شعرت أزورا أن أنفاسها سُرقت من رئتيها ، وشعرت أن معدتها تخرج إلى حلقها وهي تسقط . للحظة بدا الأمر وكأنها انزلقت في حفرة لا قاع لها ثم فقدت وعيها .
مرت فترة زمنية غير محددة .
استعادت أزورا وعيها ببطء ، واستيقظت على صوت نقيق الطيور . بدا الهواء نقيًا ونظيفًا ومنعشًا، لذا تنفست بشراهة الهواء كما لو أكثر الأشياء لذة التي جربتها على الإطلاق، توقفت فقط عندما شعرت بالدوار .
بمجرد أن عادت حواسها بالكامل ، أدركت الفتاة الصغيرة أنها متدلية على كتف آمن . شخص ما يحملها ويسير على أرض وعرة مع الحرص على عدم إزعاجها كثيرًا.
فتحت أزورا عيونها اللامعة ونظرت حولها . رأت عالم مليء بالحياة والحيوية .
نمت الأشجار الكبيرة التي يجب أن يكون عمرها آلاف السنين في كل مكان حولها ، كل واحدة يبلغ ارتفاعها مائة متر أو أكثر . سوف يحتاج الأمر أكثر من عشرة أشخاص ليحيطوا بواحدة منهم . فوقها أُخفيت السماء بمظلة من الأوراق الخضراء الكثيفة . ثم نظرت إلى الثمار كبيرة الحجم والجذابة المتدلية من الأغصان .
من جذع إلى فرع ، الأشجار كلها مغطاة بالطحالب وأوراق الشجر الأخرى . نتم الأزهار حتى أزهرت بالكامل و عطرهم المذهل يملأ الهواء .
على الرغم من أنها لم تستطع رؤية السماء ، إلا أن طريقهم لم يكن مظلمًا .
تناثر فطر متوهج على الأرض يمنحها أكثر من الضوء الكافي لترى محيطها . رأت فطر من جميع الأحجام ، أصغرهم حجم ظفر وأكبرهم نصف ارتفاع الرجل . غمروا المساحات الخضراء ، وبدا الأمر كما لو أنهم لم يضيعوا أي شبر من التربة . تركها الحجم الهائل للفطر مذهولة حيث رأت الحياة في كل زاوية وركن .
طافت مخلوقات تشبه قناديل البحر في الهواء وتوهجت مثل اليراعات في أعماق الغابة و تلعب مع الظباء أو الأرانب . لم يكن أي منهم عدوانيين ، مثل الأرواح المرحة التي تقفز بين الأشجار .
بدا المكان هادئ جداً ومسالم ورائع للغاية … باختصار : ممتاز !
حدقت أزورا ، و بالكاد قادرة على فهم ما تراه . مشهد الأحلام هذا ، هذه الغابة الخيالية تتكشف أمام عينيها .
همس صوت مألوف في أذنها " ما رأيكِ؟ جميلة أليس كذلك؟ "
نظرت إلى الأسفل وتعرفت لأول مرة على العباءة الرمادية الممزقة تحتها . هرع كلاود هوك لإنقاذها بعد أن أخذت الرياح أزورا من قبضة كلوديا .
لمعت عيناها بينما تحاول استيعاب كل شيء حولها . الفرح الذي انبثق من أعماق قلبها ظهر في كلماتها " جميل جداً ! أنا احب هذا المكان ."
ضحك كلاود هوك " حسنًا ، إذن ستحبين ما سترينه بعد ذلك "
جثم لأسفل ثم قفز في الهواء . طار هو وأزورا في الهواء بسرعة رصاصة حتى اخترقا المظلة . هبط على قمم الأشجار كالريشة .
انفتح العالم أمامهم . لقد رأت مشهدًا أربك عقلها .
تم الكشف عن بحر من اللون الأخضر ، يمتد بقدر ما يمكن أن تراه العين . وصلت الأشجار الطويلة نحو السماء ، مرتفعة كالجبال. لقد بدا عالمًا تُرك فيه التعبير الكامل عن جوهر الطبيعة دون عداء.
هبت الرياح مما تسبب في تموج المظلة مثل الأمواج الخضراء البعيدة في المسافة . بدا الصوت اللطيف لحفيف أوراق الشجر هو الضجيج الوحيد .
رائع .
لم يرى كلاود هوك سوى مستوطنة جرينلاند لمقارنتها بما أمامه ، ولكن مهد الحياة هذا أفضل بمئة مرة . جنة فريدة مليئة بالحياة . في تناقض حاد مع الأراضي القاحلة بالخارج ، بدا كل شيء هنا طبيعي . لا طفرات ، لا تطور قسري . هذا بالضبط ما أصبح عليه الوضع قبل ألف عام .
ومع ذلك الغابة عبارة عن زخرفة بسيطة . عندما حدقت أزورا في وسط هذه المدينة الفاضلة المليئة بالأشجار ، شعرت بأنها لا تستطيع التنفس .
وقفت شجرة ضخمة في وسط الغابة . ليس من المبالغة القول إنها بحجم جبل . جذعها يشبه الصخور السوداء وطولها ثلاثة آلاف متر . بدت ضخمة وتغلف الغيوم . يجب أن يكون قطرها خمسة كيلومترات من البداية إلى النهاية .
مثل جزيرة شاهقة في بحر واسع ، ملك مهيب محاط بعدد لا يحصى من الرعايا المحبين !
كم بدا البشر صغارًا … من التحديق في شجرة يبلغ ارتفاعها بضعة أمتار بدوا في حالة من الرهبة . متوسط عمر الشجرة في هذه الغابة ألف عام وطولها مائة متر، لكن الشجرة وسط الغابة بدا طولها عدة آلاف ، لذا حتى على هذه المسافة الكبيرة لا يزالون غير قادرين على رؤية الشكل كامل .
دخلت الصورة المرئية إلى روح المرء ، مما يجعلهم يشعرون بأنهم صغار مثل نملة أو ذرة من الغبار . في مواجهة شجرة الملك الشاهقة ، بدا البشر غير مهمين .
خطفت الشجرة الكبيرة ، عالية جدًا لدرجة أن السحب تلامس الأوراق وجعلت رؤيتها صعبة . إذا نظروا عن كثب ، يمكن أن ترى أزورا و كلاود هوك الهياكل المبنية بين الفروع . يجب أن يكون حيث يعيش سكان الوادي .
بدا صوت كلاود هوك مليئًا بالثناء " حقا تحفة سماوية ، ألا تعتقدين ذلك؟ مذهل "
سكايكلود مليئة بمعجزاتها الخاصة ، أو كانت في مرحلة ما . تذكر الشلال الذي تساقط من السماء والجدار الحدودي الهائل . ومع ذلك هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها أزورا شيئًا كهذا . أصبحت عاجزة عن الكلام .
ذلك كافي .
لقد عرض كلاود هوك الطفلة الصغيرة لخطر رهيب ، لكنها تجربة بالغة الأهمية بالنسبة لها . هي شاهدة على القسوة المريرة للحرب بين أراضي الإليسية والأراضي القاحلة . تعلمت ما يعنيه أن يكون الفرد قوياً ، ومدى أهمية القوة . الآن واجهت معجزة حقيقية وشهدت نوع الجمال الذي يمكن أن يوجد مستقبلاً . هذه سلسلة من المحن التي من شأنها أن تغيرها إلى الأبد .
أزورا فتاة موهوبة و لدى كلاود هوك شك من أنها إذا نمت جيدًا ، يمكن لـ أزورا أن تغير العالم . لقد وثق في غريزته ، ولهذا وافق على أن يتخذها تلميذة من البداية .
قطع صوت أزورا الفضولي حلمه " أين نحن؟ "
هز رأسه " إنه مكان غريب، تم فصل الجميع في الغابة . أعتقد أنه يمكنك القول إننا فقدنا اتجاهنا، لكن تلك الشجرة الكبيرة من الصعب جدًا تفويتها . إذا هناك أي مكان يمثل قلب هذا المكان ، أراهن أنه هو . لذلك هذا هو المكان الذي سنتجه إليه ".
لم تكن عيون أزورا جيدة مثل معلميها ، لذلك لم تستطع تحديد المباني التي تم تشييدها على الأغصان . لكنها لم تكن بحاجة إلى معرفة أن هناك أشخاصًا يعيشون هناك لكي تفهم أنه قلب هذا المكان السحري وإذا تمكنت من معرفة ذلك ، فيمكن لأي شخص آخر ذلك .
التوجه إليه في أسرع وقت ممكن هو القرار الصحيح " هيا بنا نذهب ."
لم يكن هناك وقت للاستمتاع بالمناظر الطبيعية . على أي شخص آخر يرى الشجرة التي من المستحيل تفويتها أن يتجه إلى هذا الطريق . وكلما وقفوا هناك كلما بقوا خلفهم .
لف كلاود هوك يده حول حجر الطور وبدأ الهواء حوله يتموج و فجأة اختفوا . ظهر مرة أخرى على بعد اثني عشر كيلومترًا أو نحو ذلك بالقرب من الشجرة . دون أي تهديد لصرف انتباهه ، حوالي اثني عشر كيلومترًا هو الحد الحالي لما يمكن أن ينتقل له كلاود هوك .
استراح لبعض الوقت ثم انتقل مرة أخرى عن بعد .
بالنسبة إلى أزورا ، كانت سلسلة من التنقلات ، كل واحدة تقربهم من الشجرة الضخمة . في البداية بدت الشجرة بعيدة ، مثل التحديق في جبل، لكن بعد بضع دقائق رأت اللحاء الأسود السميك. لقد أصبحوا الآن قريبين جدًا لرؤية الشجرة عن قرب.
بحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى الشجرة ، توقف كلاود هوك . بدا حجم الشجرة مذهلًا وغطى ظلها الأرض لأميال . لأنه لا توجد أشعةشمس هنا، لم تكن هناك أشجار كبيرة هنا للتنافس على المكان . بدلاً من ذلك نمت مساحة عشبية طويلة بينها وبين قاعدة شجرة المركز .
لم ترى أزورا هذا القدر من اللون الأخضر مطلقًا في كل سنواتها القصيرة . العشب وحده مذهل بالنسبة لها . لا تزال تتعافى عندما طار أودبول من على كتف كلاود هوك وبدأ في الدوران حولهم بحماس " ما مشكلة طائرك؟ "
تواصل عقلياً مع أودبول ، وجمع ما يمكنه من خلال الرابط المشترك بينهما . ثم نظر كلاود هوك نحو قمة الشجرة الشاهقة ، ولفت انتباهه العديد من الفاكهة السوداء الثقيلة .
نظرت أزورا وفهمت فجأة " يحب أكل الفاكهة؟ إنه جشع جدا ! "
لم يرفع كلاود هوك عينيه عن الشجرة مطلقًا ثم هز رأسه " هذه ليست فاكهة ."
نظرت إليه بغرابة " لكن … إنها تنمو من الشجرة . أليست هذه الفاكهة؟ "
" أعتقد أنك إذا وضحت الأمر على هذا النحو فأنتِ مخطئة . ربما من الأفضل أن نسميها فاكهة مميزة جداً " فكر كلاود هوك " هذا إيبونكريس ، وهذا هو السبب في أن أودبول متحمس للغاية "
" ما هو الإيبونكريس؟ "
أوضح كلاود هوك " شيء مفيد للغاية، إنه يختلف عن المعادن الأخرى لأنه لا يتم حفرها من الأرض . يحتوي الإيبونكريس على طاقة أكثر ألف مرة من الوقود ، وهو مستقر للغاية . يريد كل من سكان الأراضي القاحلة والإليسيين أن يستولوا عليه ليزودوا أسلحتهم بالطاقة ".
ما زالت لم تفهم حقًا ، لكن بدا أنه مهم لأن كلاود هوك تحدث عن هذا الإيبونكريس . نظرت نحو الشجرة المغطاة بالكامل بالكرات السوداء . قال أسلحة … إذا وضع الأشرار أيديهم على هذا ، فقد يؤذون الكثير من الناس .
تمتمت بخوف " هذه ليست شجرة الملك . إنها شجرة الموت ".
قاتل البشر بالفعل وماتوا للوصول إلى هذه الشجرة . كل من سيطر عليها سيصبح أحد أقوى المجموعات في العالم ، ولن يؤدي إلا إلى المزيد من الموت والمعاناة .
سرعان ما هرب إعجاب أزورا بهذه الشجرة . لم تعتقد أن شجرة مثل هذه يجب أن توجد على الإطلاق .
نظر كلاود هوك إلى تلميذته الصغيرة وابتسم ثم نظر إلى الشجرة . لقد فهم الآن لماذا جلبت ورقة الخريف الكثير من الإيبونكريس معها خلال رحلتها عبر الأراضي القاحلة .
بإمكانها حمل كيلوغرامات ، ولن تؤثر على ما أنتجته الشجرة . مع القليل من الحيوية ، يمكن أن تنتج الشجرة هذه الثمار السوداء . أخبرته نظرة سريعة أنه يجب أن يكون هناك مئات الآلاف منهم هنا على استعداد للقطف . الصغار بحجم رأس الإنسان ، والأكبر حجما ً بحجم خزانات المياه.
ألف سنة من التراكم . هذا هو الكنز الأسطوري لـ وادي وودلاند .
استدعى كلاود هوك أودبول لمحاولة تهدئته " الآن ليس الوقت المناسب يا صديقي . انتظر قليلاً وسأحرص على أن تأكل بقدر ما تريد ".
لم يسبق لـ أودبول أن شاهد الكثير من الإيبونكريس ، ناهيك عن " الفاكهة " التي أتت منها . مكافأة الشجرة غير المكررة أكثر ملاءمة له للأكل وأسهل في الهضم . إذا بقي هنا لفترة قصيرة ، فمن المؤكد أن أودبول سينمو بسرعة .
لكن هناك شيء ما يحدث في الشجرة . فكر كلاود هوك عندما صدر صوت انفجار من الشجر خلفه . شخص ما يقاتل في مكان ما في تلك الغابة الكثيفة .
" اللعنة ، هؤلاء الرجال ألم في المؤخرة …"
عبس كلاود هوك وفكر في خياراته، ثم قرر الذهاب لإلقاء نظرة .
ترجمة : Sadegyptian