاة، وعلى الرغم من انها تسعدني كثيرًا بإهتمامها بي، الا انها تتعب نفسها كثيرًا بالسؤال عن مثل هذه الأشياء البسيطة، وتركز على تعابيري وكأنها المفتاح لفهم مشاعري.
على الرغم من انها لم تكن مخطئة، خصوصًا وأن الجميع يقولون بأن تعابيري تكشف الكثير بالعادة.. الا انني أتمنى لو لم تشغل شاليتير نفسها بي كثيرًا.
ليس الأمر وكأنني احاول استغلال لطفها او شيء كهذا، ولكن.. وباللحظة التي أحاول ان اجعلها فيها تفهم بأنني بخير، وبأنها ليست بحاجة للتركيز لهذه الدرجة، يحدث أمر يجبرني على التراجع.
".. ذلك ليس بأمر مهم حقًا، وعوضًا عن ذلك شاليتير، اليس عليكِ الذهاب للتدرب الآن؟ اُخبرنا بتدريب أنفسنا جيدًا لأننا قد نصادف حدثًا ضخمًا قريبًا صحيح؟ "
بشكل ما، حاولت دفع شاليتير للإهتمام بشيء اُنذر منه الفصل قبل عدة أيام، حيث توصل شين لمعلومة تفيد بقيام حدث كبير قريبًا، وسنحتاج لتدريب أنفسنا جيدًا حتى نستطيع النجاة فيه.
بالطبع، كانت صياغة شين للمعلومة بذلك الوقت، جعلت الفصل يشعر بضغط هائل، ما دفعنا جميعًا لتدريب أنفسنا عن طريق الذهاب للنقابة وأخذ المهام، او إضافة المزيد من التخصصات لمجالنا التعليمي، او عن الطريق القتالات الفردية بالساحة التدريبية فقط.
بشكل واضح ومساعد جدًا، أمتلكت الأكاديمية الكثير من الطرق الفعالة لتدريب أجسادنا وطاقتنا السحرية، ولأنها كانت تمنح حرية كبيرة لإختيار الطريقة التي ستدرب بها نفسك، دفع هذا معنويات الطلبة أكثر فقط، وسمح لهم بإختيار مسارهم المفضل للتعلم والتدرب.
ولكن، وبالرغم من أننا نمتلك كل تلك الطرق التدريبية المتنوعة، والتي قد تسبب الحيرة لبعض الطلاب، بالرغم من أننا على وشك الإنخراط بحدث ضخم، جعل شين يصل لمرحلة يصفه بأنه قد يكون" الحدث الأكثر إزعاجًا على الإطلاق"، لا تبدوا الفتاة الواقفة بجانبي هنا، مهتمةً بكل ذلك على الإطلاق.
" التدريب؟ لماذا؟ " وجدتها تقول تلك الكلمات بوجه جاد تمامًا، بينما تميل رأسها بتساؤل إلى الجانب، وكأنها حقًا لا تعلم.
" لماذا.. بالطبع حتى نستطيع تجاوز الحدث القادم "
" وماذا عنك؟ "
" أنا؟ "
" من سيهتم بك؟ "
" ها..؟ "
شعرت وكأنني اسقط على وجهي عندما استمعت إلى سؤالها بصراحة.
من سيهتم بي؟ أنا؟ هل هذه الفتاة هنا جادةً حقًا بقول ذلك؟ انا اتسائل حقًا.
" لا.. ليس الأمر وكأنني أحتاج لشخص يهتم بي لتلك الدرجة.. لست طفلًا بعد كل شيء لذا أستطيع تدبر نفسي" شعرت بقليل من الغضب وانا أنطق هذه الكلمات، هل كانت شاليتير تراني هكذا منذ البداية حقًا؟ كطفل؟
" همم" ولزيادة شكوكي أكثر فقط، وجدت شاليتير وهي تنظر بأعين فارغة نحوي.
شاعرًا بعدم الصبر بينما استمرت شاليتير بالهمهمة لفترة قصيرة بالواقع، اعادت الأميرة فتح فمها قبل أن تنطق بنوع من الكلمات، لا يجب ان يُباشر به أي رجل بالغ عاقل على الإطلاق.
" ربما أنت بالغ عمريًا ولكنك لازلت تسقط من السرير صحيح؟ "
" هق!! " وكأنه قوس مشتعل قد اخترق قلبي الصغير، من هنا، بدأت شاليتير بإظهار جانبها الآخر من شخصيتها.
" ل-ليس الأمر وكأن ذلك يحدث لي وحدي! ولا يحدث هذا طوال الوقت كذلك!! "
" ألم اجدك نائمًا البارحة وقبلها على الأرضية يا ترى..؟ " سألت شاليتير نفسها بصوت عالٍ، بينما تنظر نحوا الأسفل وكأنها جادةً حقًا بذلك السؤال.
" ك-كنت نائمًا على الأرض عن قصد وقتها، اردت تجربة شعور النوم على الأرض فقط "
" على الرغم من اننا قضينا ليالٍ عديدة ونحن ننام بالصحاري والغابات ليلًا؟ " بلا رحمة، اعادت شاليتير النظر إلى عيناي مباشرةً بينما تقوم بذكر تلك الأيام التي قضيناها خارجًا ونحن ننفذ بضعة مهام بالشهرين السابقين.
بنبرة من أعاد شرح ذات الأمر مرارًا، كشفت شاليتير عن كافة خفايا قلبها أمامي.
" على كل حال، اتمنى لو تتوقف عن النوم على الأرض، الإستمرار بذلك قد يؤذي ظهرك. وأرجوا بأن لا تنسى كل تلك الأيام اتي قضيتها وانت تقرأ تلك الكتب بلا راحة، ليلًا ونهارًا دون توقف، دون ان تهتم بتناول اي شيء، ورغم ذلك، لم توقف حتى تدريباتك لأخذ قسط من الراحة، وسرعان ما ظهرت تلك الهالات السوداء وبدأت تترنح في سيرك. حتى بالرغم من انني اجبرك على الأكل والنوم، لم يسترخي جسدك سوى قبل بضعة أيام فقط. أصبح صوتك منخفضًا بشكل مفاجئ مؤخرًا، أعلم بأنك تبذل جهدك لتعلم عادات النبلاء الا ان ذلك لم يكن السبب صحيح؟ اصبحت عضلاتك مقسمةً بشكل أفضل وهذا لا يعني سوى انك واصلت تدريباتك كما يطلب منك المعلمين وهذا جيد، ولكنك لم تستمع لي وتفكر بأخذ يوم او اثنين لإراحة جسدك الست كذلك؟ إن لم يكن هذا عنادًا كعناد الطفل عندما يرفض طعامه فماذا يكون اذًا؟ "
بلا توقف، وبشكل جعلها تبدوا أكبر وأكبر في الحجم مع مرور الوقت أمامي، على الرغم من ان حجم جسدها لم يكن يتغير على الإطلاق، الا انها ومع كلماتها التي خرجت بنبرة صوت شديدة العتاب، كانت تقلصني تباعًا قبل ان تضعني بالقفص الذي وجدت نفسي به دائمًا.
قبل شهرين وبضعة أيام، عندما كانت شاليتير مجرد أميرة خجولة لا تستطيع نطق أربع كلمات تباعًا دون ان تتوقف لأخذ أنفاسها، ولا تستطيع بأي شكل كان ان تضع عينيها بعينيك، الفتاة التي تخاف البرد، وتخشى الجميع، لا تقترب من أحد وتبقي يديها في الداخل دائمًا، الأميرة الكتومة بذلك الوقت.. تحولت ومن بعد إعادة إحيائها من جديد.. إلى كارثة متحركة، أمكنها ان تشق رأسك النصف فقط بكلمة واحدة تخرج من لسانها.
أمام هذا التغير الكامل، وهذه الهيئة الجديدة، لم أستطع فعل أي شيء سوى طاعتها عندما تصبح غاضبة، والهرب إن تمكنت، والإستمتاع بالنعيم الذي يمكنها ان تخلقه ببعض الأحيان إن كان مزاجها جيدًا.
" انا.. آسف.. " انتهى بي الأمر في النهاية للإعتذار، بشكل أصبح يتكرر كثيرًا مؤخرًا.
ومن جانب شاليتير، لم تفعل شيئًا سوى التنهد بعمق عكس إرهاقها من شيء ما.. أو شخص ما، قبل ان تعاود المشي من جديد وتقترب من الطاولة أكثر.
" أتمنى لو أنك تضع الإعتذارات جانبًا وتحاول إراحة جسدك فعليًا على الأقل.. " قالت بنبرة تعبة، ولكن رقيقة مليئة بالقلق والإهتمام، قبل ان تسحب أحد الكراسي المتعددة الموضوعة حول الطاولة الطويلة، وتأخذ مجلسها بقربي.
قريب جدًا..
" ماذا تقرأ؟ " مغيرةً لنبرتها مجددًا، هذه المرة، عائدةً لإستخدام صوتها الطبيعي، الذي لم يكن مجرد صوت طبيعي بالحقيقة.. أمالت شاليتير بجسدها قريبًا لنحوي حتى تستطيع قرائة محتويات الكتاب المفتوح أمامي، وبفضل ذلك، وبسبب هذا القرب الذي لم يترك سوى مساحةً بالكاد تكفي لوجود شعرةٍ بيننا، استطعت وبوضوح، إشتمام رائحة العطر المثير الذي اخترق حواجز أنفي دون أخذ الإذن.
بالنسبة لي، من لم يكن يستخدم أي نوع من أنواع العطور بحياته وحتى الآن، كان إشتمامي لرائحة عطر فاخر كهذا، يكفي لمداعبة أفكاري بسهولة، وسحب قلبي نحوا هاوية التوتر، وإعطاء جسدي الدفعة الكافية ليبدأ بالتعرق، مشيرًا إلى عدم إعتياده بعد على تواجد مثل هذه المؤثرات بالأجواء.
فوق هذا، وعلى الرغم من أن جسدها لم يلتصق بي بعد، الا أن شعرها الذي كان ينعم بحرية سمحت له بالتمايل بالأنحاء كما شاء، لم يوقفه شيء من السقوط على كتفي وجانب وجهي بخفة، ليسمح لي بتحسس نعومته بطريقة لم تكن نصف سيئة بالواقع..
دون الحاجة للشهيق او حتى الإقتراب أكثر، غلفتني رائحة شاليتير العطرة، والتي لم أكن أشتم مثلها من قبل، بل أن شاليتير نفسها لم تستخدم مثل هذه العطور سوى مؤخرًا.
بشكل لا يليق بأميرة -على حد علمي- لم أجد شاليتير تستخدم مثل هذه الروائح الخاصة من قبل، بكل تلك المرات التي وجدت نفسي فيها قريبًا منها بشكل لا إرادي تمامًا… لم أكن أشتم مثل هذه الروائح القوية، او أراها تستخدم تلك المستحضرات التي تجعل بشرتها أكثر شروقًا كما الآن.
في الحقيقة، ليس الأمر وكأنني لم أهتم بملاحظة أي نوع من انواع التبرجات التي تستخدمهن النساء، ولست أؤمن تمامًا بفكرة أن الجمال هو جمال الروح فقط، بالطبع، ستجذب من حولك إن كانت شخصيتك جيدة، ولكن نفس التأثير ينطبق على اولئك الذين ولدوا بوجه حسن وبشكل مضاعف كذلك.
الشيء الذي منعني من ملاحظة أي تبرجات كانت هذه الحسناء بجانبي تستخدمها سابقًا او الآن، هو انها امتلكت وجهًا مثاليًا بالفعل، بالطبع سيجعلها وضع أحمر شفاه خفيف حول شفاهها المتوردتان أساسًا، أكثر إثارة، وربما يمنحها تصفيف شعرها بشكل مختلف شعورًا منعشًا على الرغم من أن شعرها الحر يلمع ويتمايل بطريقة تجعلك تظن بأن لا تسريحةً أخرى ستناسبها أكثر من هذه.
إرتداء ثياب مختلفة، وضع بعض المرطبات، وغيرها من الأشياء التي أمكنها تغيير الكثير في النساء، من وجهة نظري، لم تكن تغير الكثير في شاليتير بصراحة، وفقط ولهذا السبب الذي قد يراه البعض غريبًا جدًا، لم ألحظ الكثير في منظر شاليتير العام، سوى الرائحة التي جذبتني رغمًا عني.
ربما كانت الثياب والتبرجات شيئًا، ولكن للعطور أثر قوي جدًا برأيي.
ولكن والآن وبملاحظتي لكل هذا، متأخرًا بعض الشيء… بدأت أشعر بالقليل من السعادة كون شاليتير أصبحت تأخذ نفسها على محمل الجد، وربما أصبحت تحب ذاتها وحياتها أكثر، حتى تتحرك وتقوم بالتبرج من تلقاء نفسها بهذا الشكل.
ولكن وبنفس الوقت.. وبسبب هذا التبرج الخفيف ولكن المثالي، بدأ قلبي يشعر بقلق خافت، بينما صرخ عقلي بضرورة الحذر والتحكم بيداي وعيناي جيدًا أمامها.
"عصور.. السحر؟ " خرج ذلك الصوت الخافت من شفاه شاليتير التي كانت قريبةً للغاية من أذني، وكأنها تهمس عميقًا بقلبي بذلك الصوت الخطير للغاية، أرتعش جسدي بقوة لا إراديًا جراء ذلك.
" هم؟ هل أنت بخير..؟ " سألت شاليتير بقلق.
"ااه.. آحم.. أجل انا بخير.. " لأجيب بتردد بشكل ما.
لست بخير على الإطلاق!
من المستحيل أن أكون بخير بهذا الوضع!!
(سماوي.. لا يتزعزع تأثير التعويذة إلا عندما تكون أميرتك هذه بالجوار)
هاه؟! ولماذا يحدث ذلك الآن؟! الا يفترض بالتعويذة أن تقوم بتهدئة أعصابي مهما كان الوضع الذي أنا به صعبًا؟!
(هن؟ آه لا انت لم تفهم قصدي تمامًا. سيدي، بالطبع، طالما أنت تشعر بتوتر غير ضروري، او تغضب بشكل لا إرادي، ستعمل التعويذة تلقائيًا لأجل تهدئتك ولن تفشل بأداء مهمتها مهما كانت المشاعر التي تشعر بها قويةً، ثقيلةً، ومباشرة الألم)
واذًا؟ ما الجديد الآن؟
( كما تعلم، ولكي لا نحتاج لتفعيل التعويذة بكل مرة تشعر فيها بالتوتر، أعدت صياغتها بشكل يجعلها تتفعل فقط عندما أرى بأنك تشعر بتوتر غير ضروري حقًا. ولكن هذا شيء، وإيقافي للتعويذة عن العمل بشكل إجباري، شيء آخر تمامًا)
" ما الذي تقولينه أيتها الأداة المعيبة؟!! "
" ؟!!! "
ناهضًا لا إراديًا، وجدت نفسي أصرخ جهرًا وبأعلى ما أستطيع، بتلك الكلمات التي جعلت شاليتير تنكمش خوفًا بمكانها، وتجعل جميع من كانوا بالمكتبة، يتلفتون حولهم بحثًا عن مصدر ذلك الصراخ الفظيع.
" آه… أنا آسف" قلت بخجل، قبل ان أعاود الجلوس مجددًا بهدوء، وأنظر إلى الجانب بطرف عيني فقط لكي أجد شاليتير هناك، بعيدًا بكرسيها، وهي تنظر نحوي وترمش مرارًا، محاولةً فهم ما يجري.
هذا المجلد اللعين.. الا تستطيع حقًا فهم الأجواء على الرغم من انها تمتلك كل تلك المشاعر الحيوية حقًا؟ هل هذا عيب حقيقي بطريقة صياغة شخصيتها؟
( بصرف النظر عن إهانتك المباشرة وغير الضرورية، سيدي، أنا آرى حاجتك لعيش شبابك المتأخر بأفضل ما يمكن)
وما الذي تتحدثين عنه الآن بحق صانعك؟!!
( أهكذا تقابل إهتمامي بك الآن؟ حسنًا لا عجب بذلك حقيقةً. خصوصًا وأنك الآن تمتلك أميرتك الخاصة… اخبرني، الست محقةً الآن~؟ "
" أنتِ… " على الرغم من أنني انتهيت من عقابها قبل لحظات فقط، هذا ما يحدث الآن؟
حقًا، لا عقاب سيؤثر على سلوكها لفترة طويلة. او بالأحرى، أشعر وكأنها تنتقم فقط بكل مرة أقوم بها بمعاقبتها.
" هل كنت.. تتحدث مع رين الآن..؟ " مقتربةً مجددًا، سمعت صوت شاليتير وهي تسألني عن ذلك.
".. أجل، أعتذر مجددًا عن إفزاعكِ " قلت بوجه معتذر قدر الإمكان.
" هكذا إذن.. "
متفهمةً الوضع على الغالب، عادت شاليتير للجلوس بمكانها القريب كما السابق، وهي تنظر إلى منطقة صدري، حيث يتدلى كتيب رين بالعادة.
بالنسبة لموقف شاليتير من رين، فقد اكتشفت نشوء علاقة بينهما بشكل ما، ومع مرور الزمن، وخصوصًا عندما كنا نخرج بمهمات الأكاديمية ونضطر للنوم خارجًا، كانت شاليتير تخبرني مرارًا عن محادثاتها المتنوعة مع رين، دون الكشف عن نوع الأحاديث، التي تبدأ عادةً عندما أخلد إلى النوم فقط، خُلقت ما يمكن تسميته بصداقة مثيرة للشك، -بالنسبة لي على الأقل- بين أقرب إثنين بالنسبة لي الآن.
" شيرو؟ "
" هم؟ "
سمعت صوت شاليتير وهو ينادي هذه المرة، وبالإلتفات لنحوها، وجدتها تشير بإصبعها نحوا الكتاب الموضوع أمامي.
" هل انتهيت من قرائة هذا؟ "
" هذا.. آه، أجل انتهيت من قرائته كذلك ولكن.. كالعادة، لم أجد الكثير به " قلت بعدما أعادتني شاليتير من جديد للتفكير بالمشكلة التي أنا بها الآن.
" اذًا.. لم تتعلم أي شيء عن الممالك السابقة؟ " سألت شاليتير بقلق.
" لا إن كنا نتحدث عن ذلك، فقد تحدثت الكتب بشكل مستطرد عن هذه الأمور" مددت يداي نحوا الكتاب ذا الغلاف العصري " تقريبًا.." قبل أن اقوم بفتح صفحة الفهرس وأشير بيدي ناحية العناوين " كما ترين هنا، يتحدث كل فصل من هذا الكتاب عن مملكة قديمة معينة، تاريخها وكيف نشأت، أراضيها ومن حكامها، حالتها بأثناء الحرب ولأي مملكة أصبحت تتبع بوقتنا الحاضر. "
بالنسبة لهذا الكتاب والكتب العتيقة السابقة، كان الفرق يكمن في عمر المعلومات المضمنة به. فبينما كانت الكتب السابقة تتحدث عن العصور القديمة، كما كان هذا الكتاب يفعل تمامًا، ولكن كان أحدث تاريخ لتلك الكتب يعود لعام 750 إ. س، تاريخ إنتهاء الحرب المقدسة.
ولكن بهذا الكتاب التابع لتلك السلسلة، والذي لم يكن عتيقًا بل معاصرًا لم يبلغ مؤلفه عمر التسعين بعد.. يتحدث عن أحداثٍ تلت الحرب المقدسة، وحتى تاريخ 780 إ. س.
ربما يكون فارق ثلاثين عامًا غير مهم، فقط إن لم تحدث اي احداث مريبة طوال تلك الأعوام، ولكن من سيصدق ان عالمنا هذا، العالم الذي واصل نقلي من هنا ولهنا، وتحميلي لكل تلك الأثقال المفائجة، سيقف بهدوء ولن يتحرك لمدة ثلاثين عامًا كاملة.
" ولكن، وبإنهائك لهذا الكتاب.. أصبحت الآن تمتلك المعرفة الكافية حتى تتحدث مع أي شخص عن العالم الآن، صحيح؟ "
" هذا… "
من الأساس، كان السبب الذي جعلني اقرأ كل هذه الكتب، القديمة والجديدة، هو التعرف على العالم أكثر وكيف آل به المآل ليصبح هكذا الآن.
كيف تأسست الممالك، من حكامها، إلى أين وصلت تلك الممالك الآن ومن ورّاثها.
للتحدث مع أي نبيل مرموق بهذا العالم، او بالآحرى، لأجل إعتلاء العالم او تغييره، كان من المهم معرفة بدايته وأهم عوامل تكوينه.
وبقرائتي لكل تلك الكتب، أستطيع القول وبثقة الآن، انني لا أصغر أي شخص يتفاخر بمعرفته عن أحوال العالم وسياساته التي كانت أساسه. وأعترف بالفعل بأن قدرتي الجديدة هذه ستفتح لي الكثير من المجالات بالمستقبل.
" ولكن.. لم يكن هذا ما جعلني أقوم بقرائة كل هذه الكتب " قلت متخاذلًا، وانا أحمل تعابير من عاد بدلوا فارغ من رحلة صيد.
" إيه؟ "
بالطبع، لم تستطع شاليتير سوى إخراج مثل ذلك الصوت المتفاجئ.
تبدين ظريفةً وأنت بهذا الشكل بالمناسبة.
" لم تجد الشيء الذي أردته..؟ " بشكل مختصر أصاب الهدف بمثالية، وصفت شاليتير حالتي بدقة.
أجل، لم أعثر على ما أردته او بالأحرى، لم أجد له أثرًا حتى.
" قرائة كل هذا، أكسبني الكثير بالفعل، ولكن لم أعثر على الشيء الذي كنت أبحث عنه فعليًا بتلك الكتب"
كتب التاريخ تتحدث عن التاريخ، كان ذلك واضحًا بلا شك.
ولكن، ماذا إن كان التاريخ الذي أبحث عنه، والمعلومات التي أبحث عنها، لم تُذكر بتلك الكتب؟
".. وما الذي كنت تبحث عنه؟ "
" المؤامرات، شاليتير. " ناظرًا نحوا الكتاب الأحدث والذي يتناول تاريخنا المعاصر، نطقت بتلك الكلمات التي زادت علامات الإستفهام برأس شاليتير على ما يبدوا.
" مؤا.. مرات..؟ "
" أجل. جميع هذه الكتب، تتحدث عن نهوض الممالك وسقوطها، عن حكامها وبطولاتهم، عن فرسانها ونبلائها. جميع هذه الكتب تتحدث عن كل تلك الممالك الضخمة وتعظمها رفقة أبطالها، ولكنها جميعًا، تتحدث عن سقوط تلك الممالك أمام إستريديوس فقط لأنه امتلك قوةً غاشمة، وبينما استطعت تقبل تلك الفكرة، فماذا عن تلك الممالك التي تلت حكمه؟ "
ما يلي حكم إستريديوس، كان عصرًا من الإزدهار والمناوشات الذي لم يدم طويلًا، قبل أن تأتي الحرب المقدسة التي ألقت بأثقالها على العالم وسببت بدماره.
" بالطبع، كانت الحرب طاحنةً بما يكفي لهدم كل مملكة على حدى، وربما غيرت تحالفات الممالك بذلك الوقت شكل الحرب، وغيرت مؤامرة واحدة مشهورة نتيجة الحكم الثلاثي الذي كاد ان يطبق على العالم، الا ان تلك المؤامرة الواحدة فقط، فقط تلك المؤامرة الوحيدة.. لا أعتقد بأنها هي الوحيدة التي سببت كل تلك النتائج المختلفة التي قادتنا لهذا العالم الحالي. "
من الأشياء الغريبة المثيرة بنفس الوقت، هو ان اكاديمية ستيلفورد التي يقال بأنها هي من أسدلت ستار الحرب، لم يعلم أحد هنا او تذكر تلك الكتب، اي شيء عن الطريقة الفعلية التي اُسدلت بها ستائر تلك الحرب المقدسة.
دعك من ما جرى وأنظر لما يجري الآن. قبل عام فقط، تعرضت الأكاديمية التي انهت تلك الحرب الشنيعة، لهجوم هز العالم، اختطفت على إثره أميرة لم تكن مجرد أميرة.. بل وريثة لعرش مملكة عظيمة.
اجتمع ملوك العالم الجديد قبل عام كذلك، وبشكل غريب، كان ذلك إجتماعهم الأول من نوعه منذ اعتلوا عروش ممالكهم.
وخلافًا لكل تلك الأحداث الغريبة التي بعضها حدث قريبًا مني، والآخر كان بعيدًا كل البعد عني، أنظر لما يحدث بهذه المملكة، بلوثيريا.
ذلك الملك الذي خشي العالم بأسره إغضابه، والذي كان يتصرف بإتزان لن يصدقه أي أحد، يعاني من مشاكل كبيرة بأقاليمه الخاصة.
ربما كان السبب يعود لعدم حسمه المباشر للمشكلة منذ البداية، وربما لأن حكام الأقاليم كانوا يشعرون بجبروته لذا لم يفاقموا الأمر أكثر، الا انني أشعر بوجود شيء آخر فاقم كل هذا.
" انا.. لست محققًا او أي شيء، ولست فذًا او نبيهًا على الإطلاق، ولكن ومهمًا كان الشخص الذي سيقرأ عن تاريخنا، سيجد تلك الفجوة الكبيرة بين الأحداث ومسبباتها، ولن يجد اي شرح عن تلك الأسباب بأي مكان. "
ولسخرية القدر أكثر، وكلما عدت للخلف أكثر، ستجد ان التاريخ يتوضح في معالم ويصبح غامضًا بآخرى.
ستجد جميع الكتب تتحدث عن أصل مملكة شيراين، ولكن لن تجد شيئًا عن الغازي الذي غزا تلك المملكة ووضعها اولًا وقبل الجميع تحت رايته.
مهما بحثت، لم تكن ستعثر على شيء مهم يتعلق بإلامبراطور، لن تجد شيئًا عن إستريديوس. وكل ما ستعثر عليه هي مجرد عبارات تصف شكله وشخصيته، العبارات التي جعلت رين وبكل مرة، تتنهد بخيبة أمل غريبة.
" دون الحاجة للإستدلال بالكثير من الكتب، وفقط بإستذكار ما جرى معي بالفترة السابقة، سيكون ذلك كافيًا لجعلي أصدق بوجود شخص يحرك الخيوط في الخفاء. "
بلا شك، كان ذلك الشخص موجودًا. واحدًا كان ام جماعةً كانوا، لم يكتفوا بإخفاء التاريخ، بل بالتأثير بالحاضر كذلك. عن طريق صناعة عدة إضطرابات بالممالك.
" إن كان هذا ما كنت تبحث عنه.. "
" هم؟ " نظرت إلى شاليتير التي كانت صامتة منذ فترة الآن.
هل توصلت إلى شيء ما؟
" إن كان هذا ما تبحث عنه.. اذًا، الست تبحث بالمكان الخطأ؟ " ناظرةً إلى عيناي بشكل مباشر، قالت شاليتير تلك الكلمات التي بدأت مؤخرًا أفكر بها كذلك.
أتعلم الآن لما كنت اشعر بأنني اضيع وقتي طوال الشهرين الماضيين ولا أحرز أي تقدم؟
أجل، هذا لأنني شعرت مؤخرًا فقط، ومن بعد مرور الشهرين، بأنني كنت أحفر في الحفرة الخطأ.
بالطبع، لا يلغي ذلك حقيقة حصولي على الكثير من المعرفة التي كنت أفتقر لها.
متنهدًا بعمق بعدما سمعت شكوكي وهي تخرج من فم شاليتير، ابتسمت بصعوبة وأنا أفكر بطريقة لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.
"هااه. تغيير العالم، شيء أصعب بكثير من المتوقع… " قلت بتعب قبل ان اسمح لجسدي بإعادة الإستلقاء بثقل على الطاولة امامي.
"أتقول هذا الآن… " سمعت شاليتير وهي تتنهد بتلك الكلمات بدورها، قبل أن اشعر بشيء خفيف بدأ يمسح على رأسي بلطف.
" لا بأس لا بأس، لم يذهب جهدك سدىً فبعد كل شيء، أصبحت تعرف أكثر عن العالم الذي تريد تغييره. " قالت شاليتير تلك الكلمات المواسية برقة، بينما تقوم بنفس الوقت بتمرير يدها فوق رأسي، وتربت علي بلطف.
بشكل ربما لن يصدقه اي احد يعلم عن شخصيتها القديمة، أصبحت شاليتير مؤخرًا تميل لفعل مثل هذه التصرفات المهدئة، فقط عندما تسقط معنوياتي لهذه الدرجة.
( هم، لا تمانع بأن تكون مثيرًا للشفقة أمامها هيه؟ )
أنتِ التي تحدثت عن حاجتي لعيش شبابي صحيح؟ على ماذا تتذمرين الآن؟
( عيشك لشبابك خاطئة، عيشك لشبابك **المتأخر** هي العبارة الصحيحة. يا سيدي)
تشه، هذه الأداة المعيبة..
" انظرا إليكما الآن.. تتصرفان بكل هذه الحميمية أمام الجميع ولا ترغبان بخروج إشاعات عن علاقتكما؟ "
حينها، وعندما بدأ عقلي يسترخي أخيرًا ويشعر بالطمأنينة، اُخترقت طبلة اذني بذلك الصوت النابض بالنشاط شديد الألفة.
" أنت مخطئ، هذا ليس ما يبدوا عليه الأمر، هيرومو.. " قلت دون ان اتحرك من موضعي، ودون الحاجة للنظر إلى الجانب للتأكد من صاحب الصوت.
" إنهض من وضعيتك هذه قبل قول مثل تلك الأمور على الأقل! "
بصوت هامس ولكن بنبرة غاضبة، متنهدًا عند النهاية بتعب، أعاد هيرومو تذكيري بمقدرته المثالية على إظهار مشاعره بصوته وتعابيره.
أجل، وبفضل هذه المهارة التي امتلكها هذا الرجل، المهارة التي امتلكها أغلب المنفتحين الإجتماعيين.. اصبحت استطيع تمييز صوته بسهولة من بين المئات.
" مساء الخير هيرومو " ارسلت شاليتير تحيتها لناحية هيرومو بإبتسامة زعزعت حضور الرجل بوضوح.
على الرغم من انها مجرد تحية عادية.
" آ-آه مساء ا-الخير أيتها الأميرة.. " بذلك الشكل المتردد، أعاد هيرومو التحية، ناظرًا إلى إتجاه آخر تمامًا.
"أميرة مجددًا.. " ابتسمت شاليتير بإضطراب من بعد سماعها لطريقة تحية هيرومو، قبل ان تواصل وتنطق بكلماتها التي أصبحت كثيرًا ما تقولها مؤخرًا: " لست بحاجة لدعوتي بذلك كما تعلم؟ يمكنك مناداتي بـ شاليتير كما يفعل شيرو، صحيح؟ "
" ل-لا على الإطلاق! لا أستطيع التقليل من شأنك لهذه الدرجة بأي شكل كان! ر-ربما شيرو مجرد أحمق لم يتعلم آداب التعامل فقط، ولكننا لسنا كذلك على الإطلاق! "
" اوي.. انا أجلس هنا. سأضربك. "
لسبب او لآخر، وبالنسبة لهيرومو، الذي بدأ يعامل شاليتير بهذا الشكل شديد الإحترام والحياء بنفس الوقت، فلا أدري بصراحة عن السبب الذي يدفعه للتصرف بهذا الشكل. وبنفس الحال، كان ذات الأمر ينطبق على الكثير من طلاب فصلنا.
بشكل عام، ومنذ عودة شاليتير من جديد، وإنتشار خبر تعافيها من مرضها، أصبحت دائرتها الإجتماعية تتوسع بسرعة لا أقدر على مواكبتها، وكأنها كانت ملعونة بشيء آخر غير لعنة الإذابة. إكتسبت شاليتير وفقط بالشهريين الماضيين، مودة وصداقة الكثير من طلاب الأكاديمية بخارج فصلنا، مستعيدةً مكانتها كأميرة رفيعة المقام، بأسلوب حديثها وتعاملها المحبب مع الجميع، سرعان ما أعادت الفتاة المنبوذة سابقًا، إعادة بناء شعبيتها بشكلها الصحيح.
لن تصدق إن أخبرتك بأن هذه الفتاة التي كانت أفضل مثال عن التوحد والإنزواي، قد احتلت المركز العاشر بلائحة أكثر الطلاب شعبيةً بالأكاديمية، طوال الشهرين الماضيين.
هيرومو يحتل المركز السادس بالمناسبة…
لا يمكن المزاح عند التحدث عن مدى شعبية رأس البرتقال هذا.
الفتاة التي لم تكن تستطيع تكوين صداقة واحدة فقط بسبب لعنتها، أصبحت الآن تتنفس الصداقة نفسها، وكأنها تنتقم من ذاتها السابقة، وتعوض كل تلك الأيام التي لم تستطع فيها ان تتحرك رغم رغبتها بذلك.
ربما لهذا السبب، وبسبب هذا التغيير بشخصيتها، أكتسبت شاليتير إحترام أمثال هيرومو من الشعبيين، وغيرهم من غير الشعبيين، لتجعل الجميع ينادونها بإسم الأميرة عوضًا عن إسمها الحقيقي، مظهرين بذلك إحترامهم العميق لها، وربما، إعتذارًا طفيفًا عن تجاهلهم السابق لها.
".. استسلمي شاليتير. لن يقوم أحد بمناداتك بإسمك بتلك السهولة. " قلت محاولًا جعلها تتقبل الواقع الذي صنعته بيدها.
ليس الأمر وكأنها ترفضه بالحقيقة.
" ح-حقًا؟ اممم، أتمنى فقط لو يعاملونني بشكل طبيعي كما يفعلون مع بقية أصدقائهم.." مظهرةً تعبيرًا حزينًا بشكل ظريف، لا أظن ان هذه الأميرة ستتقبل الأمر بهذه السهولة حقًا.
" على الجانب الآخر، أتمنى لو تتوقف أنت عن مناداتها بإسمها بشكل طبيعي أمام بقية الطلاب قبل ان يبدأ أحدهم بالتنمر عليك او تعريضك لمشاكل أسوء. "
" آه…أجل، أفهم هذا..جيدًا.."
دون الحاجة لكي يذكر هيرومو هذا بشكل مباشر حتى، أستطيع تذكر شعوري بكل تلك النظرات الحاسدة التي أخترقت ظهري وهي تأتي من باقي زملائي. و خصوصًا بالأوقات التي اجلس بها بقربها او اتحدث معها بشكل مقرب، كالآن على سبيل المثال.
كان الفرق يكمن بالموقع المثالي الذي أجلس به الآن، بطرف المكتبة، بعيدًا عن معظم أعين الطلاب.
ولكن ربما.. علي التوقف حقًا عن مناداتها بإسمها بشكل مباشر.
فكرت قبل أن اميل برأسي وأنظر لناحية كتفي الأيمن، فقط لكي تقابلني تلك النظرات الحادة، والتي وبشكل ما، استطاعت قرائة أفكاري الداخلية بوضوح.
لم تحمل تلك الأعين الملتهبة، سوى جملة " إياك وأن تجرؤ " مشتعلةً بمنتصفها.
" ل-لا لا تنظري إلي بذلك الشكل.. أنا أفهم حسنًا؟ "
" يسعدني ذلك~ " مبتسمةً إبتسامةً شديدة الإشراق، وكأنها لم تكن تغلي كالجحيم قبل لحظات فقط، جعلتني شاليتير أدرك فورًا، مدى الخطر الذي أتعامل معه.
أحدكم.. ليعد لي أحدكم شاليتير القديمة، أرجوكم!
".. اترككما لثوانٍ فقط وعلى الرغم من أنني أقف هنا تمامًا الا انكما سرعان ما تغوصان بعالمكما الخاص هاه؟ حقًا يالكما من ثنائي. "
" م-ما الذي تتحدث ع—! " " بوضع هذا جانبًا، أُرسل بيان عبر بلورات الأكاديمية، ومطلوب من جميع الطلاب التوجه لفصولهم الخاصة، او أقرب قاعة عروض بالأكاديمية. "
مقاطعًا إياي، تحدث هيرومو عن الموضوع الذي أحضره إلى هنا في الغالب.
".. إختبار خاص..؟ " سألت بتوتر.
" لا أحد يعلم. ربما يكون ذلك الأمر الذي تحدث عنه شين. ذلك الإختبار الضخم الذي تناقل عبر خطوط السبيررز. علمت بأنك ستكون هنا عندما لم أجدك بأي مكان، ولأن المكتبة لا تملك أي بلورات خاصة بالتواصل، كان من المستحيل عليك معرفة الأمر. "
" أجل صحيح.. أشكرك على هذا. "
تلك البلورات التي يتحدث عنها هيرومو، لم تكن سوى أحجارًا سحرية مختلفة الحجم والشكل، تنقل الصوت والصورة من خلالها، وتنتشر بجميع أرجاء الأكاديمية عدا المكتبة.
استخدمت تلك البلورات لعدة أسباب، من أجل إيصال اي اخبار عامة تتعلق بأي إختبار، اي طلبات خاصة او أمر حضور لطلاب معينيين، وغيرها من الأمور التي تذاع علنًا من قبل إدارة الأكاديمية.
ولكن، وكطريقة لجعل المكتبة تنعم بهذه الأجواء الخاصة، وهذا الهدوء المعزول عن ما يقبع خلف أبوابها، لم يتم وضع أي بلورات مخصصة للتواصل بهذا المكان.
أنقذنا هيرومو حقًا.
" هيا الآن، اقترب موعد الإعلان لذا وفر شكرك لي لاحقًا بشرائك لي وجبةً فاخرةً كاملة بمطعم الأكاديمية! " قال هيرومو تلك الكلمات وكأنه كان يهدف لتلك الوجبة منذ البداية.
" حسنًا حسنًا، يمكننا تدبر أمر ذلك لاحقًا. "
تاليًا، نهضت وشاليتير من مقاعدنا. ومن بعد التأكد من إعادة الكتاب إلى رفه الصحيح، وسط إستماعي لمهامسات هيرومو القائلة " أسرع أسررع! " تحركنا ناحية باب المكتبة، وفقط باللحظة التي قمت فيها بفتحه…
" آه.. الدوار المعتاد.. " أصابني دوار الرأس الذي سيصيب أي شخص يبقى داخل المكتبة لوقت مقدر، ويُغلف بتلك الأجواء شديدة الهدوء بداخلها.
فقط من بعد فتح الباب، وتحطم طبلة أذني بتلك الضوضاء شديدة العلوا، الصادرة من ذلك الفوج الكبير المكون من عدد لا يحصى من الطلاب المتوجهين ناحية فصولهم على الغالب، نظرت إلى الجانب فقط لكي أجد شاليتير تضع كلتا يديها على رأسها وتغلق عينيها، مظهرةً ذلك التعبير المتألم.
" أنتِ لا تبدين بخير.. " قلت وأنا أشعر بذات الدوار الذي بدأ يتلاشى ببطئ.
" آه.. لم أعد أشعر بالرغبة في البقاء بالمكتبة طويلًا بعد الآن.. " قالت شاليتير تلك الكلمات المؤسفة وكأنها تقطع وعدًا مع نفسها.
" أجل.. أعتذر على ذلك" اعتذرت وانا أشعر بأنني السبب الذي جلبها للمكتبة منذ البداية.
" هيا الآن، لا يمكننا التوقف هنا للأبد! " مجذوبًا من يدي بواسطة الرجل الوحيد الذي لم يشعر بما كنا نشعر به، على الغالب لأنه لم يقضي وقتًا طويلًا بالمكتبة، اخترقنا موجة الطلاب المتحركة، وسمحنا للتيار بأن يجرفنا حتى وصلنا إلى فصلنا الخاص بالطابق الثاني.
دون الحاجة للتوقف أمام الباب، دخلنا مباشرةً فقط لنكتشف بأننا آخر الواصلين.
" اوه هيرومو! ما الذي أخرك يا رجل… يكاد الإعلان ان يبدأ. "
" حقًا؟! لم انتبه للوقت جيدًا على ما يبدوا، المعذرة ذهبت لجلب شيرو والأميرة "
متجهًا نحوا صديقه -إسحاق- الذي قام بمناداته فور أن لمحه، ألقيت وشاليتير بتحية صامتة على إسحاق قبل التوجه إلى مقعدنا بالخلف.
" يبدوا بأن الأمر مهم.. " نطقت شاليتير بتلك الكلمات، وهي تنظر إلى حالة الفصل المتوترة، والمتحمسة بنفس الوقت.
" أتمنى فقط بأن لا يكون شيئًا سيئًا.. " على الرغم من كون الجميع يشعرون بنوع من الحماس، الا انني هنا، كنت اترقب بشيء من السلبية.
ليس الأمر وكأنني سلبي طوال الوقت، او أحتاج للتفكير بالأسوء دائمًا، ولكن، ومنذ ان بدأت بالدراسة بهذه الأكاديمية، وعلى الرغم من انه لم يمضي وقت طويل جدًا، الا اننا لم نتلقى إعلانًا بهذا الشكل على الإطلاق.
ولا لمرة واحدة، لم يحدث وأن طُلب منا التجمع من بعد إنتهاء فترة الدروس، وفي حال كان هنالك إعلان يتعلق بأي إختبار او مهمة جديدة، فسيعلن عن ذلك في خلال اليوم الدراسي. لهذا أنا اشعر بتوتر كبير بشأن ما يحدث هنا.
( تشعر بالقلق على الرغم من أن معدل نقاطكم الجماعي في منطقة آمنة؟)
أجل، حتى وإن كنا نجمع النقاط الآن ولا نحولها لنجوم بشكل مباشر، لا أحد يعلم متى سيأتي شيء يعكس كل ذلك.
وفوق كل هذا، ليس الأمر وكأننا قد نحتمل أي ضربة قوية الآن، وفقط وإن قام أي طالب بحرق معدل نقاط يعادل نجمتين، فسرعان ما سنجد نفسنا بجدول مليء بدروس لا تحتمل.
* زين *زين *زين.
مقاطعًا حواري الداخلي مع رين، سمعت صوت إحدى البلورات التي كانت معلقةً أعلى السبورة، والتي قامت باللمعان بلون أزرق شفاف، قبل ان تطلق أشعةً طولية أسفلها، تمامًا بمنتصف السبورة، وتتوسع تدريجيًا من المنتصف وإلى جميع الجوانب، لتشكل شكلًا مربعًا بمنتصف السبورة، وتعرض بذلك المربع صورة من لم يكن سوى مدير أكاديمية بالادين بنفسه.
" أحم أحم، هل يعمل هذا؟ " وفوريًا، يخرج ذلك الصوت الذي انتمى لذلك المدير الأهوج نوعًا ما.
رايهن آلايز. رجل من فصيل الإلف، فاق عمر المائة عام بالفعل، شاهدًا الكثير من خفايا هذا العالم كما أخبرني آلبيرت، واجهت صعوبةً حقيقية بتصديق أن هذا الرجل، ذو الملامح الشابة للغاية، والشخصية السيئة للغاية… قد عاش بالفغل لأكثر من قرن من الزمان.
كما يعلم الجميع، امتلك كل فصيل من الفصائل المتنوعة والمختلفة بهذا العالم، دورة حياة خاصة.
فبينما امتلك البشر متوسط عمر يقع بين الـ80 وإلى 100 سنة كحد أقصى، وفي الحالات الطبيعية. كان الإلف في مستوى آخر تمامًا بمتوسط عمرهم الذي يفوق الأربعة آلاف عام.
بشكل يجعل أكبر بشري بالعالم، يبدوا كمجرد طفل بالنسبة لإلف، كرايهن على سبيل المثال.. نفس الأمر كان يحدث للإلف أنفسهم عند مقارنة أعمارهم مع الشياطين وأشباه التنانين، من تصل أعمارهم إلى ثمانية وتسعة آلاف عام.
مالم يقتلهم شيء او شخص، كان الشياطين واشباه التنانين ليعيشوا لوقت طويل جدًا، ويشهدوا كل شيء يحدث بالعالم تقريبًا.
طول فترة حياتهم هذه، تفسر السبب الذي جعل تعداد حكام لوثيريا ولنديريا منخفضًا مقارنةً بوسبيريا. بينما كان البشر يقومون بتمرير العرش مرةً كل سبعين سنة او أقل حتى، إمتلك ديرمد على الغالب فرصةً لملاقاة أجداد ملك وسبيريا الحالي.
التفكير في الإختلافات العمرية بهذا الشكل، يجعلني أشعر بعدم إنصاف هذا العالم.
ولكن اتسائل حقًا إن كنت امتلك الحق في التحدث عن عدم الإنصاف هنا، وأنا خالد..
" حسنًا حسنًا، اولًا، دعوني أرحب بجميع طلاب أكاديمية بالادين العتيقة. معكم مديركم المحبوب رايهن! ولدي شيء شديييد الأهمية لقوله لذا ركزوا معي جيدًا هلا فعلتم~؟ " بصوته الممازح شديد الهزل، اخترقت تلك الكلمات مسامع الجميع.
" مديركم… المحبوب.. " سمعت أحد الطلاب وهو يردد تلك الكلمات بخيبة أمل واضحة، بينما امتلئ باقي الفصل بالعديد من الشكوك الواضحة، حول ما إن كان هذا هو مدير هذه الأكاديمية و الشخص الأقوى بقمتها حقًا.
لا ألومهم على ذلك بصراحة.
حتى أنا ظننت بأنني أقابل متخلفًا بالبداية، ولكن على الغالب، يعلم الجميع بأن لهذا الرجل جانبًا آخر تمامًا.
ولأنهم يعلمون هذا جيدًا، لم يجرؤ أحد على تحريك مقلة عينيه من تلك الشاشة… خصوصًا عندما رأوا أن إبتسامة المدير الهزلية، لم تعد موجودةً بأي مكان الآن.
" إبتداءً من اليوم، ستتوقف جميع الدروس، التدريبات، المهام. حتى إشعار آخر. " وكأنه إنذار بزلزال قادم، ابتدئ المدير خطابه بتلك الكلمات التي قلبت أجواء غرفة الفصل رأسًا على عقب.
" لا أشعر بخير قادم من هذا… " تمتمت بهدوء لنفسي.
دون أن يسمح للطلاب بأخذ وقتهم لمعالجة ما قاله، بدأ المدير شرحه عن الشيء القادم، الحدث القادم، الذي خلق جوًا مرعبًا، لم أقدر على وصفه مهما حاولت.
" بالطبع، لا يعني التوقف عن الروتين اليومي سوى أن شيئًا قريبًا سيحدث. حدث سيغير على الغالب رؤية الجميع لهذه الأكاديمية، وسيغير رؤيتكم لأنفسكم كذلك. حدث ربما سيأتي بنتائج سلبية كبيرة عليكم وربما العكس، وكل هذا.. يقف على مقدار ما تبذلونه، وما ستبذلونه بهذا الحدث. "
جاذبًا إنتباه الجميع بشكل أقوى من السابق، أخذًا لنفس خفيف جعلنا نشعر وكأنه قام بسرقة تلك الأنفاس من صدورنا الخاصة، تحدث المدير رايهن أخيرًا، عن الحدث القادم.
" في الشهر القادم، وبأكاديمية ستيلفورد، ستقام أولى المسابقات الخاصة والفريدة من نوعها. والتي تضم كلًا من أكاديمية شيراين الخاصة بمملكة لنديريا، بالإضافة لأكاديمية بالادين التابعة لمملكة لوثيريا، وأخيرًا، أكاديمية ستيلفورد نفسها… "
فقط تلك الكلمات القليلة، ودون الحاجة للتركيز بالشرح المطول الذي أتى بعد ذلك، وجدت نفسي وقبل الفصل… أسقط بدوامة غير مفهومة من القلق، الخوف.. والحماسة.