الفصل 68 – لا براءة في ناموس الطبيعة
تناول الصيادان الشابان أوراق الخيزران بأيدٍ مرتعشة وعيون تفيض بالجشع والذهول.
"هذا عصارة كدح الشيخ وانغ وخبرة عمره بأكمله! ونحن معشر الصيادين نتواصل فيما بيننا بشأن مواقع المصائد فقط، لكننا لا نفصح أبدًا عن خرائط مسارح الوحوش الكاسرة. وهذه الأوراق تضم سائر المعلومات التي راكمها الشيخ وانغ كابرًا عن كابر!"
"يا للهول! هذا الوادي يأوي قطيعًا من الظباء البرية! ههه، متى قنصتها كفتني نفقات ثلاثة أشهر كاملة! وهنا عند الجدول كهف لدببة الجبال؟ كم كنت قريبًا من الهلاك حين قصدت تلك الناحية مؤخرًا! لا بد أن أحفظ كل حرف في هذه الأوراق!"
تلك معلومات نفيسة تُعد عصب معيشة الصياد وسر بقائه!
فليست وليدة جيل واحد، بل توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد ودفعوا في سبيلها دماءهم وأرواحهم.
عائلة الشيخ وانغ توارثت مهنة القنص جيلًا بعد جيل، حتى بلغت الذروة في عهد الشيخ وانغ ليتربع على عرش الصيد كالقناص الأول بغير منازع.
المعلومات التي تستقر بين يدي رجل كهذا هي أصدق المعلومات وأعظمها نفعًا.
قضى الصيادان الشابان قرابة ربع ساعة يتفحصان الخرائط تارة تلو أخرى، ولم يسلما الأوراق إلا بعد أن استحثهما فانغ يوان بنفاد صبر.
طوال تلك المدة، ظل الشيخ وانغ جاثيًا على ركبتيه ملصقًا جبهته بالتراب إظهارًا للخضوع التام. بينما تمددت الفتاة على الأرض كأن الروح قد فارقت جسدها.
قال الصيادان: "لا غبار عليها يا سيدي."
"مواقع الأفخاخ والمصائد في هذه الأوراق دقيقة ومطابقة للواقع تمامًا."
تابع الشيخ وهو يضرب الأرض برأسه ضارعًا: "سيدي المبجل، الأمر يمس حياتي وحياة ابنتي الوحيدة، فكيف أجرؤ على خداعك؟!"
أومأ فانغ يوان وهز رزمة أوراق الخيزران في يده: "مم، حسن جدًا." ثم تبدلت نبرته فجأة إلى برود قارس: "ولكن… لست أصدقك."
انتفض الشيخ ورفع رأسه مرعوبًا، فما رأت عيناه إلا نصل قمر أزرق جليدي يتسع في بؤبؤي عينيه كالصاعقة!
حفيف!
طارت جمجمة الشيخ في الهواء، وتفجرت الدماء القانية في كل صوب!
"آآآه!"
"سيدي، هذا—!"
تجمد الصيادان في مكانهما وغلبت عليهما الصدمة والذهول!
"أبي—!" وصرخت الفتاة صرخة مفجعة ووثبت نحو جثمان والدها مقطوع الرأس، غير أنها في منتصف وثبتها واجهت نصل قمر أزرق يشق الفضاء نحو وجهها!
طاخ!
هوت الفتاة على التراب صريعة لا حراك فيها.
على صفحة وجهها البديع، من منتصف الجبين نزولًا إلى أسفل الذقن، لاح خط أحمر دقيق.
ثم اتسع الخط وتفجرت منه الدماء الحارة، وسالت فوق نصف أنفها ونصف شفتيها، لتفيض على التربة السوداء وتصبغ نصف وجهها بلون أحمر قانٍ.
أما النصف الآخر من وجهها، فظل ناصع البياض رائق الحمرة؛ وتحت قبة السماء الزرقاء الصافية، بدا كتحفة فنية بديعة الصنع.
رمق فانغ يوان الفتاة الصريعة بنظرة باردة وأومأ برأسه راضيًا: "على الأقل ماتت بمظهر لائق."
فباستخدام جوهر الرتبة الأولى المتوسط، يقطع نصل القمر أجساد الغو؛ أما وقد صُفي بالخمور إلى قوة المرحلة المتقدمة، فبات يهشّم العظام ويقطع الفولاذ!
سقط أحد الصيادين أرضًا يائسًا حين عاين مصرع حسناء القرية: "ابنة عائلة وانغ!"
خر الآخر مغشيًا عليه رعبًا تحت وطأة نظرات فانغ يوان القاتلة: "سيدي المبجل، العفو! ارحمنا!"
نهرهما فانغ يوان بصرامة: "انهضا وادخلا الكوخ للتفتيش! أعلم أن أسر القناصة تحتفظ دومًا بخريطة مرسومة على جلد وحش؛ تضمنتها تضاريس الجبل ومواقع الأفخاخ ومسارح الحيوانات بدقة. اعثرا عليها وسأمنحكما حياتكما."
فصاحا بلهفة: "حاضر! حاضر! سنفتش في التو! أمهلنا برهة يا سيدي!" ووثبا ركضًا إلى جوف الكوخ الخشبي.
ترددت أصوات تحطيم الخزائن وقلب الأثاث في أرجاء الكوخ.
غير أنه بعد جولة عاتية من النبش، لم يعثرا على أي أثر لخريطة جلد الوحش.
تملكهما الهلع وراحا يبعثران المتاع بهستيريا ورعب: "أين هي بحق الجحيم؟!"
"اخرجي! أرجوكِ اظهري!"
ارتجفت أبدانهما، واحمرت عيونهما كالجمر من فرط الفزع.
دلف فانغ يوان إلى الكوخ بخطى متزنة هادئة: "حفنة من العجزة عديمي النفع."
فارتمى الصيادان عند قدميه يتوسلان بدموع ونحيب: "سيدي! سيدي! ارحمنا… نرجوك!"
تجاهلهما فانغ يوان وألقى بنظراته الفاحصة في أرجاء المكان.
يضم الكوخ أربع حجرات وردهة ومطبخًا؛ وتناثر الأثاث مبعثرًا في كل زاوية كأن إعصارًا ضرب البيت.
تجول فانغ يوان في تؤدة، وتردد وقع خطواته على الألواح الخشبية.
فكر: "فُتش المكان بعناية، ومع ذلك لم تظهر؛ وهذا غير منطقي. فكل أسرة صياد تتوارث خريطة جلد وحش وتصقلها عبر الأجيال، فتسجل فيها منابع الوحوش والمصائد؛ وتلك هي عصب حياتهم، فكيف تخلو دارهم منها؟"
وقف متأملًا: "وفوق ذلك، اختبرت الشيخ العجوز حين أمرت الفتيين بالبحث عن الورق والحبر؛ فسارع الشيخ بتحديد مكانهما في المطبخ، خشية أن يعثرا على الخريطة أثناء التفتيش! فالخريطة قابعة في هذا البيت بلا ريب!"
أعاد فانغ يوان تفحص البيت بعينين ثاقبتين، وفجأة التمعت بصيرته وهو يرمق موقد التدفئة الحجري.
اتصل الموقد بمدخنة الكوخ ليؤمن الدفء في الشتاء القارس، وتراكمت في قاعه بقايا فحم أسود.
تقدم فانغ يوان نحو الموقد، وجثا على ركبتيه وتناول مجرفة صغيرة بجواره، وشرع ينبش كتل الفحم بروية.
حافظت معظم الكتل على شكل الحطب الهش وسهل انكسارها.
"أوه؟" وتوقف فانغ يوان؛ إذ استوقفته كتلة فحم شديدة الصلابة وثقيلة الوزن على غير المعتاد.
جرف الكتلة بمجرفته وهوى بها على الأرضية الحجرية فتحطمت إربًا، وبرز من وسطها أنبوب خيزراني محكم الإغلاق!
شهق الصيادان مذهولين من هذا المشهد!
تناول فانغ يوان أنبوب الخيزران ونزع غطاءه، ثم هزه فانسدلت منه خريطة مطوية.
كانت الخريطة أثقل وزنًا من أوراق الخيزران؛ إذ نُقشت على رقعة بيضاء من جلد وحش متين؛ وتجاوز طولها المتر وعرضها نصف متر، وامتزجت فيها خطوط سوداء وخضراء وحمراء وصفراء وزرقاء في شبكة جغرافية معقدة.
علت الدهشة محيا فانغ يوان وهو يطالعها.
فالخريطة تغطي مساحات شاسعة تتجاوز تخوم القرى بمراحل؛ ورسم هذه البقاع النائية إنجاز باهر لقناص فاني.
تركزت عيناه على خمس بقاع كبرى تأوي قطعان الخنازير البرية:
قطيعان صغيران، وقطيعان متوسطان، وقطيع هائل ضخم؛ وتوسط ذلك القطيع الضخم رسم علامة حمراء غائرة على هيئة تقاطع (X)!
سخر فانغ يوان في سريرته؛ فتلك العلامة التحذيرية الحمراء خلت منها أوراق الخيزران التي خطها الشيخ بيده تمامًا!
رأى الصيادان تلك الأوراق ولم يفطنا للخلل لقلة خبرتهما بحفظ حدود القرى فقط؛ أما تلك العلامة فتقع في أعماق الجبل السحيقة، مما يفضح دهاء الشيخ ومكره.
لهذا استوجب حتمية القضاء عليهم!
فلصيد الخنازير لزمته خريطة صادقة؛ ولم يكن ليعول على خريطة يرسمها خصم موتور؛ ووحده هذا الأصل القديم هو المعتمد الموثوق.
فانغ يوان سمع في حياته السابقة صنوف السباب، ولم تكن كلمة ’اغرب’ كافية بمفردها لقتل وانغ إر؛ بل إن فكرة التخلص منه انقدحت في ذهنه فور سماعه لحديث الصيادين عند الفخ.
فموت وانغ إر استأصل المقاومة ووفر له المسوغ لانتزاع الخريطة؛ فلمَ لا يجهز عليه؟!
فانغ يوان لا يقتل للقتل مجردًا؛ فالقتل وسيلة حاسمة لفض المعضلات، فإن حسم الأمر بها أعملها بلا تردد.
كان هلاك الشيخ المحنك حتميًا؛ فحتى لو تصنع الصفح عن قاتل ابنه، فلن يطمئن فانغ يوان لمكره؛ والأصل في اقتلاع الأعشاب الضارة اجتثاثها من جذورها لئلا يعيدها نسيم الربيع إلى الحياة!
ماذا عن دعوى ’قتل الأبرياء’؟!
ههه! في أي عالم من العوالم، ما دام المرء يحيا تحت أديم السماء، فهو منغمس في سلاسل القدر وتقلباته؛ فأين موضع البراءة المزعومة؟! والبشر يذبحون الخنازير، فهل كانت الخنازير مذنبة؟!
السمك الكبير يبتلع الصغير، والصغير يقتات على الرخويات؛ وفي ناموس الطبيعة لا توجد سوى سلاسل البقاء، ولا متسع للبراءة الموهومة!
في هذا العالم: كل امرئ معرّض للحياة، وكل امرئ معرّض للموت، ولا بريء على وجه هذه الأرض!
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.