الفصل 238 – أنقذيني يا سيدتي!
بلغ غضب المشرف العجوز عنان السماء، وعقد العزم على تلقين هذا الوافد درسًا لا ينساه طوال دهره.
بام! فتح الباب بعنف.
غير أن المشهد الماثل أمام ناظريه شل حركته؛ إذ رأى فانغ يوان غارقًا في دمائه وتكسو جسده جروح غائرة.
أصابت الدهشة المشرف العجوز فتبدد غضبه في الحال، وسأل متوجسًا: "ما خطبك يا هذا؟ أشن قطيع وحوش ضارية غارة علينا؟"
مسح فانغ يوان دموعه وشهق باكيًا: "كلا يا سيدي المشرف، بل اعتدى عليّ أولئك اللصوص وسلبوا أحجاري البدائية! أرجوك يا سيدي أن تنصفني وتقتص لي منهم!"
……
"آخ… كم هذا مؤلم!"
"أغادر ذلك المعتوه المكان؟"
"سحقًا له، أي قوة خارقة يملكها هذا الوحش!"
بدت الخيمة في حالة فوضى عارمة؛ بقيت رائحة الشواء تفوح في الأجواء، غير أن القدر تهشم وانسكب المرق في التراب وضاعت الوجبة بلا رجعة.
استعاد الخدم وعيهم تدريجيًّا؛ فمنهم من سالت دماؤه من أنفه، ومنهم من تورم وجهه، وتصاعدت أنات الألم المتلاحقة.
زمجر أحدهم بحنق: "ابن الـ… مجرد قادم جديد يجرؤ على إذلالنا وضربنا هكذا؟ هذا تطاول لا يُغتفر!"
صاح آخر: "لم نبادر بالتحرش به بعد، فكيف يسبقنا إلى افتعال المعركة في عقر دارنا؟!"
أضاف ثالث: "لن أبتلع هذه الإهانة قط، لا بد من الثأر وسحق رأسه!"
سأل رابع بتهكم: "وكيف تثأر؟ أتقوى على مجاراته في القتال أصلًا؟"
أجاب زميله: "وما حاجتنا لقتاله بأيدينا؟ سنرفع شكوانا للمشرف العجوز ليتولى معاقبته؛ فهذا الصعلوك مفرط في الطغيان والتوحش، وكيف يسعنا العمل معه في خندق واحد بعد اليوم؟"
تدخل الأخ تشيانغ قائلًا بخبث: "صحيح تمامًا. سلماني الحجرين البدائيين اللذين رماهما؛ فهما الدليل القاطع على جريمته!"
ساد الوجوم أرجاء الخيمة؛ فالجميع فطنوا إلى حيلة الأخ تشيانغ للاستيلاء على الحجرين.
شخصت أبصار الخدم الذين حرموا من الغنيمة بشماتة نحو القرد النحيل ورفيقه المصاب.
تلعثم الاثنان بكلمات مبهمة، وبدا امتناعهما عن تسليم الحجرين واضحًا لا لبس فيه.
لم يكن الأخ تشيانغ غبيًّا، بل سارع لتبرير طلبه بدهاء: "كلنا مصابون بجروح بليغة، وهذان الحجران ليسا مجرد دليل إدانة، بل يمثلان نفقات علاجنا جميعًا!"
لاقت هذه الحجة استحسان بقية الخدم الطامعين في نيل نصيب من المال، فتعالت أصواتهم مؤيدة:
"صدق الأخ تشيانغ!"
"يا قرد، سلم الحجر للأخ تشيانغ، أم تطمع أن تصبح زعيمنا؟"
"الأخ تشيانغ يستند إلى نفوذ قوي، وهو الأقدر على انتزاع حقنا!"
"نحن نثق بك يا أخي تشيانغ…"
وأمام ضغط الجماعة المطبق، زم القرد النحيل شفتيه بحسرة، وسلم الحجر مرغمًا إلى الأخ تشيانغ برفقة الخادم الآخر.
تحسس الأخ تشيانغ ملمس الأحجار البدائية الصقيل، فشعر فجأة بخفوت ألم أنفه المهشم وتلاشيه.
وفي تلك اللحظة بالذات، رُفعت ستارة الخيمة بمباغتة عنيفة.
فزع الجميع ظانين أن فانغ يوان عاد للإجهاز عليهم، غير أن الشخص الواقف بملامح متجهمة لم يكن سوى المشرف العجوز.
تهلل وجه الخدم بالبشرى:
"سيدي المشرف، ما الذي أتى بك؟"
"سيدي المشرف، كنا في طريقنا لطلب نجدتك!"
غير أن أسارير المشرف لم تنبئ بأي خير؛ وتلبدت ملامحه بسواد قاتم فور رؤية الحجرين البدائيين يستقران في قبضة الأخ تشيانغ.
تقدم المشرف بخطوات غاضبة، وانتزع الحجرين بعنف، ثم كال صفعات متلاحقة حامية فوق وجه الأخ تشيانغ.
طاخ! طاخ!
تسمر الأخ تشيانغ في ذهول مطبق.
ووقف بقية الخدم كأن على رؤوسهم الطير.
وبعد لحظات من الصمت المذهول، استرد الجمع رشدهم متسائلين:
"سيدي المشرف، ما سبب كل هذا الحنق؟"
"سيدي المشرف، ماذا جرى لتفعل هذا؟!"
أشاح المشرف بوجهه ورفع ستارة الخيمة هادرًا: "تشيانغ، والقرد النحيل، وسائركم أيها الأوباش، اخرجوا جميعًا إلى الخارج!"
ثم غادر الخيمة بخطى غاضبة.
تحسس الأخ تشيانغ خده الملتهب، لكنه لم يجرؤ على عصيان أمر المشرف؛ فكتم غيظه وخرج وهو يجر أذيال الحيرة.
وتبعه سائر الخدم إلى فناء المعسكر، ليتفاجأ الجميع بفانغ يوان يقف بجانب المشرف؛ جسده ممزق بالجراح وثيابه مضمخة بالدماء الزكية.
أشار فانغ يوان إليهم بإصبع مرتعشة وصرخ بنبرة مظلومة تفيض بالقهر: "سيدي المشرف، هؤلاء هم اللصوص الذين سلبوا أحجاري ونهبوا مالي!"
صعق الخدم وأدركوا المكيدة فجأة:
"ماذا؟!"
"أيها الوغد، تتجرأ على الافتراء علينا؟!"
"سأنسلخ جلدك عن عظمك أيها الحقير!"
هاج الخدم وماجوا غضبًا وتصاعدت صيحاتهم الشرسة.
طاخ!
دوت صفعة مدوية ألجمت صياح الجمع على الفور.
تراجع الخادم الأكثر صياحًا إلى الخلف لا إراديًّا وهو يقبض على فكه المتألم.
رمقه المشرف بنظرة سوداوية قاتمة: "ولمَ لا يشكوكم؟ هه، لقد تماديتم وتجاوزتم كل حد؛ حتى تجرأتم على سلب الأحجار البدائية من رفيقكم في العمل!"
علم المشرف العجوز بظاهرة تنمر القدامى على الوافدين، بل غض الطرف عنها وباركها في قرارة نفسه.
فقد اعتبرها مسارًا ضروريًّا لكسر شوكة القادمين الجدد وتسهيل إدارتهم، إلى جانب دمجهم في النسيج العام للخدم.
بيد أن وقائع هذه الليلة تخطت كل الأعراف؛ إذ سلبوا أمواله جهارًا، فما فارقهم إذًا عن قطاع الطرق واللصوص العتاة؟
حاول أحدهم التبرير باكيًا: "سيدي المشرف، ليس الأمر كما تظن إطلاقًا…"
طاخ!
هوت صفعة أخرى حاسمة فوق وجهه.
قست نبرة المشرف وزمجر مهددًا: "وهل أذنت لك بالكلام؟"
صاح العديد من الخدم بمرارة: "سيدي المشرف، يجب أن تسمع منا!"
"أجل، نحن ضحايا هذا الافتراء!"
استشاط المشرف غيظًا وزأر بفظاظة: "استحوذتم على أحجاره وتزعمون البراءة والظلم؟ هذان الحجران اللذان انتزعتهما من أيديكم، أهما ملك له أم لا؟ انطقوا بالحق والصدق!"
أجاب بعضهم بخفوت: "نعم… هما له، ولكن…"
طاخ! طاخ!
ألجمت صفعتان سريعتان أفواه المتحدثين.
أشار المشرف بإصبعه نحوهم ووبخهم بحنق: "فلنتغاضَ عن سلب الأحجار البدائية، لكنكم تجرأتم على استخدام الخناجر وشق لحمه! كم بلغت بكم الجرأة والوقاحة؟ انطقوا فورًا، من منكم استل الخنجر وطعنه؟"
إذا عجز الخدم عن العمل إثر إصابات بالغة، تطلبت مداواتهم نفقات إضافية!
وحين تتعطل حركة القافلة، سيصب أسياد الغو جام غضبهم فوق رأس المشرف العجوز وحده.
تعالت صيحات الاستنكار المذهولة: "خناجر؟!"
"لم نستعمل أي سلاح قط!"
"سيدي المشرف، نحن رجال متمرسون، فكيف نرتكب مثل هذه الحماقة؟"
زعق المشرف هادرًا: "هراء وكذب صريح! أتظنونني أعمى البصر والبصيرة؟ إن لم تشقوا جلده بالخناجر، فمن أين أتت هذه الجروح النازفة؟ أتريدون إقناعي بأنه جرح نفسه بيده؟"
ابتسمت باي نينغ بينغ في سرها وهي ترقب المشهد من زاوية مظلمة: أيها المشرف العجوز، إنك ألمعي حقًّا؛ فقد أصبت كبد الحقيقة دون أن تدري!
طاخ… طاخ… طاخ…
بلغ حنق المشرف ذروته، فراح يوزع الصفعات يمنة ويسرة دون استثناء.
نال كل خادم نصيبه الوافر من اللكمات والصفعات، ولم يجرؤ أحد على المجاهرة بالاعتراض خشية بطش المشرف وسلطانه.
قبض الرجال على أصابعهم بغيظ يمزق الأكباد، وبرزت عروق جباههم، وأصدرت أسنانهم صريرًا حادًّا من فرط الكبت والعجز عن تفريغ شحنات الغضب.
قال المشرف وهو يلهث متعبًا بعد أن خدرت يداه من فرط الضرب: "عودوا إلى خيامكم فورًا، وسأحاسبكم حسابًا عسيرًا صباح الغد!"
امتثل الخدم للأمر صاغرين، غير أنهم رمقوا فانغ يوان بنظرات تفيض بالحقد والغل الدفين، ونقشوا ملامحه في سويداء قلوبهم ترقبًا ليوم الحساب.
اقترب المشرف من فانغ يوان وسلمه الحجرين، قائلًا بضيق ونفاد صبر: "استعدت حجريك، فلا تضيعهما ثانية؛ فلن أتدخل لإنقاذك إن سُرقا منك مجددًا!"
تظاهر فانغ يوان بالنشيج والتأثر الشديد، وبدا مفعمًا بالخوف والامتنان: "سيدي المشرف، أرجوك أن تحتفظ بهذين الحجرين عندك أمانة لي؛ فأنا أرتعد خوفًا من أن يسلبوهما مني مرة أخرى."
بهت المشرف لبرهة، ثم سرت نشوة جارفة في عروقه؛ فمسيرة القوافل محفوفة بالهلاك الدائم، وربما ابتلع وحش ضارٍ هذا الغلام غدًا، وحينها ستؤول الحجارة البدائية إلى جيبه دون عناء!
أجاب المشرف بوقار مصطنع: "حسنًا، سأتولى حفظهما لك بنفسي."
انحنى فانغ يوان مرارًا شاكرًا: "شكرًا لك يا سيدي الفاضل، إنك رجل عظيم حقًّا."
لوح المشرف بيده زاهدًا ومضى متثاقلًا: "حسنًا، كف عن الثرثرة، أنا مرهق وسأمضي للنوم، فاذهب أنت واسترح أيضًا." ولم يكترث أين يبيت الفتى.
سخر المشرف في دخيلته: "هذا المدعو هي تو مغفل أحمق لا مثيل له!"
وفور ابتعاد المشرف وتلاشي الجمع، اختفت ملامح المسكنة من وجه فانغ يوان، وعادت برودته المعتادة لتكسو قسماته.
اقتربت باي نينغ بينغ وسألته باستغراب: "جروحك لا تزال تنزف، أفلا تعتزم مداواتها؟"
ابتسم فانغ يوان بثقة: "لا يزال لها نفع كبير، هيا بنا."
…
داخل خيمة هادئة، توهجت قناديل الزيت بنور دافئ.
جلست شانغ شين تشي ممسكة بكتاب تقرأ فيه، حين تناهى إلى سمعها صوت مبهم، فعقدت حاجبيها متسائلة: "شياو دي، أسمعتِ ذلك؟ بدا لي كأن شخصًا يستغيث؟"
كانت الخادمة شياو دي تغفو متثاقلة برأسها؛ إذ لا يحق لها النوم قبل استغراق سيدتها.
استيقظت الفتاة فزعة، وأرهفت السمع ثم قالت على عجل: "يا للهول، هناك من يصرخ طلبًا للنجدة حقًّا…"
خرج الحارس وسيد الغو تشانغ تشو ليستطلع الأمر، فصاح مستنكرًا: "من يجرؤ على الصراخ في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ لمَ أنت مجددًا؟!"
رأى فانغ يوان منهارًا فوق التراب، تسيل دموعه وتختلط بنشيجه المتواصل.
زمجر تشانغ تشو بفظاظة: "اغرب عن وجهي فورًا وإلا شطرتك نصفين!"
خرجت شانغ شين تشي وخادمتها في تلك اللحظة: "عمي تشانغ تشو…"
جحظت عينا الخادمة شياو دي مستنكرة: "أنت مجددًا؟ أتطاردنا كالشبح الشرير؟!"
تجاهل فانغ يوان الجميع، ووجه استغاثته نحو شانغ شين تشي وحدها: "سيدتي تشانغ، لقد تسببتِ في هلاكي، ولا منقذ لي سواكِ!"
صاح تشانغ تشو مهددًا: "تبًّا لك أيها المعتوه، أي ترهات تتفوه بها؟!"
عنفته الخادمة بحنق: "سيدتنا طيبة طاهرة، فكيف تؤذيك؟ سيدتي، دعينا ندخل ولا تبالي بهذا المجنون!"
غير أن طبيعة شانغ شين تشي جُبلت على العطف؛ فلم تطق رؤية معاناة الضعفاء.
أثار جسد فانغ يوان المضرج بالدماء شفقتها العميقة، وبدا واضحًا أنها لن تنعم بنوم هادئ إن تجاهلت محنته.
سألت بلطف: "تزعم أنني آذيتك؟ كيف ذلك؟ عمي تشانغ تشو، أرجو أن تتفضل بمداواة جراحه أولًا."
ورغم مقت تشانغ تشو للفتى، إلا أنه لم يعصِ أمر سيدته؛ فبسط كفيه وأطلق كرة بيضاء من النور استقرت في جسد فانغ يوان، فتوقف النزيف فورًا وبدأت الجروح بالالتئام.
قال فانغ يوان باكيًا: "السبب هو الحجران البدائيان؛ طمع الخدم فيهما وانهالوا عليّ بالضرب وسلبوهما مني. لم أقوَ على صدهم، فاستنجدت بالمشرف العجوز لينصفني. استعاد المشرف الحجرين، لكنهم توعدوني بالانتقام وتذويقي ألوان العذاب التي تجعل الموت أهون عليّ!"
تنهدت شانغ شين تشي بأسى: "هكذا كان الأمر إذًا…"
قلبت الخادمة شياو دي عينيها باستهجان: "تستحق ما جرى لك! سيدتي، يجب ألا نتدخل في شؤونه؛ فقد جلب هذا البلاء لنفسه بعناده في بيع البضاعة بثمن مرتفع، وظن الأمر سيمر بسلام؟"
تابع فانغ يوان متوسلًا: "تشاورت مع رفيقتي، وأيقنا ألا ملجأ لنا سوى حمايتك يا سيدتي؛ وإلا فسنُقتل شر قتلة وتزهق روحان بريئتان هباءً!"
حاولت شانغ شين تشي تهدئته: "لن يصل الأمر إلى القتل بالتأكيد…"
قاطعها فانغ يوان محذرًا: "سيدتي، تجهلين مدى الخسة والظلام هنا؛ سيتربصون بي أثناء هجمات الوحوش الضارية، وربما أُلقى فريسة بين أنيابها وتُسجل وفاتي كحادث قضاء وقدر، بينما الحقيقة مؤامرة دبروها بليل! سيدتي الكريمة، أتوسل إليكِ أن تأوينا تحت كنفكِ لتنقذي حياتنا!"
ترددت شانغ شين تشي لبرهة، غير أن فيض رحمتها غلب تحفظها، فقالت برقة: "حسنًا، سآويكما تحت حمايتي مؤقتًا."
*** أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة! آمين. إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.