※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
رابط الفصل
المترجم/المدقق: @SAQR_AR1
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
المصدر: الأنمي
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
بعد أن خاض سوبارو جولة انتقامية في أحد الأزقة الخلفية، لم يصل إلى أعماق الأحياء الفقيرة، حيث يقع قبو المسروقات المهيب، إلا في وقت متأخر من المساء، بعدما مالت الشمس كثيرًا نحو المغيب.
سوبارو:「لـ… لقد وجدته أخيرًا. …يا للهول، لقد استغرق الأمر وقتًا طويلًا!」
مسح العرق عن جبينه بكمّ سترته، ثم هوى جالسًا أمام المكان الذي كابد كثيرًا حتى وصل إليه.
فقد ظل يركض ويتنقل من مكان إلى آخر، ومضى قرابة ساعتين منذ أن انطلق حتى وصل إلى هنا. ولم يستطع التأكد من الوقت المنقضي إلا بفضل هاتفه المحمول في جيبه. ساعتان كاملتان، بلا شك.
سوبارو:「كنت أظن أن الأمر سيكون سهلًا، بما أنني زرت المكان قبل قليل…」
كان عجزه عن قراءة اللافتات الإرشادية أحد أكبر العوائق التي واجهته.
ففي العاصمة الملكية، حيث تتشابه الشوارع وتمتد الواحد تلو الآخر، لم يستطع سوبارو، الذي لا يعرف المكان جيدًا، الاستعانة بأسماء الأحياء أو المحال المكتوبة على اللافتات.
ولذلك، لم يكن أمامه سوى محاولة استعادة الطريق من ذاكرته وتجربة المسارات واحدًا تلو الآخر حتى يعثر على الطريق الصحيح، لكن…
سوبارو:「كنت أتحدث مع ساتيلا أو باك بين الحين والآخر أيضًا. فمن الطبيعي أن تكون ذاكرتي للطريق مشوشة!」
وازداد الأمر سوءًا بعدما دخل الأحياء الفقيرة.
فبعكس ما حدث قبل بضع ساعات، بدا أن أحدهم قد اعتنى بتنظيف سترته الرياضية، لكن ذلك لم يساعده على الإطلاق؛ إذ قابله السكان ببرود وجفاء، وأبدوا قدرًا كبيرًا من عدم التعاون.
ولم يكن سوبارو قادرًا على اقتحام ذلك الجو العدائي بروح مرحة؛ فهو لا يجيد التعامل مع الناس أصلًا. وهكذا، حتى بعدما وصل إلى وجهته، ظل وحيدًا بلا معين.
لذلك، رأى أنه يستحق على الأقل أن يثني على نفسه لوصوله إلى هنا.
وقرر أن يكافئ نفسه على هذا الجهد.
سوبارو:「حان الوقت أخيرًا لفتحها! بنكهة حساء الذرة بالكريمة! في الأصل، ذهبت إلى المتجر لأشتري هذه تحديدًا. بل يمكنني القول إن هذه الرقائق هي سبب استدعائي إلى عالم آخر! يا لها من وجبة مثيرة للمتاعب!」
راح سوبارو يسوق شتى الأعذار لنفسه وهو يفتح كيس الرقائق.
وانبعثت منه رائحة حلوة خفيفة، فغمرت أنفه رائحة تبعث على السعادة. أخرج رقاقة من الكيس، ثم نقلها بأطراف أصابعه المرتجفة إلى لسانه.
――اجتاحه النعيم، واستولى على حاسة التذوق لديه بالكامل.
سوبارو:「لذيذة… لذيذة بشكل خرافي…! الآن وقد فكرت في الأمر، لم آكل شيئًا طوال هذا الوقت! يا لها من لذة!」
وبينما كان يلتهم الرقائق بشراهة، استعاد في ذهنه الطريق الذي قطعه حتى الآن.
فقد بدأ يشعر بالجوع منذ أن عجز عن أكل تلك الفاكهة الشبيهة بالتفاح. ومرّت منذ ذلك الحين نحو ست ساعات. لقد صمد طوال هذه المدة، وهذا بحد ذاته أمر يستحق الإعجاب.
وبينما كان يحاول خداع جوعه بالطعام، أدرك سوبارو أنه لا يستطيع خداع مشاعره بالسهولة نفسها.
كان قلبه يخفق بقوة، وبسرعة غير طبيعية. ولم يكن ذلك ليُقارن بحالة الإثارة التي انتابته قبل قليل في الزقاق الخلفي؛ إذ كان يشعر بوضوح بالدم وهو يندفع في أنحاء جسده كله بوتيرة محمومة.
ثقلت يداه وقدماه، وجفّ ريقه، لكن ذلك لم يكن بسبب الرقائق. كما أخذت آلام حادة، تشبه ألم تلقي ضربة على الرأس، تسري فيه مرارًا، مصحوبة بطنين حاد في أذنيه.
――إن الإجابة التي يبحث عنها سوبارو موجودة داخل قبو المسروقات هذا.
ابتلع ريقه دون وعي، فعادت إلى ذهنه مشاهد لم يكن يرغب في تذكّرها.
غرفة غمرتها الدماء، وجثة عجوز قُطعت ذراعه. وصورة سوبارو نفسه، وقد شُقّ بطنه وأصبح على شفا الموت، وإلى جانبه جسد ساتيلا المرتخي، بعدما جرّها هو نفسه إلى تلك المأساة.
سوبارو:「لا تخف، لا تخف، لا تخف، مفهوم يا أنا؟ هل أنا أحمق…؟ لا، أنا أحمق فعلًا. كيف لي أن أعود بعد أن قطعت كل هذه المسافة من دون أن أعرف الإجابة؟」
وفوق كل ذلك، لم يكن لديه مكان يعود إليه أصلًا.
عزم أمره ورفع رأسه، ثم همّ بالتقدم، لكنه لاحظ أن ركبتيه ترتجفان.
كان الجزء السفلي من جسده يرتعش بعنف، حتى لم يعد قادرًا على التحكم فيه. فضرب ركبتيه بقبضتيه محاولًا إجبارهما على التوقف، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وأخيرًا تقدّم نحو وجهته.
تحت أشعة الشمس البرتقالية، بدا باب قبو المسروقات وكأنه يرفض قدوم سوبارو بصمت.
كبح ذلك الوهم الذي لم يكن سوى انعكاس لجبنه، ثم رفع قبضته نحو الباب وقال:
سوبارو:「هل من أحد هنا؟」
طرق الباب الخشبي طرقًا خفيفًا، مع أنه لم يكن يتوقع أن يتلقى إجابة.
كان ينبغي أن يتردد صوت الطرق المكتوم في الداخل والخارج، لكنه لم يتلقَّ سوى صمت مطبق، حتى أصبح الوقوف هناك أمرًا لا يُحتمل.
ولأن ذلك الصمت أخافه بشدة، أخذ سوبارو يضرب الباب بعنف، رغم علمه بأن ذلك لن يفيده.
سوبارو:「هل من أحد…؟ لا بد أن هناك أحدًا في الداخل! أرجوكم، أجيبوا… أرجوكم!」
لم يكن يريد أن يواجه احتمالًا يائسًا كهذا؛ أن يكون من يبحث عنهم قد ماتوا هنا.
ورفضًا منه لتصديق واقع لم يكن مستعدًا للاعتراف به، أخذ سوبارو يضرب الباب بقبضتيه حتى بدأ يئن تحت وطأة الضربات.
لكن الباب لم يعد قادرًا على تحمّل انفعالاته العارمة؛ فأخذ يميل تدريجيًا، وبدأت مفصلاته القديمة تتشوّه.
――وعندها فقط…
؟؟؟:「――كفّ عن هذا الضجيج المزعج!! أتريد تحطيم الباب وأنت لا تعرف الإشارة السرية ولا كلمة المرور؟!」
انفتح الباب أمامه بعنف، وكان سوبارو يستند إليه بكل ثقله، فقُذف إلى الخلف.
طار نحو خمسة أمتار من مدخل قبو المسروقات، ثم تدحرج على الأرض بصورة مثيرة للشفقة. رفع رأسه وعيناه تدوران من شدة الذهول.
وفي عينيه المتسعتين، ظهر رجل مسنّ يقف عند المدخل، وقد احمرّ وجهه بشدة وهو يحدّق في سوبارو بنظرات حانقة.
كان عجوزًا ضخم البنية، أصلع الرأس.
أما سترته، التي ربما كانت بيضاء يومًا ما، فقد صبغها الغبار والعرق المتراكم على مرّ السنين باللون البني، إلى جانب أوساخ أخرى يصعب تحديدها. وكانت تفوح منها رائحة كريهة، تختلط بها نفحة خفيفة تشبه رائحة شيء محمّص، وربما كان ذلك بسبب…
وتحت تلك الملابس، كان جسده مكتظًا بالعضلات. ورغم تقدّمه في السن، لم يكن في بنيته ما يوحي بالضعف؛ بل بدت عليه قوة وصلابة واضحتان.
باختصار، كان أمامه عجوز أصلع، ضخم الجثة، يبدو مفعمًا بالحيوية على نحو لافت.
العجوز:「ما بك أيها الوغد؟! وجهك هذا لا أعرفه! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ وكيف عرفت بهذا المكان؟ وكيف وصلت إليه؟ ومن الذي أرسلك؟!」
اندفع العجوز نحوه بسرعة هائلة، ثم قبض على سوبارو بكفّه الضخمة وعصره بها، حتى ارتفعت قدماه عن الأرض بسهولة.
عندها أدرك سوبارو أنه قد بالغ في تقدير نفسه، وعاد إلى معرفة حجمه الحقيقي. فما حدث قبل قليل لم يكن سوى حالة استثنائية. أما هو، فلم يكن سوى شخص عادي، عادي للغاية، لا يملك شيئًا يميّزه عن غيره.
حتى لياقته البدنية، التي كان يظن أنها ستجعله قادرًا على الصمود أمام معظم الخصوم، لم تنفعه أمام خصم قوي إلى هذا الحد.
كان العجوز يقترب طوله من المترين، وقد رفع سوبارو بلا عناء يُذكر. ولم تبقَ لدى سوبارو أي رغبة في المقاومة، فكل ما استطاع فعله هو…
سوبارو:「――تفضّل، هذه هدية بمناسبة تعارفنا.」
أن يلقي قطعة صغيرة من رقائق البطاطس بنكهة حساء الذرة بالكريمة نحو وجه العجوز، الذي لم يكن يعكس سوى الغضب العارم.
※ ※ ※ ※ ※ ※ 2 ※ ※ ※ ※ ※ ※
بعد ذلك اللقاء الذي ترك لدى كليهما انطباعًا سيئًا للغاية عن الآخر، سمح العجوز لسوبارو بالدخول إلى قبو المسروقات.
جلس سوبارو على كرسي ثابت مخصّص للزوار عند المنضدة القريبة من المدخل، وأخذ يتململ محاولًا تعديل جلسته؛ فلم يكن يشعر بالراحة.
كان سطح المقعد خشنًا، تبرز منه شظايا خشبية صغيرة، وكلما تحرّك وخزته في مؤخرته. ولو كانت فتحة شرجه على وشك الانفجار، لكانت هذه الوخزات كفيلة بإشعال الفتيل!
العجوز:「ما بك تتململ منذ دخلت…؟ هل يزعجك موضع خصيتيك إلى هذا الحد؟」
سوبارو:「ليس الأمر أنني أحاول تعديل موضع قضيبي! على أي حال، أعد إليّ كيس الرقائق. لم أقل إنني سأعطيك إياها كلها!」
على الجانب الآخر من المنضدة، حيث يفترض أن يقف صاحب المتجر عادةً، وقف العجوز الضخم. وكان الكيس الذي رفعه صغيرًا إلى حدّ جعل المرء يظن أن عينيه تخدعانه في تقدير حجمه مقارنة بجسد العجوز المفتول العضلات.
العجوز:「يا لك من بخيل! أتريد الاحتفاظ وحدك بطعام لذيذ كهذا؟ ستذهب إلى الجحيم إن فعلت ذلك!」
سوبارو:「وهل العجوز الذي يلتهم طعام غيره اللذيذ دون إذنه لن يذهب إلى الجحيم؟ إلقاء اللوم على الآخرين مع تجاهل عيوبك أنت من أسوأ عادات جيل 『الدانكاي』!」
― م.م: يُطلق اسم «جيل الدانكاي» في اليابان على الجيل الكبير الذي وُلد خلال طفرة المواليد بين عامي 1947 و1949، أي بعد الحرب العالمية الثانية. ―
العجوز:「ها أنت تستخدم كلمات لا أفهمها مجددًا. لهذا لا يفهم الشبابُ الكبارَ في هذه الأيام… مممم، لذيذ!」
سوبارو:「قلت لك لا تأكل!」
مدّ سوبارو ذراعه فوق المنضدة محاولًا انتزاع كيس الرقائق من يد العجوز بأي طريقة ممكنة. لكنه لم ينجح في استعادته إلا بعدما ابتلع العجوز معظم محتوياته.
تفحّص سوبارو ما تبقّى في الكيس، فلم يجد سوى بضع رقائق، فأرخى كتفيه بخيبة أمل.
سوبارو:「آه… لقد ضاعت رقائق حساء الذرة الثمينة! ربما لن أتمكن من تذوّقها مجددًا أبدًا…」
العجوز:「ماذا؟ أكان هذا الطعام نادرًا إلى تلك الدرجة؟ حسنًا، صحيح أنني لم أرَ طعامًا كهذا من قبل. ما رأيك أن تطلب من أحدهم استنساخ ما تبقّى باستخدام سحر الاستنساخ؟」
سوبارو:「سحر الاستنساخ؟」
العجوز:「إنه سحر يحوّل الشيء الواحد إلى شيئين. أما الكائنات الحية، فلا يمكن تقليد سوى شكلها الخارجي، لكن الطعام وما شابهه، فربما أمكن استنساخه بالكامل.」
وبينما كان العجوز يتحدث ويمسح على رأسه الأصلع، ازداد إدراك سوبارو لمدى ما يتيحه السحر من إمكانات مدهشة.
سوبارو:『إذًا، فالسحر متعدد الاستخدامات إلى هذا الحد، بل يكاد يكون نافعًا في كل شيء!』
وبينما كان يشعر بالإعجاب من هذه الناحية، أخذت عيناه تجولان في أرجاء المكان، متفحّصًا ما حوله من دون أن يبدو متعمدًا لذلك.
في قبو المسروقات، عند حلول المساء، لم يعد هناك أي أثر للمأساة التي عاشها سوبارو في وقت سابق.
فالأغراض المختلفة، التي لا يجمع بينها أي قدر من الانسجام، كانت لا تزال متراصة في كل مكان، وتملأ المساحة الواسعة داخل القبو بلا أي ترتيب.
ولعل العجوز الجالس أمامه لاحظ نظرات سوبارو المتجولة؛ إذ ضيّق عينيه الرماديتين قليلًا، وكأنما أدرك شيئًا ذا مغزى.
العجوز:「ما الأمر أيها الفتى؟ أأنت مهتم بالمسروقات؟」
وهكذا، أصاب جوهر ما يفكر فيه سوبارو مباشرةً.
كان العجوز الضخم قد عرّف نفسه باسم 『روم』، وقال لسوبارو إنه يستطيع مناداته بـ『روم-جي』.
وسارت الأمور بينهما بسلاسة أكبر مما توقع سوبارو، بفضل الرقائق الذهبية التي قدّمها للعجوز في مواجهة صراخه. والحديث هنا عن رقائق ذهبية بالمعنى الحرفي، لا المجازي!
فما إن تذوّق روم-جي النكهة الغريبة التي لم يعرفها من قبل، حتى انشغل بالتهامها، وكانت النتيجة أن أُطلق سراح سوبارو بسرعة وأمان.
بعد ذلك، أخبره سوبارو بأنه جاء إلى المكان لقضاء غرض معيّن، وأنه سأل أحد الرجال في منتصف العمر من سكان الأحياء الفقيرة عن الطريق. وبعد أن شرح له هذه التفاصيل، اقتنع روم-جي بكلامه، وجلس الاثنان أخيرًا على جانبي المنضدة.
وعلى الجانب الآخر، وضع روم-جي ذراعيه القويتين على المنضدة، وصبّ الشراب في كأس متسخ، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
روم-جي:「حسنًا، غالبًا ما يأتي الناس إلى هنا لأحد سببين: إما لجلب المسروقات، وإما لطلب شيء من المسروقات نفسها… لا ثالث لهذين الأمرين.」
سوبارو:「صحيح، أحد أهدافي هو ذلك.」
روم-جي:「أحد أهدافك؟ إذًا، يبدو أن لديك غرضًا آخر أيضًا، أليس كذلك؟」
رفع روم-جي حاجبًا عند سماعه إقرار سوبارو المشروط. فأومأ سوبارو برأسه، ثم تردّد قليلًا وهو يصوغ سؤاله، مستعدًا لأن يسخر منه العجوز بسبب ما قد يبدو سؤالًا أحمق.
سوبارو:「قد يبدو الأمر سخيفًا، لكن… يا عم، هل سبق أن متَّ مؤخرًا؟」
كان يقصد أن يسأله عمّا إذا كان قد مات بعدما قُطع عنقه وذراعه اليمنى.
لكنه قرر ألّا يضيف هذا التفصيل. فعلى حدّ ما يستطيع رؤيته، لم يكن هناك أي أثر لالتحام أو قطع عند عنقه أو كتفيه.
تلقّى روم-جي سؤال سوبارو ونظراته، وظلّ محدّقًا فيه بعينيه اللتين تميلان إلى الرمادي لبرهة، ثم انفجر ضاحكًا، وكأن الزمن عاد إلى الحركة فجأةً.
روم-جي:「غاهـاهـاهـا! توقعت أنك ستقول شيئًا آخر، وإذا بك تسألني هذا السؤال! صحيح أنني عجوز أوشكت على الموت، لكنني لم أمت من قبل، إن كان هذا ما تسأل عنه! ومع ذلك، فالموت ليس بعيدًا عني في هذا العمر.」
ضحك روم-جي وكأنه سمع للتو نكتة مضحكة للغاية، ثم مدّ الكأس نحو سوبارو وسأله إن كان يريد الشرب.
لكن سوبارو اعتذر بإشارة من يده؛ فقد لسعت أنفه رائحة الكحول النفّاذة. ثم قال باقتضاب: 『آسف』.
ومع أنه اعتذر، لم يزدد شعوره بأن ثمة شيئًا غير منطقي إلا قوة.
فروم-جي الذي يتحدث معه الآن هو نفسه الرجل الذي رأى سوبارو جثته بعينيه.
في هذا المكان نفسه، وفي الظلام، رأى العجوز ممددًا بلا حراك، بعدما قُطعت إحدى ذراعيه وشُقّ عنقه بشفرة حادة.
لكن روم-جي، الذي ظلت تلك الصورة عالقة في ذاكرة سوبارو، كان الآن أمامه يحاول إدخال جسده الضخم في المساحة الضيقة خلف المنضدة.
كان وجهه محمرًّا وهو يرفع الكأس إلى فمه، وتبدو عليه علامات الحياة بوضوح؛ على عكس وجهه الشاحب الذي رآه سوبارو بعد أن فقد كمية كبيرة من الدماء.
كان روم-جي حيًّا بلا شك.
لكن سوبارو نفسه كان حيًّا أيضًا.
وعندما راجع ما حدث، تذكّر أنه تعرّض هو الآخر لإصابات كان من المفترض أن تقتله، تمامًا مثل روم-جي. ومع ذلك، كان يقف هنا الآن، من دون أي أثر لتلك الإصابات.
بدأ سوبارو يفقد ثقته بعقله، متسائلًا إن كان ما رآه مجرد حلم يقظة.
سوبارو:『هل كانت كل تلك الأحاسيس مجرد حلم؟… إذًا، من أين يبدأ الحلم وأين ينتهي؟ ولماذا أنا في هذا العالم أصلًا؟』
عادت الأسئلة التي شغلته في البداية إلى ذهنه، بعدما تراجع الخوف والاستعجال اللذان جعلاه ينساها مؤقتًا.
فإن كان تأنيب الضمير الذي شعر به، والألم الذي كاد يقتله، ودفء الفتاة الذي أحسّ به للحظة قصيرة، كل ذلك مجرد بقايا حلم عابر، فلماذا هو هنا إذًا؟
بل إن فكرة أن يكون استدعاؤه إلى العالم الآخر بأكمله مجرد حلم كانت ستبدو له أكثر منطقية وأسهل تصديقًا من القول إن كل ما عاشه بعد استدعائه لم يكن سوى حلم.
سوبارو:「يا روم-جي، هل رأيت فتاة ذات شعر فضي هنا؟」
روم-جي:「شعر فضي…؟ لا، لم أرَ فتاة كهذه. لو كان مظهرها لافتًا إلى هذا الحد، لما نسيتها، مهما كان عقلي متداعيًا!」
ضحك روم-جي بصوت عالٍ، وكأنه لا يرى في الأمر ما يستحق القلق، لكن سوبارو لم يُظهر أي ارتياح بعد سماع جوابه.
ولعل روم-جي لاحظ جدية وجهه؛ فتوقف عن الضحك فجأة وقال:
روم-جي:「اشرب.」
ودفع الكأس نحو سوبارو مرة أخرى.
رفع زجاجة الشراب فوق الكأس الفارغ، حتى امتلأ السائل الكهرماني إلى حافته. ظل سوبارو يراقبه بصمت، بينما كرر روم-جي كلمته باقتضاب.
روم-جي:「اشرب.」
سوبارو:「آسف، لكنني لست في مزاج يسمح لي بذلك. ثم إنني لست طفلًا يحتاج إلى شرب الكحول حتى يتظاهر بأنه مشاغب.」
روم-جي:「يا لك من أحمق! الطفل هو من لا يستطيع التظاهر بأنه مشاغب بعدما يشرب! اشربه دفعة واحدة، ودع أحشاءك تحترق. وعندما تعجز عن تحمّل الحرارة، ستبدأ بإخراج ما بداخلك!」
ثم دفع روم-جي الكأس نحو سوبارو للمرة الثالثة، وهو يردد:
روم-جي:「لهذا، اشرب!」
وأمام إصرار العجوز، أخذ سوبارو الكأس وقرّب السائل الكهرماني من أنفه.
كانت رائحة الكحول قوية إلى درجة جعلته يكاد يسعل، فارتسم الاشمئزاز على وجهه.
ومع ذلك، ورغم رفضه الواضح، شعر في داخله برغبة في الاستجابة لكلمات روم-جي.
كان يرى أن الهروب إلى الكحول من أكثر ما يجعل المرء يبدو مثيرًا للشفقة، ومع ذلك، وجد نفسه راغبًا في فعل الأمر نفسه.
سوبارو:「تبًّا… فليكن!」
رفع الكأس وصبّ الشراب كله في حلقه دفعة واحدة.
لم يكن يعرف مدى قوة الكحول الذي شربه، لكنه ما إن ابتلع الكمية كلها حتى شعر بحرارة تنتشر في جسده، وكأن النار اشتعلت داخله.
وأحسّ بأن حلقه يحترق من شدة الشراب، فضرب الكأس بالمنضدة بعنف.
سوبارو:「بوهاا! غاااه! سيئ المذاق! حارّ! سيئ المذاق للغاية! نآآه، سيئ المذاق!」
روم-جي:「كفّ عن تكرار ذلك، يا جاحد! فمن لا يقدّر مذاق الشراب أحمق لا يعرف سوى نصف متع الحياة!」
وبينما كان سوبارو يحاول التخفيف من الحرارة التي اجتاحت جسده، صرخ روم-جي فيه، ثم تناول الشراب هو الآخر.
لكن العجوز لم يحتج إلى كأس؛ بل رفع زجاجة الشراب إلى فمه وشرب منها مباشرة، كما لو كانت زجاجة ماء.
وشرب بسهولة أكثر من ثلاثة أضعاف الكمية التي شربها سوبارو، ثم تجشّأ بصوت خشن وضحك.
روم-جي:「لكنني أعترف بأنك أحسنت الشرب! هل تشعر الآن بأنك قادر على إخراج بعض ما بداخلك؟」
سوبارو:「…أجل! قليلًا فحسب! يا عم، حان الوقت لتحقيق هدفي الآخر!」
أدار سوبارو وجهه عن العجوز الذي كان يبتسم له، ومسح الشراب المنسكب بكمّ سترته، ثم أشار إلى أعماق القبو.
ففي ذلك الجزء من المكان، لا بد أن تكون المسروقات الثمينة محفوظة، بعيدًا عن الأغراض الرديئة المبعثرة هنا وهناك.
تغيّرت ملامح روم-جي قليلًا، واكتسب وجهه مسحة من الجدية. وبينما كان سوبارو يراقبه، قال بوضوح:
سوبارو:「أبحث عن شارة مرصّعة بجوهرة. ――أريدك أن تتنازل عنها لي.」
وهكذا، كشف سوبارو عن هدفه.
فإلى جانب هدفه الأول، وهو التأكد من سلامة ساتيلا، كان هذا هو السبب الحقيقي الذي جاء من أجله إلى هنا.
إنها الشارة المرصّعة بالجوهرة التي سُرقت من ساتيلا. لم تخبره عن السبب، لكن من الواضح أنها كانت مهمة جدًا بالنسبة إليها، لدرجة أنها مستعدة للمخاطرة من أجل استعادتها.
وكان سوبارو قد سمع أن المسروقات التي تصل إلى الأحياء الفقيرة لا بد أن تمرّ بهذا المكان.
فإذا تأكد من وجود الشارة هنا فعلًا، فسيكون ذلك كافيًا لتأكيد أن ما رآه لم يكن مجرد حلم يقظة.
وكان هذا الأمل هو ما دفعه إلى تقديم طلبه.
لكن روم-جي عقد حاجبيه، وبدا عليه الحرج.
روم-جي:「شارة مرصّعة بجوهرة…؟ لا، يؤسفني أن أخبرك بأن شيئًا كهذا لم يصل إلى هنا.」
سوبارو:「…أحقًا؟ فكّر جيدًا! لا تقل إنك نسيتها بسبب الخرف أو لأنك بدأت تشيخ!」
روم-جي:「بعد أن شربت، أصبحت في أفضل حالاتي! وإذا لم أتذكر شيئًا وأنا في هذه الحالة، فلا يسعني إلا القول إنني لا أعرف عنه شيئًا. لكن…」
وقبل أن يفقد سوبارو آخر ذرة من الأمل، ابتسم روم-جي ابتسامة ماكرة، ثم قال:
روم-جي:「لقد أُبلغت مسبقًا بأن شحنة كبيرة ستصل اليوم. ――وإذا كنت تقصد تلك الشارة المرصّعة بالجوهرة، فهناك احتمال كبير أن تكون ضمن الشحنة.」
سوبارو:「هل يمكن أن تكون الشارة التي ستصل هي… التي تملكها فتاة تُدعى فيلت؟」
روم-جي:「ماذا؟ حتى إنك تعرف اسم من سرقها؟」
عندما سمع سوبارو كلام روم-جي، الذي بدا متفاجئًا، رفع قبضته في الهواء بحركة انتصار لا إرادية.
لقد ظن أن الصلة بين الأحداث انقطعت تمامًا، لكنها عادت لتتضح أمامه الآن.
فقد ذكر روم-جي اسم الفتاة التي يُشتبه في سرقتها للشارة: فيلت. وهذا يعني أن سوبارو يستطيع إثبات وجود ساتيلا، الفتاة التي سُرقت الشارة منها.
وعلى الأقل، تضاءل احتمال أن تكون الفتاة ذات الشعر الفضي مجرد إيڤنت كاراكتر «شخصية حدث» اخترعها خيال سوبارو.
سوبارو:『كدت أُصاب بالذعر، فقد ظننت أنني ربما تخيلتها بسبب إعجابي بالبطلات ذوات الشعر الفضي…』
روم-جي:「لا أريد أن أفسد عليك شعورك الغريب بالارتياح، لكن قدرتك على شراء ما سيصل إلى هنا مسألة أخرى تمامًا، هل تفهم ذلك؟ إذا كانت الشارة مرصّعة بجوهرة، فمن المؤكد أنها ستُباع بسعر مرتفع.」
سوبارو:「هاه! مهما حاولت استغلال حاجتي ورفع السعر، فلن يفيدك ذلك. فأنا لا أملك فلسًا واحدًا!」
روم-جي:「إذًا، لا فائدة من الحديث معك!」
صرخ روم-جي، بعدما بدا وكأنه يستعد لرفع السعر أثناء المساومة، ثم اكتشف فجأة أن سوبارو لا يملك أي مال.
لكن سوبارو لم يهتم، بل أخذ يهز إصبعه أمامه يمينًا ويسارًا.
سوبارو:「تسك، تسك، تسك. صحيح أنني لا أملك المال، ولَكِن! المال ليس الوسيلة الوحيدة للحصول على الأشياء؛ فهناك المقايضة، أليس كذلك؟」
لم يعترض روم-جي، بل بقي صامتًا.
فهم سوبارو من سكوته أنه ينتظر منه أن يكمل كلامه، فأومأ برأسه، ثم أخذ يفتش جيب سرواله. وعندما أخرج يده، كان يقبض على شيء ما.
روم-جي:「――ما هذا؟ لم أرَ شيئًا مثله من قبل!」
سوبارو:「هذه هي الأداة السحرية التي تقتطع الزمن من كل شيء وتجمّده: 『الهاتف المحمول』!」
كان هاتفًا محمولًا أبيض اللون، صغيرًا بما يكفي ليتسع في كفّ اليد.
حدّق روم-جي فيه بعينين جاحظتين، مذهولًا لأنه يراه للمرة الأولى، بينما أخذ سوبارو يضغط على أزراره بسرعة.
وفي اللحظة التالية، شقّ وميض أبيض عتمة المتجر.
صدر صوت 『طَق!』، فتراجع روم-جي من شدة الضوء، ثم سقط خلف المنضدة مذعورًا. فضحك سوبارو عندما رأى رد فعله المبالغ فيه.
روم-جي:「ما الذي حدث للتو؟! أتريد قتلي؟! لا تفعل حركات مريبة كهذه، ولا تستخفّ بهذا العجوز، أيها الوغد!」
سوبارو:「مهلًا، مهلًا. خذ نفسًا عميقًا واهدأ، ثم انظر إلى هذا.」
احمرّ وجه روم-جي هذه المرة لسبب لا علاقة له بالشراب. فدفع سوبارو الهاتف نحوه حتى صار أمام عينيه مباشرةً.
تراجع روم-جي قليلًا ونظر إليه بريبة، ثم ركّز بصره على الشاشة الصغيرة… واتسعت عيناه فجأةً.
فما ظهر على الشاشة كان وجه روم-جي نفسه، مصوّرًا قبل لحظات فحسب.
لقد استخدم سوبارو كاميرا هاتفه المحمول لالتقاط الصورة، وهي تقنية لا بد أنها غير موجودة في هذا العالم.
وكما توقّع سوبارو، ظلّ روم-جي يحدّق في الشاشة باهتمام شديد، ثم قال:
روم-جي:「هذا… وجهي أنا، أليس كذلك؟ كيف حدث هذا؟」
سوبارو:「ألم أقل لك؟ إنني أقتطع الزمن وأجمّده. لقد اقتطعت اللحظة التي كنت فيها قبل قليل، يا روم-جي، وحبستها داخل هذا الجهاز.」
وبينما كان يتحدث، غيّر اتجاه الكاميرا وصوّر نفسه.
وعندما أظهر الصورة لروم-جي، الذي كان ينتظر بفارغ الصبر، ظهرت على الشاشة هذه المرة صورة سوبارو وهو يرفع إصبعيه في إشارة النصر.
سوبارو:「كما ترى، يمكنني اقتطاع الزمن بهذه الطريقة. بالطبع، لا يُستخدم هذا الجهاز عادةً في أمور تافهة كهذه؛ بل يُفترض أن نستخدمه لالتقاط صور تبقى ذكرى، مثل الصور التذكارية وما شابه.」
روم-جي:「فهمت… أجل، هذا… هممم.」
وضع روم-جي يده على ذقنه، وأخذ يتفحّص الهاتف وكأنه غارق في التفكير.
شعر سوبارو، الذي لم يتوقع أن يُبدي العجوز اهتمامًا كبيرًا إلى هذه الدرجة، بأن لديه فرصة جيدة لإتمام المساومة.
وكأن روم-جي أراد أن يعزّز يقينه، أمسك بالهاتف المحمول وراح يتأمله من جميع الجهات، ثم قال:
روم-جي:「لم أرَ شيئًا كهذا من قبل… أهذه ما يُطلقون عليها 『الأداة السحرية』، كما سمعت؟」
سوبارو:「أداة سحرية؟」
مال سوبارو برأسه، إذ لم تكن الكلمة مألوفة لديه.
أومأ روم-جي قائلًا:
روم-جي:「إنها أداة تُمكّن حتى من لم تُفتح بوابته السحرية من استخدام السحر. ومع ذلك، فهي نادرة، وهذه أول مرة أرى واحدةً منها أنا أيضًا.」
أطلق روم-جي صوتًا يدلّ على إعجابه، ثم أعاد تفحّص الهاتف الذي ظلّ يقلبه بين يديه، كما لو كان يريد استيعاب كل تفاصيله، قبل أن يضعه على المنضدة.
بعد ذلك، استدار نحو سوبارو من جديد، وقال:
روم-جي:「لا شك في أن قيمة هذا الشيء لا يمكن تقديرها. لقد أمضيت سنوات طويلة في هذه التجارة، لكنني لم أتعامل من قبل مع أداة سحرية كهذه. ومع ذلك… لا شك في أنها ستُباع بثمن لم أعهده من قبل.」
لا بد أن رؤية أداة سحرية للمرة الأولى، إلى جانب فرصة التعامل معها بوصفها سلعة تجارية، قد أثارت حماسة روم-جي. فقد كان صوته يرتجف قليلًا، ثم مهّد لكلامه بعبارة «ولهذا تحديدًا»، وقال:
روم-جي:「مقايضة هذا الشيء ستكبّدك خسارة كبيرة. لا أعرف قيمة الشارة التي تبحث عنها، لكنني لا أظن أنها قد تتجاوز قيمة هذه الأداة السحرية. وإذا قارنت الأمر من حيث المال وحده، فسيكون بيع هذه الأداة نفسها أكثر ربحًا لك بكثير.」
كانت نصيحة غريبة من رجل يدير تجارة غير قانونية لجمع المسروقات وتصريفها في أعماق الأحياء الفقيرة.
ومع ذلك، لم يكن بوسع سوبارو إنكار أن النصيحة مغرية.
ففي هذا العالم، لم تكن لسوبارو أي قيمة تُذكر.
لم يكن قادرًا على استخدام السحر، ولم تكن لديه قوة استثنائية تميّزه عن غيره. كما كان يفتقر إلى المعرفة بهذا العالم، حتى إنه لم يكن قادرًا على قراءة حروفه، وفوق كل ذلك، لم يكن يملك فلسًا واحدًا.
كان عالقًا في مأزق من جميع الجهات، لكن بيع هذا الهاتف المحمول قد يساعده على تجاوز جزء من محنته. فعلى أقل تقدير، لن يعود مضطرًا إلى القلق بشأن المال في المستقبل القريب.
وبما أنه كان يتوقع أن يعجز حتى عن تأمين وجبة الغد، فقد بدا له هذا الخيار مغريًا إلى أقصى حد. وكان بيعه منطقيًا بقدر ما أن التجشؤ نتيجة طبيعية لشرب الكولا؛ أمر لا يحتاج إلى تفكير.
ومع ذلك…
سوبارو:「أجل، لا بأس بذلك. سأقايض هذه الأداة السحرية بالشارة التي ستجلبها فتاة تُدعى فيلت.」
روم-جي:「لماذا تصرّ على ذلك إلى هذا الحد؟ هل تساوي تلك الشارة أكثر من هذه الأداة السحرية؟ أم أن لها قيمة لا يمكن تحويلها إلى مال؟」
بدأ روم-جي يشعر بالضجر من عناد سوبارو. وبينما كان يسأله عن قيمة الشارة، ظهرت في سؤاله الأخير نبرة من السخرية.
فالرجل الذي يعيش في مكان كهذا لا بد أنه اعتاد التعامل بالمال والبضائع المسروقة. وربما كان يدرك من الناحية النظرية أن هناك أشياء أثمن من المال، لكن الاعتراف بذلك في الواقع ليس أمرًا سهلًا.
أدرك سوبارو وجود مثل هذه النظرة إلى العالم، لكنه هزّ رأسه نافيًا.
سوبارو:「لا، بصراحة، لم أرَ الشارة بنفسي قط. وحتى لو بعتها، فلا أظن أن ثمنها سيتجاوز قيمة هذه الأداة السحرية. يعني أنني سأخرج من هذه الصفقة خاسرًا بكل تأكيد!」
روم-جي:「إذا كنت تعرف كل هذا، فلماذا تفعل ذلك؟」
سوبارو:「الأمر واضح. ――أريد أن أخرج خاسرًا من هذه الصفقة!」
استمتع سوبارو بمشاهدة روم-جي وهو يحدّق فيه بعينين جاحظتين للمرة الثالثة.
أجل، كانت تلك هي الإجابة.
حتى لو اضطر إلى القلق بشأن وجبة الغد، وحتى لو أصبح مستقبله مظلمًا تمامًا، وحتى لو ابتعد عنه حلم ملء حوض الاستحمام برزم النقود، فإن الأمر يظل يستحق الخسارة.
سوبارو:「أريد أن أردّ الجميل لمن ساعدني. إذا كان بيني وبين أحد معروف أو دَين، فلا بد أن أوفيه حقه. وإلا فلن أستطيع النوم مرتاحًا. أنا شديد التدقيق في هذه الأمور، فأنا ابن العصر الحديث! ――ولهذا، سأحصل على الشارة حتى لو اضطررت إلى تحمّل خسارة فادحة.」
روم-جي:「هممم… مما سمعته منك، يبدو أن الشارة لم تكن ملكًا لك من الأساس، أليس كذلك؟」
سوبارو:「إنها ملك لفتاة جميلة ذات شعر فضي أنقذتني. لا أعرف السبب، لكنها قالت إنها مهمة جدًا بالنسبة إليها.」
روم-جي:「وأين تلك الفتاة التي أنقذتك؟ أليست معك؟」
سوبارو:「أبحث عنها حاليًا! بل إنني بدأت أتساءل عمّا إذا كانت قد أنقذتني فعلًا، أو حتى عمّا إذا كان وجود تلك الفتاة الجميلة مجرد وهم نسجه حلمي!」
شدّ سوبارو قبضته، ثم أطلق ضحكة ساخرة وهو ينطق بالمخاوف التي حاول نفيها قبل قليل.
لقد بدأت خيوط الأحداث تتصل ببعضها بعضًا، حتى لم يعد من المعقول أن تكون ساتيلا، تلك الفتاة، غير موجودة أصلًا.
سيحصل على الشارة، وسيتمكن بالتأكيد من لقاء تلك الفتاة مرة أخرى.
نظر روم-جي إلى سوبارو من علٍ، وكأنه يرى أمامه شيئًا غريبًا للغاية، ثم قال:
روم-جي:「――أنت أحمق إلى درجة لا تُصدّق، أتعلم ذلك؟」
ثم أطلق ضحكة مرحة من أعماق قلبه، بعدما تخلّى عن كل ما عداه من مشاعر، ولم يبقَ في ضحكته سوى المتعة الخالصة.