القس المجنون الفصل 276 — الحجر النجمي

اقرأ القس المجنون الفصل 276 — الحجر النجمي باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 276 – الحجر النجمي

صخرة سوداء قاتمة، في حجم وجه إنسان تقريبًا، تلألأت على سطحها شذرات من وميض أزرق خافت.

للوهلة الأولى، بدت أشبه برقعة من سماء الليل المرصعة بالشهب والنجوم المتلألئة في الأعالي.

هذا الحجر يُعرف باسم الحجر النجمي.

بيد أنه تميز عن سائر الأحجار النجمية المتناثرة حوله؛ إذ اتخذ هيئة مكعبة منتظمة جعلته يبدو كقطعة قِرميد أو لبنة بناء صلبة.

تلك الصخرة المطمورة بين ركام من الرواسب، هي ذاتها التي حوت بداخلها دودة غو أسطورية عثر عليها أحدهم في ما مضى. وبفضل تلك الدودة المباركة، تحول ذلك المحظوظ المغمور من نكرة لا شأن له إلى خبير ذائع الصيت في مسار القوة، تشرئب نحوه الأعناق بالحسد والإكبار.

هنالك وقف فانغ يوان في موضعه، يجيل بصره في الأرجاء الفسيحة، مدركًا على الفور سر إهمال الجميع لتلك الصخرة الثمينة.

المكان كان صالة ميسر ضخمة بالغة الفخامة متخصصة في مقامرة الأحجار، تعج بالزبائن وتزدهر بتجارة رائجة.

على الرغم من وقوعها في نطاق المدينة الداخلية الثالثة، فقد غصت جوانبها بأمواج متدفقة من البشر.

تُصنف أحجار المقامرة عادة إلى خمس درجات متفاوتة: الحثالة، والدنيا، والوسطى، والعليا، والخارقة.

في درجة الحثالة، تُباع الصخرة الواحدة بما يزيد قليلًا على عشرة أحجار بدائية. أما حجارة الدرجة الدنيا فتناهز مئة حجر، وتبلغ الوسطى نحوًا من ألف حجر، بينما ترتفع العليا إلى عشرة آلاف، وتصل الدرجة الخارقة إلى مئات الآلاف من الأحجار البدائية للصخرة المفردة.

هذا الحجر النجمي القابع هنا ينتمي تحديدًا إلى أحجار الحثالة المتدنية.

أحجار الحثالة هي الأكثر تعرضًا للازدراء والتحقير في أسواق المقامرة؛ فجلها مصمت من الداخل لا حياة فيه، وحتى إن اشتملت على دودة غو، فإنها تكون في الغالب جيفة هامدة لا نفع منها.

زاد من كساد هذا الصنف على نحو فادح إثر ظهور سيد الغو الشيطاني وي شين جينغ، الذي ألحق بسوق أحجار الحثالة ضربة قاصمة.

اشتهر وي شين جينغ ببراعته الفائقة في تزييف القطع والأحجار، حتى لقبه الناس بلقب "سيد التزييف."

باع ذات يوم كميات هائلة من أحجار الحثالة المزيفة بمهارة لا تُبارى، مما دفع كبرى العشائر في الحدود الجنوبية إلى إهدار دمه وتعميم مذكرات لمطاردته، فبات هدفًا ملعونًا يمقته القاصي والداني.

أدى صنيعه إلى عزوف المشترين وتراجع شعبية تلك الأحجار بدرجة غير مسبوقة، غير أنها لم تخلُ تمامًا من الراغبين.

أحيانًا، حين يطيب خاطر أسياد الغو في جولات التسوق، يقبلون على مراهنات صغيرة بغية التسلية والمرح، فيشترون بضع صخرات من الحثالة لتمضية الوقت واختبار الحظ. وفضلًا عن ذلك، يتخذها المقامرون المحترفون وسيلة رخيصة للتدرب وصقل حواس التقييم.

فالأحجار رخيصة الثمن، وخسارتها لا تورث حسرة ولا تمس جيوب المقتدرين بسوء.

لكن المفارقة تكمن في طبيعة المدينة الداخلية الثالثة.

فمعظم رواد هذا النطاق يبلغون الرتبة الثالثة من الزراعة.

تُمثل الرتبة الثالثة مستوى شيوخ العشائر، وفي هذا الطور يمتلك سيد الغو أصولًا وثروات محترمة. وحتى لو ابتغى التدرب، لاختار أحجار الدرجة الدنيا التي ترتفع فيها احتمالات الفوز والظفر، بدلًا من إضاعة وقته في ركام النفايات.

شراء أحجار الحثالة بدا في عرف هؤلاء إهانة لمكانتهم ورفعتهم.

ومع ذلك، في صالة مقامرة مترامية الأطراف تعج بالحشود، ظل بعض أسياد الغو يلقون نظرات عابرة على تلك الأكوام الرخيصة.

ورغم ذلك التدفق…

ضحك فانغ يوان في قرارة نفسه: "ههههه، من عساه يتخيل أن حجرًا نجميًا يُستخدم لتثبيت ساق منضدة مائلة، يخفي في طياته دودة غو أسطورية تذهل الألباب؟"

بالفعل، وُضع هذا الحجر النجمي تحت ساق منضدة خشبية متداعية لحفظ توازنها ومنع تأرجحها.

الناس يغدون ويروحون من حولها، فمن ذا الذي يلتفت إلى منضدة عادية متهالكة وسط عشرات الصفوف المكتظة بحجارة الحثالة؟

تراكمت على تلك المناضد صخور الحثالة ركامًا فوق ركام، رخيصة ومبتذلة تذكر بأسواق الخضار والفواكه المتواضعة على كوكب الأرض.

لم يلقِ أي من أسياد الغو الوافدين بالًا لتلك النفايات الحجرية.

وهكذا ظل الحجر النجمي منسيًا في زاويته المهملة، وعلته طبقات كثيفة من الغبار زادت من قبحه وعتمته.

لا أحد يدري متى غدا هذا الحجر ركيزة لمنضدة عرجاء، لكن المؤكد أن أعدادًا لا تُحصى من المارة وطئوا جواره يوميًا دون أدنى التفات.

حتى أقبل ذلك اليوم الموعود في حياته السابقة.

سيد غو بائس رث الحال، عثرت قدمه بحافة المنضدة بينما كان يترنح في الصالة.

الحق يقال، اللوم يقع على ذلك السيد الأخرق لعدم انتباهه لموطئ قدمه؛ فالمنضدة جماد ساكن لا حراك به، مر بها آلاف العابرين دون أن يتعثر أحد، فلماذا اختصه التعثر وحده؟

كعمود إنارة ينتصب شامخًا على قارعة الطريق، لا يعترض سبيلًا، ومع ذلك يأتي غافل فيرتطم به ارتطامًا شنيعًا. فهل يُلام العمود على غفلة العابر؟

لكن المنطق في هذا العالم لا يحسم الخصومات؛ فالغلبة للقوة وحدها.

مزارع ربى ديكًا، فأخذ الديك يصيح حتى طيّر نوم الظهيرة من عينيه؛ استشاط المزارع غيظًا وذبح الطائر دون تردد، ولم يرَ في صنيعه أي منكر.

في كل العوالم، لا يحتاج القوي سوى للتنازل قليلًا لحل أي نزاع. بيد أن الخواتيم تشهد دومًا تعنت الأقوياء، بينما يدفع الضعفاء ثمنًا باهظًا من دمائهم وكرامتهم.

تعثر سيد الغو البائس، ورغم أنه لم يسقط أرضًا، فقد التهب صدره حنقًا وغيظًا، فأفرغ جام غضبه على تلك الصخرة المسكينة.

"بما أنكِ تجرأتِ على عرقلة مسيري، فسأبقر أحشاءكِ إربًا!"

بناء على ذلك، اشترى الصخرة في نوبة غضب، وشقها أمام حشد من المتفرجين الفضوليين.

حينها، بزغت الدودة الأسطورية في دنيانا، فخطفت الأبصار وحبست الأنفاس.

حادثة درامية ملحمية، ولشدة غرابتها تناقلتها الألسن وتداولتها الركبان ردحًا طويلًا في حياة فانغ يوان الماضية.

في الوقت الراهن، تلك الواقعة لم تحدث بعد في هذا الخط الزمني.

الحجر النجمي لا يزال قابعًا تحت ساق المنضدة، ينتظر قدره المحتوم في سكون وصمت مطبق.

أما قدما فانغ يوان، فكانتا تفصلهما عن الصخرة بوصتان اثنتان فقط لا غير.

اقترب أحد الباعة حين لاحظ وقفة فانغ يوان الشاردة، دون أن يفطن إلى أن عيني الفتى تترصدان الصخرة من طرف خفي، وبادره بلطف: "أيها الزبون الكريم، هل هذه زيارتك الأولى لصالتنا الميمونة؟"

فرك فانغ يوان أرنبة أنفه وقال متمهلًا: "أجل، على ما أظن." وإن استثنى ذكريات حياته السابقة، فهذه هي المرة الثانية التي تطأ فيها قدماه صالة مقامرة بالأحجار.

"وافد مستجد!"

"فريسة سهلة الخداع!"

اتسعت ابتسامة البائع وازدادت إشراقًا وتوددًا: "تفضل بالدخول إلى الداخل، ولأصدقك القول؛ الحجارة هنا هي الأرخص ثمنًا، ولكن الرخيص لا خير يرتجى منه. جودتها رديئة وهيئات متنافرة خالية من البريق، فما عساك تجني من ورائها؟ دعني أصحبك إلى القاعات الداخلية وأطلعك على النفائس."

رفع فانغ يوان حاجبيه متظاهرًا بالفضول، وتبع خطى البائع: "أوه؟ هات ما عندك."

تقدم البائع خطاه والتفت نحوه يسأله باعتداد: "أيها السيد، هل تعلم كيف تتشكل أحجار المقامرة في الأصل؟"

قبل أن يرتد طرف فانغ يوان، انطلق البائع يجيب بنفسه: "كما يقول المثل المأثور؛ الإنسان روح المخلوقات جمعاء، والغو جوهر السماء والأرض. حبا الصانع الإنسان بالإلهام والذكاء الفطري، مما مكنه من الإبداع والابتكار وصنع أعاجيب لا حصر لها، وابتكار ديدان غو جديدة لم تنشأ أصلًا في الطبيعة. أما الغو فهو خلاصة الأرض والسماء؛ لا يمتلك ذكاء معقدًا، غير أن أجساده الضئيلة تكتنز فتات قوانين الداو العظيم."

واصل البائع حديثه بطلاقة: "فالسماء والأرض تمنحان دومًا فسحة للنجاة؛ فإذا أُصيبت دودة غو بجراح بالغة، أو نفد قيتها وغذاؤها، تلجأ إلى السبات الشتوي العميق. ومع تقادم العصور، تتشكل حول جسدها الساكن طبقة صخرية رقيقة، تتكاثف شيئًا فشيئًا حتى تكتسب كتلة حجرية متماسكة. وبمرور القرون والأحقاب، تتراكم الطبقات متحولة إلى أحفورة صخرية تلف دودة الغو وتحميها. وبفعل أثر فتات القوانين الكامنة في جسد الحشرة، تختلف تلك الصخور جذريًا عن سائر الأحجار، وتتميز بهيئة متباينة عن التراب المحيط بها. يعثر المنقبون على هذه المستحثات ويجمعونها، وتلك هي حقيقة أحجار المقامرة المعروضة أمام ناظريك."

أومأ فانغ يوان برأسه وتابع سيره قائلًا: "همم، لقد بلغ مسامعي شيء من حديث تشكل أحجار المقامرة."

كلما توغل فانغ يوان في أعماق الصالة، تكاثرت أعداد أسياد الغو من حوله.

انهمك كثيرون في فحص الصخور بدقة، أو تبادل الآراء بهمس خافت متهدج.

فضاء الصالة ومنصات العرض بدت ساكنة مهيبة بفعل تلك الأحاديث الخافتة المكتومة.

استطرد البائع بنبرة رزينة: "بما أنك ترغب في خوض غمار المقامرة، فالحذر واجب والتسرع مذموم. نحن صالة مقامرة نعم، غير أننا لا نغش زبائننا ولا نستغفلهم؛ بل نحرص على أن تراهن باطمئنان ومعرفة تامة بقراراتك. نوفر هنا أحجار الرجل العجوز، وأحجار دفع العربة، والأحجار النجمية، وأحجار الجليد البارد. وينقسم كل نوع إلى خمس درجات تبعًا لصفاء جودته، وتتفاوت أسعارها من مئات الآلاف وصولًا إلى بضعة أحجار بدائية زهيدة."

أشار البائع بيده: "المنطقة التي كنت تقف عندها في البداية هي أدنى درجات الحثالة، ولم أنصحك بالشراء منها لتدني خامتها ورداءة محتواها، ولنأخذ الحجر النجمي مثالًا جليًا."

تابع يشرح دقائق الصنعة: "في الأحجار النجمية، أكثر ما يُعثر عليه هو ديدان الغو من مسار ضوء النجوم. تلك الحشرات تكتنز قوانين النجوم، ولذا تتشكل على قشرة الأحفورة علامات وضاءة تشبه النجوم اللامعة. وأشهر ديدان النجوم انتشارًا هي غو سهم النجم من الرتبة الأولى؛ ومن ثم تتخذ الأحفورة هيئة سهم مسنن. وإذا احتوت على غو رمح النجم، بدت الصخرة مستطيلة ذات طرف مدبب وقاعدة منفرجة. وهناك أيضًا غو الشهاب المتساقط، وتكون أحفورته مستديرة يمتد خلفها ذيل مقوس. وجود هذه الهيئات يرفع احتمالية العثور على دودة غو داخل الصخرة بدرجة فائقة."

أردف موضحًا: "وبطبيعة الحال، تتعدد المؤشرات بجانب الهيئة الظاهرة؛ كعدد النقاط المضيئة على السطح، فكلما تكاثرت وتوهجت، دل ذلك على رجحان وجود غو باطن، بل وارتفاع رتبته وقيمته. وما تراه أمامك الآن يا سيدي ينتمي إلى الدرجة الوسطى؛ وستلحظ بنفسك أن الحجارة الأرقى تتفوق بهاء وجمالًا، وإن كان ثمنها أعلى وأثقل على الجيب."

علق فانغ يوان بنبرة هادئة غير مبالية: "أجل، الأمر كما ذكرت تمامًا."

نبرة البائع تلونت بفخر واعتزاز: "تضم صالتنا أمهر أساتذة فلق الأحجار في المدينة قاطبة، وتزيد خبرة أصغرهم عن عشرين عامًا من الممارسة اليومية. ولدينا الأستاذ دوان، وهو حجة بارعة في استخراج الحشرات بحمض التآكل، وتتجاوز خبرته نصف قرن من الزمان."

شدد البائع على نصيحته: "أنصحك بشدة بطلب فلق الصخرة داخل متجرنا فور استقرار اختيارك؛ فأساتذة الفلق خبراء متمرسون، ويمتلكون منظومة متخصصة من ديدان الغو المصممة بدقة لتقشير الأحجار دون الإضرار بما في جوفها."

"طريقة الفلق تستوجب ملاءمة دقيقة لنوع الصخر؛ فالحجر النجمي يقتضي استخدام طاقة الجذب المغناطيسي، بينما يستلزم حجر الرجل العجوز استخدام المحاليل الحامضية."

"فإذا كانت الصخرة تحتضن دودة غو، فإن الحشرة تكون في غاية الوهن والضعف؛ فإن استُخدمت وسيلة خاطئة لانتزاعها، تلقت ضربة قاصمة تودي بحياتها، وحينها لا ينفع الندم ولا تُجدي الحسرة."

أضاف البائع مبتسمًا: "إذا اخترت أحجارًا من الدرجة العليا أو الخارقة، فإننا نقدم خدمة الفلق بالمجان إكرامًا لمقامك. أما إن اخترت من الدرجة الدنيا أو الوسطى، فعليك دفع رسوم الخدمة من مالك الخاص. أما حجارة الحثالة، فهيهات، لا ننصح بإهدار المال على استئجار خبير لفلقها؛ إذ إن أجرته ستفوق أضعاف ثمن الحجر التافه."

تذكر فانغ يوان حين كان في جبل تشينغ ماو، ووفدت قافلة عشيرة جيا التجارية، كيف تولى بنفسه فلق صخرة الذهب الأرجواني في غرفته.

بيد أن طريقته آنذاك اعتمدت على القوة الغاشمة المجردة.

لحسن الطالع، تميزت صخرة الذهب الأرجواني بليونة قشرتها، وامتلك ضفدع جلد الطين حيوية دافقة صلبة، ناهيك عن خبرة فانغ يوان الواسعة في التعامل مع مثل تلك المواقف.

فلق الأحجار لا يُؤخذ بالقوة العمياء، وإلا تسبب في مقتل دودة الغو الساكنة بالداخل سريعًا.

فإذا أراد فانغ يوان فلق الحجارة مستقبلًا، فسيحتاج حتمًا إلى الاستعانة بخبرات هؤلاء المتخصصين في المتجر لضمان السلامة.

طاف فانغ يوان جولة سريعة بين الأروقة، ثم وقع اختياره على بضع صخرات متفرقة من منطقة الدرجة الدنيا؛ انتقى حجارة من صنف الرجل العجوز، وأحجار دفع العربة، وحجارة نجمية، بمعدل صخرتين أو ثلاث من كل نوع.

خابت آمال البائع وتلاشت حماسته؛ فبعد كل ذلك الشرح المسهب والجهد المبذول لإغرائه باقتناء صخور من الدرجات العليا، لم يقع الفتى في الفخ، ولم ينسق خلف الإغراءات الرنانة.

خاطب البائع زبونه بفتور ملحوظ بعد طول عناء: "أيها الزبون العزيز، هل تحمل رمزًا أو لوحة شرف؟ إن كانت لديك لوحة الكمثرى الصفراء فما فوق، فستحظى بتخفيضات محترمة. تفضل بإبرازها إن وُجدت لديك."

لكن ملامح الفتور لم تلبث أن تبددت في طرفة عين، وسقط فكه ذهولًا، وكادت عيناه تجحظان من محجريهما دهشة وروعًا.

"لوحة الشوكة الأرجوانية؟! يا للعجب والروعة!"

***

أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة! آمين. إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.