القس المجنون الفصل 78 — مكافآت وافرة جرت وفق التدبير

اقرأ القس المجنون الفصل 78 — مكافآت وافرة جرت وفق التدبير باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 78 – مكافآت وافرة جرت وفق التدبير

في قاعة المداولات، جلس غو يوي بو في صدر المجلس بوجه ساكن كصفحة الماء، بينما برقت في عينيه نظرات عميقة ذات مغزى.

جلس بقية الشيوخ منتصبي القامات، خافضي الأبصار، لا يحركون سوى أطراف أعينهم لترصد ملامح زملائهم واستنباط أي أثر أو دلالة.

سرت في القاعة موجة من الحذر والترقب الخفي.

فحصول فانغ يوان على المركز الأول يحمل في طياته دلالات أبعد من مجرد صدفة؛ وادعاؤه العثور على جراب أنياب خبأه صياد أمر يجاوز حدود التصديق.

لا بد أن أحدًا قد أعد هذا الجراب سلفًا، إذ يستحيل على فانغ يوان بمفرده تدبير ذلك؛ ومفاد هذا أن يدًا خفية مدت له العون في الظلمات.

امتحان منتصف العام لهذا العام اختلف عن الأعوام السالفة، إذ استدعى استنفار العشرات من أسياد الغو من الرتبة الثانية للإشراف على مجرياته؛ ومن ثم لم تقتصر معرفة تفاصيل الامتحان على شيخ الأكاديمية وحده، بل شاركه فيها شيوخ كثر من أعيان العشيرة.

إذا كان ثمة من أعد هذا الجراب مسبقًا، فلن يخرج عن دائرة الشيوخ الحاضرين في هذه القاعة، بل ربما كان زعيم العشيرة نفسه!

لم يكن شيوخ العشيرة سوى ثعالب داهية؛ فبفضل سنوات طويلة قضوها في دهاليز السياسة، لمعت في أذهانهم خواطر جمة في لمح البصر.

ففانغ تشنغ موهبة من الفئة A، وبلوغه الرتبة الرابعة لا يعني سوى أمر واحد: أنه زعيم العشيرة القادم!

فانغ يوان شقيقه التوأم؛ وحتى لو امتلك موهبة من الفئة C فحسب، فإن رابطة الدم وحدها تجعل الاستثمار فيه مكسبًا يستحق العناء!

فبالنسبة لزعيم العشيرة غو يوي بو، يُعد تقديم يد العون سرًا لفانغ يوان وسيلة لضمه إلى فصيله، ورباطًا وثيقًا يوثق به فانغ تشنغ إلى جناح الزعامة.

أما بالنسبة لبقية الشيوخ، فإن فانغ تشنغ قد استأثر به جناح الزعيم بالفعل؛ وإذا ما ترعرع واكتملت قوته، فستزداد شوكة الزعيم منعة واستبدادًا. لكن لو نجح الشيوخ في استمالة فانغ يوان وجعله رجلهم، لصار بتلك القرابة بيدقًا حاسمًا لموازنة نفوذ فانغ تشنغ في المستقبل.

هكذا، توفر الدافع لدى كل فرد من الجالسين في القاعة لمد يد العون لفانغ يوان.

لكن، من فعلها منهم؟

غرق غو يوي تشي ليان في تفكيره: ’أنا لم أسعَ لاستقطاب فانغ يوان، فمن عساه ساعده في الخفاء؟ أهو ذلك العجوز الخرف مو تشن؟ مم، جائز جدًا؛ فرغم أن فانغ يوان قتل خادمه غاو وان، إلا أنه مجرد خادم فاني، وموت أمثاله لا يضير مو تشن في شيء. لكن الاحتمال الأرجح يتجه نحو زعيم العشيرة؛ فقد تبنى فانغ تشنغ، وضمّه لفانغ يوان سيعزز إحكام قبضته على الشقيقين معًا! غير أن الأعراف تقضي باستقطاب الخريجين في نهاية العام، والتحرك في منتصف العام خروج سافر على القواعد.’

على الجانب الآخر، فكر غو يوي مو تشن بدوره: ’ليس خرقًا تامًا للقواعد، لكنه التواء مباغت حقًا. تُرى من ذا الذي يرى في فانغ يوان نفعًا يسبق به تقديري له؟’

الحق أن مو تشن، بعد أن رأى فانغ يوان يقتل غاو وان ويبعث بجثمانه مقطعًا في أكياس، بدل نظرته للفتى وبات يفكر جديًا في استقطابه.

غير أن مثل هذه الصفقات لا تُبرم عادة إلا مع نهاية العام إبان تخرج الطلاب.

جاء تحرك فانغ يوان المبكر ليفاجئ مو تشن على حين غرة.

أما عينا غو يوي بو فركزتا على الشيخين المتنفذين: غو يوي مو تشن وغو يوي تشي ليان.

كان الزعيم أبعد غورًا وبصيرة.

ففانغ يوان كذب كذبة صريحة لا تنطلي على طفل لينتزع المركز الأول، وصنيعه هذا ينم عن جرأة واثقة لا تهاب العواقب، وكأنه يرسل إشارة للجميع مفادها: أنا أحظى بحماية ظهر منيعة! لقد بت تابعًا لقطب كبير، فلا يقربن أحد ساحتي!

فمن هو هذا الداعم إذن؟

انقسمت الساحة السياسية في عشيرة غو يوي إلى ثلاثة أجنحة رئيسية: جناح الزعامة، وفصيل عائلة تشي بقيادة تشي ليان، وفصيل عائلة مو بزعامة مو تشن.

علم غو يوي بو يقينًا أنه لم يتدخل لاستقطاب فانغ يوان، مما حصر الشبهة بين تشي ليان ومو تشن.

تأمل غو يوي بو ملامحهما: ’هذان العجوزان زادت مهارتهما في التمثيل؛ لا أتبين في قسماتهما أدنى دليل. أيعقل ألا يكون لأحدهما يد في الأمر، بل فصيل صغير آخر؟’

ظل غو يوي بو يراقب بتمعن، ولم يدرك أن كل شيخ في القاعة كان يمارس اللعبة ذاتها؛ يتربص ويرتاب ويستنتج.

حتى شيخ الأكاديمية راح يخمن بدوره، غير أنه ظل دومًا على الحياد بعيدًا عن المستنقع السياسي، فجاءت خواطره أبسط: ’إذن استقطب أحد الشيوخ فانغ يوان أخيرًا! لا غرو أنه استثنى فانغ تشنغ ومو بي وتشي تشنغ من الابتزاز مؤخرًا؛ فالراعي له إما الزعيم أو تشي ليان أو مو تشن. وهذه بشرى حسنة تدل على أنه بدأ يتقبل الواقع وينخرط في نسيج العشيرة. ومهما يكن، فهو فرد من أبنائنا، ومتى اندمج تمامًا، فسيقدم حياته خدمة للعشيرة!’

بعد صمت وجيز، عجز فيه غو يوي بو عن استشفاف أي خيط، تنحنح وخاطب الحضور: "العين بالعين، وما دامت جهة خارجية قد تجرأت واستهدفت فانغ تشنغ، فعشيرتنا لا تُضام ولن تقف مكتوفة الأيدي! شيخ القاعة المظلمة، ضع خطة للرد على هذه الفعلة وأطلعني عليها لاحقًا."

أجاب شيخ القاعة المظلمة بإذعان: "أمرك مطاع يا سيدي الزعيم."

استطرد غو يوي بو: "أما غو يوي فانغ تشنغ، فأخشى أن تهتز عزيمته إثر هذه الصدمة الغادرة. إنه موهبة من الفئة A وله في عشيرتنا مقام لا يُقاس، ولذا سأتولى تعليمه وتوجيهه بنفسي من الآن فصاعدًا."

لم يعترض أحد من الشيوخ.

فقد أدرك الجميع أن الزعيم أغدق مزايا جمة على فانغ تشنغ في السر، وحديثه الآن، وإن خالف مبدأ العدالة المجردة، يستند إلى مسوغ قوي لا يستطيع الشيوخ دحضه.

ثم أطرق غو يوي بو مليًا وقال: "أما بخصوص غو يوي فانغ يوان…"

في التو، شدت الجملة انتباه الشيوخ جميعًا؛ هل يلمح الزعيم إلى أنه هو من أعان الفتى سرًا؟

جال غو يوي بو ببصره في وجوه الحاضرين، بيد أن خيبة الأمل كانت نصيبه مجددًا.

فلم يجد بدًا من مواصلة حديثه: "مع أنه يحمل موهبة من الفئة C، فقد نال المركز الأول بجدارة وسعيه مشكور. ولذا، وباسمي الشخصي، أكافئه بثلاثين حجرًا بدائيًا. يا شيخ الأكاديمية، أبلغه مكافأتي وحثه على مواصلة الجد والمثابرة."

انحنى شيخ الأكاديمية مجيبًا: "أمرك يا سيدي الزعيم."

قطب الشيوخ جباههم حيرة: ’ثلاثون حجرًا بدائيًا فقط؟ مكافأة ضئيلة وعادية، ما المغزى الكامن وراءها؟’

تنهد غو يوي بو في قرارة نفسه: ’أيًا كان من استمال فانغ يوان، فهذه الأحجار عربون حسن نية مني، فالخطر الخارجي من عشيرتي باي وشيونغ لا يزال يتربص بنا.’

فاغتيال فانغ تشنغ عدوان خارجي يستوجب قبضة حديدية للرد، أما تحايل فانغ يوان فتنافس داخلي آثر الزعيم احتواءه بلين وتعقل حذار أن تتفتت قوة العشيرة وتضعف شوكتها.

ثم لوح غو يوي بو بيده: "حسنًا، فليستقر الأمر على هذا النحو. انصرفوا جميعًا وأتقنوا مهامكم؛ فازدهار العشيرة معقود بأدائكم."

"أمرك يا سيدي الزعيم، نستأذنك بالانصراف."

غادر الشيوخ القاعة واحدًا تلو الآخر، وما هي إلا برهة حتى خلا المكان إلا من غو يوي بو.

أطلق تنهيدة عميقة، وأخذ يدلك صدغيه بأصابعه المجهدة.

فكونه زعيم العشيرة وصاحب السلطة العليا فيها لا يعني أبدًا أنه ينعم بالراحة؛ بل يلزمه التوفيق بين مصالح الفصائل المتنافرة، ويعجز عن التصرف وفق هواه. فقوى العشيرة متجذرة ومتشابكة عبر أجيال متوارثة، يحد بعضها من نفوذ بعض.

على الصعيد الخارجي، يواجه قرية شيونغ بوقاحتها وشراستها، وقرية باي بصعودها المتسارع.

داخليًا، يستنزف جهده في تسوية النزاعات السياسية المعقدة، حتى غزا الشيب مفارقه وهو في ريعان كهولته.

حدث نفسه في أسى: ’طوال سنوات زعامتي، ورغم وفرة الموارد، بالكاد تقدمت زراعتي قيد أنملة. لقد أرهقتني شؤون العشيرة المضنية. وفي أحيان كثيرة، أتوق لأن أكون مزارعًا منعزلًا، طليقًا حرًا دون قيود؛ فلعل ذلك كان سيمنحني سرعة أكبر ويبلغ بي شأوًا أبعد في درب الزراعة.’

فما دام المرء منضويًا تحت لواء نظام العشيرة، فلا مناص من حمل أعبائها وتبعاتها، وتستحيل معه الزراعة الخالصة المكرسة.

على النقيض من ذلك، فإن الخروج عن النظام يحرم المرء من موارد العشيرة، وبدونها تتوقف زراعته وتتلاشى آماله.

تلك حلقة مفرغة وتناقض مرير، ابتلع في طياته أعدادًا لا تُحصى من العباقرة وأفنى مواهبهم.

لقي وانغ دا حتفه.

بعد ثلاثة أيام، بلغ النبأ مسامع فانغ يوان.

في الوقت ذاته، علم من جيانغ خه باختفاء الصيادين الشابين أثناء خروجهما للصيد في الجبال، أما الصياد الذي كسر فانغ يوان يده اليمنى، فقد استبد به اليأس وقضى نحبه داخل كوخه!

رمق جيانغ خه فانغ يوان بنظرات ذات مغزى وهو ينقل إليه تلك الأخبار؛ فقد عاين جثة وانغ دا وتعرف عليه يقينًا.

غير أنه لم يجرؤ قط على البوح بهوية وانغ دا الحقيقية.

فهو سيد الغو المتمركز في القرية ويتحمل المسؤولية المباشرة؛ وكل من انضوى في المنظومة، مهما صغر منصبه أو علا، ركبته التبعات.

تحول وانغ دا إلى مزارع شيطاني لثلاث سنوات خلت دون أن يتفطن له جيانغ خه، ولو فتحت العشيرة تحقيقًا في التقصير، لغدا ذلك وصمة عار كبرى في سجله تعصف بمستقبله السياسي برمته.

لذا سارع جيانغ خه إلى طمس معالم مصرع الصيادين الثلاثة والتستر على القضية برمتها.

انتهز جيانغ خه فرصة لاحقة ليقترب من فانغ يوان ويهمس له: "بما أننا صرنا معارف، فستحظى بخصم مقداره النصف متى اشتريت أي بضاعة من متجر ابن عمي جيانغ يا!"

هلك الجميع ولم يبق من يعلم سر الحادثة سواه وفانغ يوان؛ ولو كُشف المستور فلن يلحق بفانغ يوان أذى يُذكر.

فما هو إلا قاتل ثلاثة خدم قرويين، وحتى لو أباد ثلاثين منهم لما لاحقته العشيرة بجريرة قتلهم، وأقصى ما قد يُلزم به غرامة لا تتجاوز بضع عشرات من الأحجار البدائية كعقوبة له.

قبل فانغ يوان رشوة جيانغ خه برحابة صدر ودون حرج؛ فرغم ما اكتنف الأمر من مفاجآت ومخاطر جمة، جاءت المحصلة لصالحه تمامًا.

إثر تلك الواقعة، ظفر فانغ يوان — وهو المجرد من أي سند في العشيرة — بنصف حليف وفصيل وهمي يلوح دعمه في الأفق.

شكل ذلك السند الغامض شبكة أمان ثانية لفانغ يوان؛ وحين يشرع في إظهار قوته شيئًا فشيئًا، ستلعب تلك الشبكة دورًا حاسمًا يكفل له مواصلة الزراعة وبلوغ الرتبة الثانية دون أن تعترضه عقبات تذكر.

في هذه المرحلة، استشعر بوضوح تبدل معاملة شيخ الأكاديمية نحوه، إذ أضحى أكثر لطفًا وودًا.

مرت قرابة عشرة أيام كلمح البصر.

عقب اختراق كل من فانغ تشنغ ومو بي، تمكن فانغ يوان وتشي تشنغ من التقدم في توقيت متزامن تقريبًا ليبلغا المرحلة العليا من الرتبة الأولى بنجاح.

رغم استمراره في فرض الإتاوة، كفّ فانغ يوان عن انتزاع أحجار فانغ تشنغ ومو بي وتشي تشنغ، وركن إلى مزيد من الهدوء والكتمان، بينما مضت قوته تتعاظم بوتيرة فاقت سرعة حياته السابقة بأضعاف مضاعفة.

***

أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!

آمين.

إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.