الفصل 31 – فانغ يوان! أنت في ورطة كبرى!
"تدربت بجد على أساسيات الفنون القتالية طوال سبعة أيام متتالية، ومع ذلك لم أصمد سوى أمام ضربتين من فانغ يوان قبل أن أغيب عن الوعي! يا للعار! عار لا يُغتفر!" تنهد غو يوي مو باي بحسرة وألم ملأا صدره.
في حديقة قصر عائلته، وقف قبالة دمية خشبية، مسددًا لكمات وركلات متتابعة يتردد صداها بقوة في الأرجاء.
فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت ضاحك: "أخي الصغير، أتحمل كل هذا الحقد الدفين لتلك الدمية الخشبية؟ ما سر هذا الغيظ كله؟"
حين سمع مو باي هذا الصوت المألوف، استرخى وكف عن توجيه الضربات، ثم التفت قائلًا: "أختي الكبرى، لقد عدتِ!"
أجابت غو يوي مو يان بابتسامة رقيقة: "أجل، أوفدني مجلس العائلة في مهمة استكشافية دامت أكثر من عشرة أيام…" وكانت مو يان شقيقة مو باي من صلب والديه، وسيدة غو في المرحلة المتوسطة من الرتبة الثانية.
غير أن ابتسامتها تلاشت سريعًا، وحلت مكانها ملامح صارمة وهي تحدج وجه أخيها بنظرة حادة: "ما خطب هذه الكدمات الزرقاء على وجهك؟ من اعتدى عليك؟"
لاحت مسحة ارتباك على وجه مو باي وسارع باختلاق عذر: "أوه، لا شيء، تعثرت وسقطت أرضًا بالصدفة." فلم يرغب في إطلاع شقيقته على هذا الخزي؛ فأن يُصرع وريث فرع مو المستقبلي والحفيد المدلل للشيخ غو يوي مو تشن مرتين متتاليتين في نزال قتال قريب، أمر لا يطيق الإفصاح عنه. ولحسن حظه، لم يكن الضحية الوحيدة؛ فزملاؤه جميعًا لقوا المصير المؤلم عينه.
قالت غو يوي مو يان موجهة قبل أن تنصرف: "إذن عليك توخي الحذر؛ أما تدريبك القتالي بهذه الطريقة فلا ينفع، وأنت لا تملك الآن دودة غو تعزز دفاعك؛ لذا لف أطرافك بمناشف سميكة لتحميها من الرضوض."
"أهلًا وسهلًا بكِ يا آنستي!"
"صباح الخير يا آنستي الشابة!"
"عادت الآنسة الشابة، خادمكِ يحييكِ!"
مضت غو يوي مو يان بخطى حثيثة وملامحها باردة منيعة، بينما سارع الخدم الذين يلقونها في الممرات إلى الانحناء وإلقاء التحية في إجلال.
توجهت نحو قاعة المكتب، ودفعت الباب دون استئذان وولجت الغرفة؛ وكان الشيخ غو يوي مو تشن يمارس فن الخط وظهره يواجه الباب.
بادر مو تشن بالسؤال دون أن يلتفت: "عدتِ؟ بعد استكشاف دام نصف شهر، ما شأن وكر الذئاب؟"
شهقت مو يان متفاجئة: "كيف عرفتَ أنني بالداخل يا جدي؟"
شخر الشيخ مداعبًا وارتسمت على وجهه أمارات المودة وهو يبتسم لها: "حمقًا، في هذه العائلة بأسرها، أنتِ الوحيدة التي تجرؤ على اقتحام غرفتي دون نقر الباب ولو لمرة واحدة؛ فمن عساه يكون غيركِ يا حفيدتي المدللة؟"
لوت مو يان شفتيها بدلال: "حين يتعلق الأمر بالتدليل، فأنت تحب أخي الصغير أكثر؛ غير أنك تقمع مشاعرك وتشدد عليه لكونه الوريث القادم للعائلة حتى لا يلحظ الآخرون عطفك عليه."
ثم أردفت متسائلة: "جدي، لقد ضُرب أخي الصغير! سألته فكذب عليّ وراوغ، ولم أجد بدًا من سؤالك."
تجهم وجه غو يوي مو تشن ووضع فرشاة الخط جانبًا ثم جلس باعتدال: "لم تجيبي عن سؤالي بعد."
أجابت مو يان على مضض: "وكر الذئاب ممتلئ تقريبًا؛ ووفق معدل التكاثر الحالي، لن يقع هجوم هذا العام، لكن جبل تشينغ ماو سيشهد مدًا عارمًا للذئاب في العام المقبل حتمًا."
سأل الشيخ باهتمام: "المعتاد أن يقع الاجتياح كل ثلاث سنوات، وهذا ليس بغريب؛ لكن بين هذا الحشد، كم عدد ذئاب تاج الرعد؟"
"نحو ثلاثة."
أومأ مو تشن برأسه مستريح البال؛ فذئاب تاج الرعد هي قادة القطعان، ومواجهتها أشد ما يؤرق العشائر أثناء الاجتياح.
ثلاثة ليس بالعدد الكبير؛ إذ يضم جبل تشينغ ماو ثلاث قرى لعشائر كبرى، وتستطيع كل قرية التكفل بذئب واحد، مما يخفف عبء الاجتياح إلى حد بعيد.
عادت مو يان تلح في سؤالها: "جدي، لم تخبرني عن شأن أخي الصغير بعد!"
ضحك غو يوي مو تشن قائلًا: "لا بأس بإخبارك، لقد تلقى علقة ساخنة؛ المرة الأولى قبل سبعة أيام، والمرة الثانية اليوم، ووقع النزالان أمام بوابة الأكاديمية، وضُرب حتى خر صريعًا مغشيًا عليه في المرتين."
جحظت عينا مو يان في دهشة: "من يملك الجرأة لضرب أخي الصغير حتى الإغماء؟!"
ابتسم مو تشن بتهكم: "زميل له في الصف يُدعى فانغ يوان؛ إنه بارع للغاية في القتال…"
اتسعت عينا مو يان حيرة واستنكارًا: "جدي، ما هذا الذي تقوله؟! إنه حفيدك ومن صلب دمك!"
حدجها مو تشن بنظرة عميقة مليئة بالحكمة: "يا مو يان العزيزة، أنتِ فتاة وقد يعزب عنكِ هذا المعنى؛ فالهزيمة والخزي ليسا سوى وقود للتطور والارتقاء، وبدون تذوق مرارة الفشل لن ينضج المرء ولن يغدو رجلًا صلب العود."
تابع موضحًا: "هُزم مو باي، وتلك كبوته؛ وبمجرد أن يسترد وعيه، يسارع إلى سؤال المدربين عن خفايا القتال؛ وهذا لون من ألوان الارتقاء، ارتقاء فجره فيه فانغ يوان بلكماته. وإن أردتِ حقًا حماية أخيك ورعايته، فلا تتدخلي في مسار نموه. فما فانغ يوان سوى صبي بموهبة من الفئة C، بينما يحوز مو باي الفئة B، وبدعم عائلتنا له، سيدوس فانغ يوان تحت قدميه ويطرحه أرضًا في نهاية المطاف."
استطرد بصرامة: "دعي هذا الغريم لمو باي؛ فالمرأة في حياتها بحاجة إلى أسرة وحبيب، أما الرجل فما لا غنى له عنه أبدًا في مقتبل طريقه هو الند والغريم! إياكِ والتعرض لفانغ يوان، أتسمعينني؟ هذا أمر يخص الناشئة، وتدخلكِ سيُعد استقواءً على الصغار؛ وخرق الأعراف بهذه الصورة سيحط من قدر فرع مو في أعين الجميع."
بهتت مو يان عاجزة عن الرد، وتحت وطأة نظرات جدها الصارمة، طأطأت رأسها في انصياع: "أمرك يا جدي، فهمت حفيدتك."
خرجت من قاعة المكتب بخطى مضطربة، غير أن مو تشن لم يلحظ بريقًا شرسًا توهج في عينيها.
حدثت نفسها في سرها: ’جدي، تلك طريقتك في حب حفيدك؛ أما أنا، مو يان، فلدي أسلوبي الخاص.’
في مطعم الحانة، امتلأت الطاولات بالرواد الذين يتناولون طعام العشاء، وساد المكان جو مفعم بالحياة؛ بينما تنقل العمال بسرعة بين الطاولات يقدمون الأطباق.
جلس فانغ يوان إلى طاولة محاذية للنافذة، وطلب بضعة أطباق وأخذ يأكل وعيناه ترنوان إلى الخارج.
بدا الغروب في الأفق كحريق يشتعل ببطء، وتوارت نصف الشمس وراء الجبال تلقي بنظرة وداع أخيرة على الثرى.
غشى الليل سفوح الجبال البعيدة، وامتلأت الأزقة القريبة بالمارة العائدين إلى منازلهم: بعضهم حفاة الأقدام، وبعضهم فلاحون يعلوهم الطين، وآخرون من جامعي الأعشاب، وصيادون يحملون طرائد الجبل من طيور وخنازير برية، فضلًا عن أسياد الغو بقمصانهم الزرقاء الأنيقة وأربطة رؤوسهم وأحزمتهم المشدودة على خصورهم.
تلك الأحزمة تكشف رتب أصحابها؛ فسيد الغو في الرتبة الأولى يرتدي حزامًا أزرق بصفيحة برونزية تحمل الرقم واحد، وسيد الرتبة الثانية يشد وسطه بحزام أحمر يتوسطه قرص حديدي يحمل الرقم اثنين.
لاحظ فانغ يوان من مقعده وجود ستة أو سبعة من أسياد الرتبة الأولى وأغلبهم من الفتية، وسيدًا واحدًا من الرتبة الثانية في منتصف العمر.
أما أسياد الرتبة الثالثة فهم شيوخ العشيرة، وسيد الرتبة الرابعة هو زعيم العشيرة وسيد القرية بأسره.
بينما ندر أسياد الرتبة الخامسة في التاريخ، ولم يبلغ هذه المرتبة في سجلات عشيرة غو يوي كلها سوى زعيم الجيل الأول وزعيم الجيل الرابع.
فكر فانغ يوان مستندًا إلى خبراته المتراكمة طوال خمسمائة عام: "معرفة قوة العشيرة أمر يسير للغاية؛ يكفيك الجلوس في بقعة من القرية بضع ساعات ومراقبة العابرين، لتقدر من أعداد أسياد الرتبتين الأولى والثانية حجم ثروتها وقوتها."
ففي قرية غو يوي، من بين عشرين عابرًا في الطريق ثمة ستة من أسياد الغو، وبين هؤلاء الستة احتمال بنسبة النصف لوجود سيد من الرتبة الثانية.
بهذه القوة ورأس المال، استأثرت عشيرة غو يوي بأخصب بقاع جبل تشينغ ماو بالموارد؛ غير أن الجبل بأسره ليس سوى زاوية نائية في رقعة الحدود الجنوبية المترامية، ولا تعد عشيرة غو يوي فيه سوى قوة من المستوى المتوسط الأدنى.
تنهد فانغ يوان وهو يفرغ من طعامه: "ما زلت في مستهل زراعتي في المرحلة الابتدائية من الرتبة الأولى، ولا أملك حتى حق التجوال في الحدود الجنوبية؛ ويلزمني بلوغ الرتبة الثالثة على الأقل لأقوى على خوض غمار العالم الفسيح."
فجبل تشينغ ماو أضيق بكثير من أن يتسع لطموحه، وعزمه على الرحيل راسخ لا يتزعزع.
فجأة، تعالت ضحكة ماكرة واقترب رجل متهكمًا: "ها ها! غو يوي فانغ يوان، أخيرًا عثرت عليك!"
التفت فانغ يوان خفيفًا ليرى رجلًا في منتصف العمر ذا بشرة صفراء وحاجبين متدليين، غير أنه يمتلك بنية ضخمة وعضلات مفتولة؛ فتقدم نحو فانغ يوان بخطى متبخترة وعاقدًا ذراعيه، يرمقه بنظرة عدائية مستعلية.
شخر الرجل بتهكم ورمق فانغ يوان باستخفاف انبعثت منه هالة تهديد سافرة: "فانغ يوان، لقد أوقعت نفسك في ورطة كبرى، أتدري ذلك؟ هه هه هه، تجرأت على ضرب سيدنا الشاب لفرع عائلة مو، والآن جاءت آنستنا الشابة لتصفي حسابها معك!"
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.