الفصل 43 – صخرة الذهب الأرجواني الأخيرة
تلاطمت أمواج بحر النحاس الأخضر البدائي صعودًا وهبوطًا، مدًا وجزرًا.
فوق سطح البحر، تكورت دودة الخمر كحبة أرز، نافثة بخار خمر استحال تدريجيًا إلى ضباب أبيض كثيف.
اندفعت دفقة من الجوهر البدائي بهدير خافت، متصاعدة عكس التيار لتلج غمار ذلك الضباب الخائل؛ وحين انحسر المد، تضاءلت كميته إلى النصف بينما ازداد لونه دكنة، متحولًا من خضرة المرحلة الابتدائية اليانعة إلى خضرة شاحبة مميزة لجوهر المرحلة المتوسطة.
هوى جوهر المرحلة المتوسطة عائدًا إلى البحر، غير أنه لم يمتزج بجوهر المرحلة الابتدائية؛ فلكونه أكثر كثافة ورسوخًا، غاص مباشرة إلى قاع الفتحة.
هكذا، انقسم البحر البدائي إلى طبقتين: طبقة عليا تؤلفها مياه المرحلة الابتدائية، وطبقة سفلى تستقر فيها مياه المرحلة المتوسطة النقية.
مع تقادم الوقت، دار ضباب الخمر في أرجاء الفتحة؛ وتحت تنقية دودة الخمر المتواصلة، أخذ جوهر المرحلة الابتدائية يتضاءل باطراد، بينما تصاعد منسوب جوهر المرحلة المتوسطة رويدًا رويدًا.
بدا المشهد جليًا للعين المجردة؛ فالطبقة السفلى ترتفع تدريجيًا، والطبقة العليا تنحسر كميتها مع صعود منسوب مياه البحر ككل.
بينما صفا فانغ يوان جوهره، امتص في الوقت عينه الجوهر الطبيعي من الأحجار البدائية بيمينه، ليعوض سريعًا ما استهلكته عملية التنقية في فتحته.
أخيرًا، تحول بحره البدائي البالغ خمسة وأربعين بالمئة بالكامل إلى جوهر المرحلة المتوسطة النقي.
فتح فانغ يوان عينيه متمهلًا وهو يتربع في وضعية اللوتس فوق فراشه، وتمتم بارتياح: "الفضل كله يعود لجوهر المرحلة المتوسطة؛ ولولاه لما استطعت فلق خمسة أحجار متتالية في وكر القمار."
انتصف الليل، وخيم الهدوء على الأرجاء.
فبعد خروجه من وكر القمار، لم يطف ببقية المتاجر في السوق، بل قفل راجعًا في التو إلى نُزل الأكاديمية.
فرغم أن السوق تقع على أطراف قرية غو يوي، إلا أن حيازة خمسُمئة وثمانية وثلاثين حجرًا بدائيًا دفعة واحدة لسيد غو في المرحلة الابتدائية من الرتبة الأولى تظل ثروة فائضة تفوق الحد الآمن.
ولا يقتصر الأمر على ثقل وزن تلك الأحجار ومشقة حملها فحسب؛ بل إنها تجتذب أطماع الآخرين، وقد تودي بحياته إن تفاقم الخطر.
فإن طمع فيها سيد غو في المرحلة العليا من الرتبة الأولى، أو حتى سيد من الرتبة الثانية، فلن يقوى فانغ يوان بحالته الراهنة على ردهم.
التوت شفتا فانغ يوان عن سخرية باردة وهو يرمق الحجر البدائي الرمادي الأبيض بين يديه: "المال يروح ويغدو، وبسببه يهلك بنو الإنسان؛ يا له من أمر يدعو للرثاء! والمضحك أن قلة في هذا العالم تفقه هذا الدرس؛ فسفينة المكاسب والمنافع قد تسير بالخلق إلى بر النجاة، غير أنها تغرق آخرين في لجة الهلاك."
كان الحجر البدائي المكتمل يماثل بيضة بط في حجمه؛ أما الحجر الذي في يده الآن، فنقص حجمه دورة كاملة بعد استنزاف شطر جوهره الطبيعي.
لم يداخل فانغ يوان أدنى ندم على ذلك.
فلكل ربح ثمنه، وخسارة تقابله. ورغم أن موهبته لا تتعدى الدرجة الثالثة، إلا أن استعانته بدودة الخمر لتنقية جوهره ضاعفت استهلاكه للأحجار البدائية أضعاف ما ينفقه أقرانه؛ وبفضل هذا المسلك بالذات، استطاع ردم الهوة التي خلفتها موهبته المتواضعة. وإن قورنت سرعة زراعته الفعلية برفاقه، لتبوأ مكانه بين الثلاثة الأوائل بلا ريب.
أعاد فانغ يوان الحجر البدائي إلى كيس ماله، ثم أخرج حجر الذهب الأرجواني السادس والأخير.
فقد ابتاع ستة أحجار من وكر القمار، فلق خمسة منها علنًا، وحمل الأخير معه إلى غرفته.
مضت عيناه ببريق حاد وهو يستحث غو ضوء القمر؛ وبحركة متناغمة من أصابعه الخمسة، أخذ يفرك الحجر متمهلًا ليشرّحه بدقة.
تضاءل الحجر المتحجر تدريجيًا تحت التموجات الزرقاء الرقراقة، حتى تفتت عن آخره واستحال إلى كومة من المسحوق المتراكم على الأرض.
لم تفاجئه النتيجة قط؛ فالخسارة ديدن قمار الأحجار في تسع من كل عشر مرات.
حتى بخبرة خمسة قرون خلت، أقصى ما يبلغه تقليص الخسارة إلى ثماني مرات من كل عشر؛ أما المرتان المتبقيتان، فمرتهنتان بكون الغو حيًا أو ميتًا.
فالغو الميت عديم الجدوى لا قيمة له؛ والحي قد لا يكون من الأصناف النادرة، وحتى إن كان نفيسًا للغاية، فقد يجلب على رأس صاحبه خطر الهلاك.
مستوى زراعة فانغ يوان الراهن لا يزال في القاع، يمثل أدنى طبقات أسياد الغو؛ وضفدع جلد الطين الذي ظفر به سابقًا كاد جيا جين شنغ يغتصبه منه قسرًا لولا أنه يقف في عقر دار عشيرة غو يوي.
فالقمار لم يكن يومًا سبيلًا لبناء الثروات المنيعة، بل هو المستنقع الأسرع للإفلاس والديون؛ وليس هذا الدرب الذي يرتضيه فانغ يوان لمسيرته.
رغم خلو الحجر الأخير من أي دودة غو، لم تداخله خيبة أمل قط؛ بل تفرس في كومة المسحوق الصخري وانفرجت أساريره عن ابتسامة واثقة.
أجل! فغايته القصوى من ولوج وكر القمار كانت تلك الكومة من المسحوق بالذات! أما اقتناص ضفدع جلد الطين، فلم يكن سوى غنيمة عارضة ساقها الموقف.
فقد فلق هذا الحجر في خلوته، ولا أحد في الوجود يعلم ما أسفر عنه غيره.
من هذا اليوم فصاعدًا، بوسعه الزعم أمام الجميع بأنه أيقظ دودة الخمر وأخضعها من جوف هذا الحجر الذهبي الأرجواني تحديدًا!
كانت تلك حيلة محكمة وبارعة.
فأولًا، لا سبيل لأحد أن يجزم بنوع الحشرات الهاجعة في تلك الأحجار؛ ومن ذا الذي يجرؤ على نفي سبات دودة خمور داخل صخر الذهب الأرجواني؟! إنه احتمال وارد تمامًا!
ثانيًا، امتلك شهود عيان كثر؛ فقد استخرج ضفدع جلد الطين علنًا، تاركًا انطباعًا راسخًا لدى أسياد الغو في وكر القمار.
ثالثًا، حتى لو بالغت العشيرة في استجوابه والتحقيق معه، فبوسعه إحالة الأمر برمته إلى ضربة حظ عمياء. والحظ سر غامض لا يُسبر غوره؛ فحتى لو راودت أحدهم شكوك بارتباط الدودة بالراهب جيا تشي، سيعجز تمامًا عن مجادلته أمام حجة ’الحظ المطلق’.
في الغرفة المظلمة، لاحت في عيني فانغ يوان نظرة غامضة ودقيقة.
فالكتمان المطلق يشبه تغطية النار بالورق، ولا بد ليوم أن تنكشف فيه الحقيقة.
التخلص من تهديد دودة الخمر يقتضي المبادرة بالهجوم واستباق الرياح؛ وتلك هي شيمته دائمًا.
فوق ذلك، تدبر الأمر مليًا، وأدرك حتمية كشف دودة الخمر خلال مسار زراعته القادم.
"دودة غو من الرتبة الأولى كدودة الخمر لا تزن ذهبًا إلا في أعين أسياد الرتبة الأولى؛ أما أسياد الرتبة الثانية فما فوقها، فلا توافق أساليبهم ولا تجدي نفعًا معهم. لذا فحتى لو افتُضح أمرها، أقصى ما سأجنيه لفت بعض الأنظار، دون أن يؤثر ذلك في توازنات القوى أو يهدد بقائي. إنها ليست كحشرة زيز ربيع وخريف على الإطلاق؛ فلو انكشف أمر الزيز، لفتكت بي العشيرة في اللحظة التالية شر فتكة."
إن خبرة خمسة قرون في معالجة الخطوب صيرت فانغ يوان بصيرًا بنفوس البشر، يقرأ بواطنهم ككتاب مفتوح.
"إرث الراهب جيا تشي وضفدع جلد الطين هما الكنزان الوحيدان في هذه الديار وفق ذكرياتي؛ والآن وقد حزتهما معًا، لم يتبقَ أمامي سوى الزراعة والمضي بخطى راسخة متأنية."
تنهد فانغ يوان تنهيدة عميقة وأرخى جسده، وشعر بموجة عارمة من الإرهاق تجتاح أطرافه.
فزراعة البحر البدائي لا تغني بحال عن النوم وراحة الجسد.
جذب غطاءه واستلقى فوق سريره، وعيناه نصف مغمضتين.
رغم استقرار خمسُمئة حجر بدائي تحت سريره، فضلًا عن خوابي نبيذ الخيزران الأخضر، إلا أنه لم ينفك يستشعر وطأة الخطر وضيق الوقت.
فتلك الخمسمئة حجر تمثل ذروة ما يمكنه جمعه؛ والأمور بعد بلوغ تمامها تؤذن بالانحدار، ونفقاته من الأحجار البدائية ستتصاعد تصاعدًا حادًا من الآن فصاعدًا.
بينما يعتمد دخله الراهن على سلب رفاقه في الأكاديمية.
وقد لاحظ مؤخرًا نمو مهارات رفاقه وتطورها السريع؛ وبخاصة في الجولات الأخيرة، حيث أبدى غو يوي مو بي، وتشي تشنغ، وشقيقه فانغ تشنغ براعة ملحوظة في اللكم والركل. فبعد أن كان يسقطهم بضربة أو ضربتين، بات يحتاج إلى خمس أو ست ضربات للإطاحة بهم.
"ثلاث أو أربع جولات سلب أخرى، وسيكتمل صقل فنونهم القتالية؛ فإن تتابعوا على منازلتي واحدًا تلو الآخر، فلن تسعفني طاقتي البدنية على خوض تلك المعارك المتتالية. وخمسُمئة حجر قد تبدو ثروة طائلة، غير أن استهلاكي أربعة أحجار يوميًا سيأتي على بنيانها عاجلًا."
"ولم يتبقَ في جبل تشينغ ماو كنوز أخرى؛ غير أن جبل باي غو القريب يضم ميراث قوة شيده سيد غو من الرتبة الرابعة من المسار الصالح خفية."
"يا للأسف، إرث الراهب جيا تشي كان شديد الضآلة، ولم أظفر منه سوى بدودة الخمر. ممم… لا يزال هناك ذلك الجدار الصخري الصقيل في الكهف؛ ولعلي أستطيع بيعه لأحد تجار القافلة…"
تتابعت تلك الخواطر في ذهن فانغ يوان، حتى تثاقلت جفونه تدريجيًا واستغرق في نوم عميق.
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.