الفصل 76 – أندمتَ إذن؟
"مُت!" زمجر وانغ دا هادرًا، ووثب بوحشية من فوق غصن الشجرة نحو فريسته.
بينما أوشك على مباغتة غريمه، انطلقت ثلاثة أنصال قمر من المجهول لتعترض مساره في الهواء.
غرق قلب وانغ دا في بحر من القلق: ’لماذا يوجد سيد غو رابع هنا؟!‘ فلوى جسده بمرونة فائقة في الفضاء متفاديًا نصلين بصعوبة بالغة، بينما أصاب النصل الثالث ساقه اليسرى محدثًا جرحًا غائرًا سالت منه الدماء غزيرة.
بوم!
ارتطم وانغ دا بالأرض، وأطرق برأسه يرقب ساقه النازفة.
كز على أسنانه وهتف في سره: ’غو تتبع الظل!‘
استحال في التو إلى كتلة من العتمة الدامسة، وتضاعفت سرعته ليرتد إلى الوراء في صمت مطبق.
في تلك اللحظة الحاسمة، حلقت دودة غو في الهواء، وصدح صوت كهل أجش:
"غو الوميض الخاطف، انفجر!"
انفجرت الحشرة بأمر صاحبها، لتفجر وميضًا أبيض باهرًا خطف الأبصار.
كان النور ساطعًا لا مفر منه، وبدد ظلمات الغابة في لمح البصر وحول العتمة إلى نهار مضيء.
"آااخ!" صرخ وانغ دا من الألم؛ فجسده المنساب في الظلال عجز عن التواري تحت هذا الضياء الباهر، واسترد هيئته البشرية قسرًا.
رغم أن غو الوميض الخاطف مجرد حشرة مستهلكة من الرتبة الأولى، إلا أنه المضاد التام لغو تتبع الظل؛ فبمجرد تبديد الظلمة بالنور، يحتاج غو تتبع الظل من الرتبة الثانية إلى ثلاث ساعات كاملة من الراحة قبل استعادة قدرته على العمل.
ففي نواميس الطبيعة، تتكافأ المخلوقات ويكبح بعضها بعضًا؛ ورغم براعة غو تتبع الظل الفائقة في التسلل، فإن نقطة ضعفه قاتلة.
بعد إبطال غوه، هبطت معنويات وانغ دا إلى الحضيض.
فهذا الخصم الرابع يتمتع بخبرة قتالية أعتى؛ إذ أحسن اختيار الغو المضاد وتوارى ببراعة، مما يجعله غريمًا عنيدًا. والأدهى أن وانغ دا فقد قدرته على التسلل، فسُدت في وجهه مسالك الفرار.
"أنا غو يوي سو؛ أيها الفتى، إن استسلمت الآن فلعل عشيرتنا تعفو عنك وتمنحك فرصة للنجاة!" لاحت هيئة سيد غو أبيض الشعر أشمط اللحية من الرتبة الثانية أمام ناظري وانغ دا.
بصق وانغ دا بحنق: "تعفون عني؟! همف، سأقتلك أولًا!" وأدرك أنه إن ماطل فستتوافد نجدات العشيرة للقضاء عليه، ولا بد من حسم أمره مع هذا الخصم سريعًا.
’لم يتبقَ في فتحتي سوى عشرين بالمئة من الجوهر؛ وسواء رمتُ الثأر أو النجاة، فعليّ التخلص من هذا العجوز الفضولي أولًا!’ استجمع وانغ دا شتات عزمه واندفع صوب غو يوي سو.
أطلق غو يوي سو شخيرًا ساخرًا، ونمت شعيرات بدنه بجنون لتتشابك في لمح البصر مشكلة درعًا حربيًا ناصع البياض يكتظ بأشواك حادة كالقنفذ.
تبدلت سحنة وانغ دا؛ فقد استحال الشيخ المحنك إلى قنفذ شائك منيع يعجز عن ملامسته.
فسم فراق الحبيبين من الرتبة الثانية، ورغم فداحة سميته الفتاكة، يفتقر للقوة التدميرية المباشرة ولا يُعتمد عليه إلا في المباغتة والاغتيال.
لم يمتلك وانغ دا سوى سم فراق الحبيبين وغو تتبع الظل؛ ولو حاز غو دفاعيًا لما أصابه نصل القمر أصلًا.
’همف، إن عجزت عن قهرك، فسأقتل فانغ يوان أولًا!’ لم يكن وانغ دا أحمق، بل علمته سنوات التخفي الثلاث مكرًا وشراسة بالغة.
انعطف بحركة رشيقة متجاوزًا غو يوي سو، واندفع صوب غريمه الذي أباد أسرته.
صاح غو يوي سو بغضب: "في أحلامك!" واستنفر جوهره البدائي، فانطلقت شوكتان ناصعتا البياض من درعه كالسهمين اللولبيين لتلحقا بوانغ دا.
تمايل جسد وانغ دا متفاديًا الشوكتين في اللحظة الأخيرة.
استطالت أظافر يديه لنصف كف، واكتست بلون أرجواني قاتم محاطة بغمامة سمية زفرة.
صرخ وانغ دا بهستيريا وهو يرى هدفه أمامه: "مُت!"
جحظت عينا الفتى برعب وهلع مباغت.
استبدت غريزة القتل بعقل وانغ دا، حتى خُيل إليه أنه يسمع صوت تمزق جلد فانغ يوان وشهقة موته الأخيرة!
"أنى لك ذلك!"
بينما أوشكت مخالبه على إصابة الهدف، قفز رجل آخر ليقطع دربه بحزم.
إنه سيد الغو الخامس الذي هب من الجوار لنجدة الفتى!
حدق الرجل الكهل في ملامح وانغ دا الهائجة وقال ببرود: "أهذا سم فراق الحبيبين حقًا؟"
غو جلد الصخر!
استنفر الرجل جوهره البدائي من الفولاذ الأحمر، وتصاعد كالدخان الكثيف؛ فاصطبغت ذراعاه العاريتان من الصفرة إلى بياض صخري رمادي، وانتفختا كبالونين لتشكلا ذراعين صخريتين ضخمتين وغليظتين.
مع اقتراب الطرفين، تشوهت ملامح وانغ دا بجنون مطلق، بينما مد الحارس ذراعيه الصخريتين باعتدال ليقبض عليه.
سخر وانغ دا في سره: ’أبهذه السرعة البليدة تروم الإمساك بي؟!’
فذراعا الحارس تكسوهما طبقة صخرية سميكة تعجز أظافر وانغ دا عن اختراقها، غير أن ثقلهما يبطئ حركتهما، مما يتيح لوانغ دا تفاديهما بيسر.
هتف الحارس بصرامة: "أحقًا تظن ذلك؟! عجلة ريح اليشم!"
انبثق إعصاران بلون اليشم الأخضر ليلتفا حول ساعديه الصخريين كالسوارين.
تضاعفت سرعة الذراعين الصخريتين في لمح البصر!
"كيف يعقل هذا… غاااه!" تملك الذهول وجه وانغ دا حين هوت الذراع الصخرية الخاطفة فوق صدره وقذفت به في الهواء.
كان الحارس محنكًا في القتال؛ فلو أطلق غو النحلة لعجلة ريح اليشم منذ البداية، لتحاشاه وانغ دا بحذر.
طاح وانغ دا في الهواء وارتطم بالأرض متدحرجًا في فوضى عارمة، وتمزق صدره بألم مبرح.
بصق جرعة دم عبيط.
نهض بمشقة بالغة وهو يتفحص فتحته، وعلت شفتيه ضحكة بائسة: ’خمسة بالمئة فقط من الجوهر… أنا هالك لا محالة.’ ونظر إلى الفتى القريب بملامح يملؤها اليأس والانتقام: ’حتى لو مت، فلن تمضي في هذه الدنيا بعدي!’
آااااااه!
تجاهل جراحه النازفة واندفع باستماتة أخيرة.
صاح الحارس الكهل بعجز: "أوقفوه!" فهو مقاتل اشتباك قريب يفتقر لحشرات الهجوم البعيد، وعجز عن اللحاق به في التو.
غير أن الشيخ غو يوي سو كان قد وصل بالفعل؛ فاستحالت شعيرات لحيته البيضاء إلى مسلات لولبية بحجم الأصابع، انطلقت كالأفاعي الرشيقة لتخترق ظهر وانغ دا من الخلف.
لم يكترث وانغ دا للألم، بل واصل اندفاعه الأعمى.
صرخ بملء حنجرته: "مُت!!!" وبلغ طول أظافره خمسين سنتيمترًا!
طارد الحارس الكهل المشهد، واكفهر وجهه لعجزه عن اعتراضه في الوقت المناسب.
رأى وانغ دا هدفه على بعد شبر، وفجأة انفجر ضوء يشمي وهاج من جسد الفتى.
صرخ الفتى تحت وطأة شبح الموت المرعب: "غو الجلد اليشمي!"
اكتست بشرته بطبقة يشمية صلبة ولامعة.
هوت أصابع وانغ دا كالنصال لتخترق الجسد؛ ورغم أن سم فراق الحبيبين يفتقر للقوة الاختراقية، إلا أن غو الجلد اليشمي مجرد حشرة من الرتبة الأولى وعجز عن ردع أظافر الرتبة الثانية بالكامل.
هااااو!
زعق الشيخ الكهل برعب حين رأى الفتى يشرف على الهلاك، وجحظت عيناه، فانطلقت سيول من الإبر الثلجية لتخترق جسد وانغ دا بكثافة.
ثم التفت تلك الشعيرات كالأفاعي لتطوق عنقه وذراعيه وساقيه، نافذة من ظهره إلى صدره.
تفجرت الدماء الحارة من جسد وانغ دا لتصبغ الشعر الأبيض بالأحمر القاني.
تخشب جسده المطوق بالشعر كخنزير بري سقط في شرك من أعواد الخيزران الحادة، وخارت قواه وعجز عن الحركة.
داهمه دوار خانق، وابتسم ابتسامة باهتة بعدما أدرك دنو أجله المحتوم.
كم هو مؤسف وغير منصف!
غامت الرؤية أمام عينيه، وفي لحظات احتضاره، استيقظت في مخيلته الذكرى الأكثر نقاءً وإيلامًا في حياته:
تمتم باسمها لا شعوريًا: "وان إر…" حين غرس خنجره في صدرها آنذاك.
سألته زوجته بملامح يغشاها الذهول والحيرة وهي تحدق في عينيه: "لماذا؟"
ارتجف جسده واغرورقت عيناه بالدموع وهو يهمس: "سامحيني."
ابتسمت برقة متناهية، وابتسامتها تفيض بالحب الخالص دون ذرة كره أو حقد.
قالت بصوت واهن: "أنا أفهمك."
مدت يدها اليمنى لتلمس وجهه للمرة الأخيرة قبل الرحيل.
لكن يدها سقطت في منتصف الطريق.
قتل زوجته لينتزع قلبها ويصقل سم فراق الحبيبين؛ ومنذ ذلك الحين نال القوة وسلك المسار الشيطاني!
أندمتَ إذن؟
طوال تلك السنوات، ما برح هذا السؤال يتردد في أعماق وجدانه.
أجل، ندمت!
ندم لدرجة تمنى معها الموت، ونذر أن يكرس ما تبقى من حياته لحماية بقية أفراد عائلته!
لكن…
لكن…
انهمرت الدموع من عينيه المحمرتين: "لو عادت بي الأيام للوراء يا وان إر، لفعلتُ الشيء ذاته…"
حدق الفتى فيه وجسده يشع بضوء اليشم، وذهنه غارق في حيرة مطلقة وعجز تام.
سيد غو غريب يقتحم المكان بجنون ويروم تمزيقه إربًا وهو يصرخ باسم غريمه، والفتى لا يعرفه أصلًا!
تحت وطأة هالة الموت الخانقة، عجز الفتى عن الحراك، وتجمد عقله فلم يملك سوى تنشيط غو الجلد اليشمي غريزيًا.
اخترقت أظافر وانغ دا طبقة الجلد اليشمي وغاصت سنتيمترًا واحدًا في جسد الفتى، ثم سكنت ولم تتحرك بعد ذلك.
لقد فارق الحياة.
مات وانغ دا وعيناه تفيضان بالدموع.
لهث الفتى بصعوبة وعيناه شاخصتان في فراغ: "هل… انتهى الأمر؟"
ثم داهمه دوار عاتٍ شل أركانه.
طاخ!
هوى الفتى ساقطًا فوق الثرى فاقدًا للوعي.
فسم فراق الحبيبين هو أفتك سموم الرتبة الثانية قاطبة؛ ورغم أن الأظافر لم تخترق الجسد بالكامل، إلا أن قطرات السم نفذت إلى مجرى دمائه بالفعل!
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.