※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
رابط الفصل
المترجم/المدقق: @SAQR_AR1
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
المصدر: مجهول
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
عندما فكر سوبارو في الأمر، أدرك أن لقاءه بساتيلا المزيفة اعتمد إلى حد كبير على المصادفة.
ففي المرة الأولى والثالثة، تمكن من لقائها، لكن القاسم المشترك الوحيد بين المرتين هو أن كليهما حدث بالقرب من ذلك الشارع الرئيسي الأول، الذي أخبره صاحب المتجر ذي العمامة أن الناس يسمونه [شارع التجارة].
كان من الأفضل لو اعتاد التحقق من الوقت، لكنه لم يكن يسجل مواعيد لقاءاته بمن يراقبهم، لذا لم ينتبه إلى وقت لقائه بها.
وبما أنه لا يملك هذه المعلومات، فإن أسرع طريقة هي استرجاع ما حدث في المرة الثالثة، لكن…
سوبارو:「كم من الوقت قضيت أتذمر أمام متجر الخضراوات في ذلك اليوم؟」
كم بقي جالسًا هناك، وقد أصابه الدوار، وضَمَّ ركبتيه إلى صدره؟
شعر وكأن الأمر لم يستغرق سوى بضع دقائق، لكنه في الوقت نفسه يتذكر أنه ظل يتذمر من حاله قرابة ساعة. وأيًا كانت الإجابة الصحيحة، فلم يكن أمامه سوى الاعتراف بأنه لا يعرف.
سوبارو:「أظن أنني سأتمشى عشوائيًا وأبحث في شارع التجارة… معتمدًا على رادار الفتيات الجميلات!」
أو بالأحرى، رادار الفتيات الجميلات ذوات الشعر الفضي.
قد تكون هذه مهارة عديمة الفائدة في عالمه الأصلي، لكنها ستكون مفيدة بالتأكيد في هذا العالم.
رفع سوبارو إصبعيه أمام وجهه، وأخذ يحركها وهو يقول:「ميون، ميون!」، غير مبالٍ بالنظرات المستغربة التي يرمقه بها المارة. شعر وكأنه التقط إشارة ما، فواصل السير في الاتجاه الذي شعر بأنه يجذبه.
بدأت الأجواء المحيطة تبدو مألوفة له شيئًا فشيئًا، ففكّر:
سوبارو:『يبدو أن حساسية راداري ليست سيئة كما ظننت!』
ثم انتبه فجأة إلى شيء ما.
――يبدو أنه ابتعد عن الشارع ودخل أحد الأزقة الضيقة من دون أن يشعر.
سوبارو:「هل هذا هو المكان الذي قابلت فيه ساتيلا المزيفة والآخرين أول مرة؟」
كان الزقاق يشبه غيره من الأزقة، لذلك لم يكن واثقًا تمامًا.
فحتى ممرات الأحياء الفقيرة لم تكن مختلفة كثيرًا في مظهرها، أما الزقاق الذي شهد اللقاء الأول، فلم يتمكن من زيارته مرة أخرى منذ مروره به في المرة الأولى.
في المرة الثانية، كان الزقاق مختلفًا بوضوح، وعندما استعاد ذكريات المرة الثالثة، تذكر أن المكان كان طريقًا مسدودًا آخر.
حتى لو كان من المقرر أن تسرق فيلت الشارة من ساتيلا المزيفة، فإن المكان الذي تهرب إليه فيلت بعد ذلك يبدو أنه يتغير تبعًا للظروف.
ربما كان الزقاق نفسه في المرتين الأولى والثانية، لكن تدخل سوبارو في المرة الثالثة أدى إلى انحراف مسار الأحداث قليلًا.
وعندما وصل إلى هذه الفكرة، أدرك فجأة مدى سذاجة تفكيره.
فدخوله زقاقًا مألوفًا قد يجعله يلتقي ساتيلا المزيفة أو فيلت.
لكن ذلك يعني أيضًا احتمال لقاء أشخاص آخرين مجددًا.
بمعنى آخر…
سوبارو:「لقد سئمت رؤيتكم فعلًا، يا كان وتشين وتون!」
استدار سوبارو بضجر، فوجد اللصوص الثلاثة يقفون أمامه ويسدون الطريق كعادتهم.
ملابسهم ووجوههم وهيئاتهم لم تتغير قيد أنملة. وبما أن هدفهم لم يتغير أيضًا، فمن المؤكد أن أسلحتهم هي الأخرى كما كانت. لم يتقدموا خطوة واحدة، وهذا أمر طبيعي ما داموا يكررون التصرفات نفسها في كل مرة.
سوبارو:「مع أنني بالكاد أستطيع مقابلة ساتيلا المزيفة وفيلت!」
ربما كان السبب في صعوبة لقائه بساتيلا المزيفة وفيلت أن تحركاتهما تتأثر بعوامل عشوائية كثيرة لا علاقة لها بسوبارو.
أما تكرار لقائه باللصوص الثلاثة، فيبدو أن سببه بسيط: لقد اختاروه هدفًا لهم منذ البداية.
ولهذا، أينما ذهب وأيًا كان الزقاق الذي يدخله، فإنه يلتقي بهم في النهاية.
سوبارو:「حسنًا، بعد هذا الاستنتاج الذي لا يثير الحماس إطلاقًا، ماذا تريدون مني؟」
تون:「ما الذي يتمتم به منذ قليل؟ عمَّ يتحدث؟」
تشين:「يبدو أنه لا يدرك ما يجري. ما رأيك أن نوضح له الأمر؟」
كان حديث تون وتشين يسير وفق السيناريو المعتاد نفسه، مما زاد من إحباط سوبارو.
ومع ذلك، فعلى الرغم من ضجره منهم، كان يعرف أنه لا ينبغي الاستهانة بهم.
صحيح أن تجاوز هذه المواجهة لا يبدو صعبًا جدًا، لكن ذلك لا يعني أنه يستطيع النجاح في كل مرة بنسبة 100%. والدليل أن هؤلاء الثلاثة هم من تسببوا في موته للمرة الثالثة.
ربما يستطيع تجاوزهم بمساعدة ساتيلا المزيفة، كما حدث في المرة الأولى، أو بمباغتتهم بنفسه، كما فعل في المرة الثانية.
لكن أيًا من الطريقتين لا يضمن نجاحه.
لقد سارت الأمور بسلاسة غير معتادة في المرة الثانية، لكن لا يوجد ما يضمن تكرار ذلك الآن. وبما أن حدثًا مهمًا ينتظره على الأرجح بعد هذه المواجهة، فإنه يريد تجنب الإصابة قدر الإمكان.
سوبارو:「لكنني لا أريد أيضًا أن أتخلى عن أغراضي لأهرب منهم.」
كان أفضل ما يمكنه فعله هو الخروج من الموقف من دون خسارة أي شيء، كما حدث في المرة الثانية.
والأفضل من ذلك ألا يضطر إلى إضاعة الوقت، كما حدث في المرة الأولى.
عقد سوبارو ذراعيه وأخذ يفكر في طريقة تمكنه من تجنبهم.
في المقابل، بدا أن اللصوص الثلاثة شعروا بأنه يتجاهلهم، فازدادت وجوههم غضبًا، رغم أنهم الطرف الذي يملك الأفضلية.
كان عليه أن يقرر ما سيفعله قبل أن يسحبوا أسلحتهم.
وبينما كان يتحسر على سرعة نفاد صبرهم، أوشك على أن يقرر مباغتتهم مرة أخرى، لكنه تذكر فجأة اللحظة التي مات فيها للمرة الثالثة.
في تلك اللحظة، حين كان على وشك الموت، ظل قادرًا على سماع الأصوات حتى النهاية.
فما الذي قاله اللصوص الثلاثة في آخر حديث لهم؟ لم يستطع عقله فهم كلماتهم وقتها، لكن ربما يتمكن من فهمها الآن.
سوبارو:『 ――صحيح، لقد قالوا…』
سوبارو:「أيها الحراااااااااااس!!!」
أطلق نداء استغاثة مفاجئًا، من دون أي تمهيد، فانتفض اللصوص الثلاثة من شدة المفاجأة.
حطّم صوته الصمت الذي خيّم على الزقاق، ولا شك أنه وصل إلى الشارع الرئيسي وسط ضجيج المارة.
كان سوبارو قد اعتاد الصراخ بسبب ممارسته الكندو، حتى إن الخجل من رفع صوته أمام الناس لم يعد مشكلة بالنسبة إليه.
لم يكن طلب المساعدة لينتقص من كبريائه ولو قليلًا.
سوبارو:「أحدٌ مـــــــــــــــااااااا! أريد رجلًا يساعدنــييييي!」
كان:「أنت…! أتسخر منا؟! أيصرخ المرء فجأة بهذا الصوت في موقف كهذا؟!」
تشين:「كان عليك أن تطيع أوامرنا في موقف كهذا، وإلا فستنال نصيبك من الضرب! أيعقل أن يفعل أحد هذا قبل أن يسمع مطالبنا أصلًا؟!」
سوبارو:「اصمتوا! ما شأنكم بما هو طبيعي؟! كل ما هو خارج عن المألوف، وكل الطرق الملتوية والمنحرفة، كلها تصب في الطريق الصحيح! ليس لدي وقت لأضيعه معكم! فأنا مشغول تمامًا بالمرح مع الفتيات الجميلات والذهب والفضة!」
ضرب سوبارو الأرض بقدمه، وصرخ في وجوههم من الأعلى، متظاهرًا بأنه فقد صبره تمامًا.
حاول أن يبدو واثقًا ومستعدًا لمواجهتهم بالكلام، لكن القلق كان يتزايد داخله رغم أنه لم يظهر على وجهه.
ففكرة طلب المساعدة لم تكن سوى خطة مرتجلة، استندت إلى ذكرى غير مؤكدة من اللحظات الأخيرة في المرة الثالثة.
لقد سمع أحد اللصوص يقول كلمتي 『الحراس』 و 『الهرب』 قبل أن يغرق وعيه في الظلام، وهذا كل ما لديه ليبني عليه خطته البسيطة.
كان من المؤكد أن صراخه وصل إلى الشارع الرئيسي، لكنه لم يرَ أي استجابة من هناك.
ولم يكن يتوقع الكثير من هذه الفكرة منذ البداية.
ففي المرة الثانية، حين هزم اللصوص الثلاثة، بدا أن المارة في الشارع تجاهلوا ما يحدث، رغم أنهم كانوا يعرفون أن سوبارو يتعرض للسرقة.
سوبارو:「إذًا، فشلت المحاولة…」
تون:「لقد أفزعتنا، أيها الوغد! اعترف أنني خفت قليلًا!」
تشين:「قليلًا فقط!」
كان:「بل قليلًا جدًا!」
تعاون الثلاثة على إنكار جبنهم، بطريقة كشفت عن مدى ضآلة شأنهم أكثر مما أخفتها.
وكأنهم يحاولون استعادة زمام الموقف بعد أن باغتهم سوبارو بصراخه، أخذوا نفسًا عميقًا ليهدؤوا، ثم أمسك كل منهم بسلاحه.
سكين، وساطور صدئ، ثم…
سوبارو:「لماذا أنت الوحيد الذي لا يحمل سلاحًا؟ هل لم يكن معك مال لشراء واحد؟」
كان:「اخرس! أكون أقوى من دون سلاح! وإذا واصلت التحدث بهذه الوقاحة، فسأضربك حتى الموت، أيها الحقير!」
سوبارو:「ليت لدي VTR (تسجيل مصور) لما حدث في المرة الثانية، حتى أريك إياه.」
تذكر سوبارو الرمية التي نفذها بنجاح في المرة السابقة، وشعر بالإعجاب بنفسه رغم أن الأمر يتعلق به شخصيًا.
لكن في الوقت نفسه، لم يستطع التوقف عن ترديد عبارة
سوبارو:『هذا خطير جدًا』
في داخله.
فبعد أن سحب اللصوص أسلحتهم، أصبح تجاوزهم أصعب بكثير.
ولم يعد بإمكانه أن يأمل في الخروج من دون خسائر، بل إنه لم يعد واثقًا من أنه سيتمكن من الهرب بكل أطرافه سليمة.
سوبارو:「أرجوكم، ارحموني… لا أريد أن أتألم.」
لقد مات ثلاث مرات، ولذلك عرف أن الموت ليس شيئًا يمكن الاعتياد عليه مهما تكرر.
وحتى الآن، كانت جميع موته بسبب الألم الشديد الذي تسببه الأسلحة الحادة. كان الألم حادًا في كل مرة، وكان الشعور بأن أعصابه تتمزق قبل أن تنتهي حياته تجربة مروعة لا تفقد تأثيرها أبدًا.
لا يريد أن يموت بهذه الطريقة مرة أخرى، وفوق ذلك…
سوبارو:「لا يوجد ما يضمن أنني سأعود إلى الحياة مرة أخرى لمجرد أنني فعلت ذلك من قبل…」
كيف له أن يعرف إن كانت هناك حدود لعدد مرات عودته؟
لم يجد على جسده أي رقم أو علامة تدل على عدد المرات المتبقية، لكنهم يقولون إن حتى بوذا لا يسامح إلا ثلاث مرات.
وإذا كان هذا المثل ينطبق على حالته، فقد تكون فرصه قد انتهت بالفعل.
فإذا مات هنا من دون أن يتمكن من فعل شيء، فستكون هذه BAD END (نهاية سيئة) في العالم الآخر.
ー م.م: يشير المثل الياباني [حتى بوذا لا يسامح إلا ثلاث مرات] إلى أن للصبر حدودًا، والمفارقة أن سوبارو يخشى أن تكون قدرته على العودة بعد الموت محدودة بثلاث مرات أيضًا.ー
سوبارو:「…إذًا، الخيار الصحيح هو أن أهرب حتى لو أُصبت.」
من الواضح أن السكين هي الأخطر، بفضل حدّها وقدرتها على إحداث إصابات قاتلة.
أما الساطور، فكان الصدأ يغطيه بدرجة كبيرة، وربما يستطيع صد ضرباته بالكيس البلاستيكي، وعندها قد ينجو بكدمات فقط.
أما الرجل الذي يقاتل بيديه العاريتين، فيمكنه تجاهله مؤقتًا كعادته.
راقب سوبارو اللصوص وهم يقتربون، وحسم أمره بسرعة.
سيبقي عينه على تشين وحده، ثم يحاول المرور من بينهم في اللحظة المناسبة.
سوبارو:『―ثلاثة، اثنان… لا، انتظر قليلًا! ثلاثة، اثنان…』
شق ذلك الصوت المفاجئ أجواء الزقاق المتوترة، ووصل إلى مسامع الجميع بوضوح.
كان الصوت حازمًا، لا يحمل أي تردد أو تساهل. لقد كان صوتًا يفرض حضوره على من يسمعه، ويجعل إرادة صاحبه واضحة من دون الحاجة إلى شرح.
رفع سوبارو رأسه، والتفت اللصوص الثلاثة نحو مصدر الصوت.
كان هناك شاب يقف أمامهم.
أول ما لفت الأنظار إليه شعره الأحمر، بلون اللهب المتقد.
وتحت شعره عينان زرقاوان صافيتان، تنبعث منهما نظرة مستقيمة وشجاعة. أما ملامحه، فكانت جميلة على نحو غير عادي، وتزيد من هيبته. لم يحتج المرء إلى أكثر من نظرة واحدة ليدرك أنه شخص ذو مكانة.
كان طويلًا ونحيل البنية، يرتدي ملابس سوداء أنيقة ومفصلة بإتقان، ويتدلى عند خصره سيف فرسان بسيط الزخرفة، لكنه يبعث على رهبة غير عادية.
الشاب:「مهما كانت الظروف، لن أسمح لكم بالاستمرار في الاعتداء عليه. يكفي.」
وبينما كان يتحدث، مرّ الشاب بهدوء من جانب اللصوص الثلاثة، ووقف بينهم وبين سوبارو.
كان تصرفه واثقًا إلى درجة جعلت سوبارو واللصوص عاجزين عن الكلام.
لكن يبدو أن سبب صمت سوبارو يختلف عن سبب صمتهم.
فقد صمت سوبارو من شدة المفاجأة، ولأنه كان ينتظر بترقب ليرى كيف ستتطور هذه الأحداث التي لم يسبق أن عاشها.
أما اللصوص الثلاثة، فقد بدأت وجوههم تشحب.
تشين:「مـ… مستحيل…」
أشار تشين إلى الشاب، بينما ارتجفت شفتاه وبدأ لونهما يميل إلى البنفسجي.
تشين:「شعر أحمر كالنار، وعينان زرقاوان بلون السماء… وغمد سيف يحمل نقش مخلب تنين.」
أشار إلى كل سمة وكأنه يتأكد منها، ثم ابتلع ريقه وقال:
تشين:「راينهارد… أأنت [قديس السيف راينهارد] ؟!」
راينهارد:「يبدو أنني لست بحاجة إلى تقديم نفسي. لكن هذا اللقب أكبر مني قليلًا… على الأقل في رأيي.」
تمتم الشاب الذي يُدعى راينهارد بنبرة ساخرة من نفسه، لكن نظرته ظلت حادة لا تتزعزع.
تراجع الرجال خطوة إلى الوراء تحت وطأة نظرته، ثم تبادلوا النظرات وكأنهم يبحثون عن فرصة للهرب.
لكن…
راينهارد:「إذا أردتم الهرب، فسأسمح لكم بالمغادرة. يمكنكم العودة إلى الشارع الآن. أما إذا قررتم استخدام القوة، فسأواجهكم.」
وضع يده على مقبض السيف المعلّق عند خصره، ثم أشار برأسه إلى سوبارو الواقف خلفه.
راينهارد:「في هذه الحالة، سنكون اثنين في مواجهة ثلاثة. أنتم أكثر منا عددًا، ولا أعرف إلى أي مدى سأتمكن من مساعدته بقدراتي المتواضعة، لكنني سأقاومكم بصفتي فارسًا.」
تون:「مـ… مستحيل! لا يستحق الأمر كل هذا!」
ارتبك اللصوص الثلاثة أمام هدوء راينهارد، ونسوا حتى إخفاء أسلحتهم، ثم فرّوا نحو الشارع الرئيسي في كل اتجاه، مثل سرب من الطيور المذعورة.
لم يتمكنوا حتى من ترك كلمات التهديد التي قالوها في المرة الأولى قبل الهرب.
وكان ذلك وحده كافيًا ليدرك سوبارو أن الشاب الواقف أمامه ليس شخصًا عاديًا على الإطلاق.
راينهارد:「من الجيد أننا خرجنا من هذا الموقف سالمين. هل أصبت بأي أذى؟」
انتظر راينهارد حتى اختفى الرجال تمامًا، ثم استدار نحو سوبارو مبتسمًا.
وفجأة، اختفت الهالة التي ملأت الزقاق قبل لحظات.
وقد أدرك سوبارو من تجربته أن راينهارد كان يتحكم في تلك الهالة بوعي، فلم يستطع إلا أن يظل صامتًا من شدة الذهول.
وفوق كل ذلك…
سوبارو:「بعد كل ما فعلته، ما زلت تبتسم بهذا اللطف… هذا ليس مجرد وسيم، بل شيء آخر تمامًا!」
وجهه وصوته وطريقة وقوفه وتصرفاته؛ كل شيء فيه يستحق أعلى درجات الوسامة.
ولو كان يتمتع أيضًا بشخصية رائعة ونسب عريق، لكان لا بد أن يخفي سرًا مظلمًا في مكان ما حتى يصبح الأمر منطقيًا.
لكن، بعيدًا عن حسده الواضح له، لا تتغير حقيقة أنه أنقذ حياته.
جثا سوبارو على ركبتيه وانحنى أمام راينهارد، قائلًا:
سوبارو:「أتقدم إليك بخالص الشكر لأنك أنقذت حياتي! أنا ناتسكي سوبارو، وقد أذهلتني طهارة قلبك ونبل أخلاقك…」
راينهارد:「لا داعي لكل هذه الرسمية. لقد فقدوا تفوقهم عندما أصبح العدد ثلاثة في مواجهتهم لاثنين، لذلك تراجعوا. ولو كنت وحدي، لما انتهى الأمر بهذه السهولة.」
سوبارو:「لا، أظن أنهم كانوا سيهربون حتى لو كنا واحدًا في مواجهة عشرة، من شدة خوفهم… ما هذا الرجل؟ أهو وسيم من الداخل والخارج فعلًا؟ يبدو أن قصتي دخلت مسارًا جديدًا!」
سوبارو:『إنه سيناريو مؤثر، لذا لا بد من تجهيز منديل!』
بعد أن أطلق هذه التعليقات السخيفة، عاد سوبارو إلى تأمل راينهارد.
كلما نظر إليه، شعر أن ملامحه لا يمكن أن تكون إلا من صنع ملك اختاره بعناية. ومع ذلك، لم تبدُ ملابسه ملابس أحد الحراس، بل كانت أقرب إلى ملابس عامة الناس الذين شاهدهم في الشارع، لولا جودة القماش وأناقة مظهره.
سوبارو:「أمم… هل أناديك راينهارد-سان؟」
راينهارد:「يمكنك مناداتي بـ راينهارد فقط.」
سوبارو:「لقد تقاربت المسافة بيننا بسرعة… على أي حال، شكرًا لك مجددًا يا راينهارد. كنت الوحيد الذي استجاب لصرختي… يا له من شعور بالوحدة」
لم يكن من المعقول أن يكون هو الوحيد الذي سمع صراخ سوبارو وسط ذلك العدد الكبير من الناس.
وبينما كان سوبارو يتحسر على حال الناس الذين لا يكترثون بغيرهم، خفض راينهارد عينيه قليلًا وقال:
راينهارد:「لا أريد قول هذا، لكن لا مفرّ من الأمر. فالدخول في عداوة مع أمثالهم ينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى معظم الناس. لذلك، أحسنت حين طلبت الحراس.」
سوبارو:「من كلامك، أأنت أحد الحراس يا راينهارد؟ لا تبدو كذلك.」
راينهارد:「كثيرًا ما أسمع هذا. ولعل السبب أنني لا أرتدي الزي الرسمي اليوم، لأنني في إجازة.」
فتح راينهارد ذراعيه وضحك ضحكة خفيفة، لكن سوبارو اعترض في نفسه.
لم يكن السبب الحقيقي في أن راينهارد لا يبدو كأحد الحراس هو ملابسه، بل أجواؤه التي لا تشبه الصورة التي يتخيلها سوبارو للحراس الذين يقضون يومهم في الشوارع.
وإذا كان هناك سبب إضافي…
سوبارو:「أظنني سمعتهم ينادونك بـ [قديس السيف]…」
راينهارد:「عائلتي مميزة قليلًا، ولذلك أشعر أحيانًا أن ثقل التوقعات الملقاة على عاتقي قد يسحقني.」
رفع راينهارد كتفيه ببساطة، ما كشف عن امتلاكه حسًا فكاهيًا أيضًا.
لم يعد هناك مجال للشك؛ إنه وسيم من الداخل والخارج.
وبينما كان سوبارو لا يزال مندهشًا من هذا الرجل الذي يبدو وكأنه يجمع كل الصفات الجيدة، ظل راينهارد ينظر إليه باهتمام، ثم سأله:
راينهارد:「شعرك وملابسك واسمك كلها غير مألوفة. من أين أتيت يا سوبارو؟ ولماذا جئت إلى العاصمة الملكية لوغونيكا؟」
سوبارو:「يصعب عليّ الإجابة عن سؤال كهذا. لقد رفضوا قصة أنني قادم من دولة صغيرة في الشرق… فماذا عن دولة أبعد شرقًا؟」
حتى سوبارو نفسه أدرك أن إجابته ساذجة للغاية، لكن رد فعل راينهارد كان أكثر وضوحًا مما توقع.
راينهارد:「شرق لوغونيكا؟ لا تقل إنك تقصد ما وراء الشلال العظيم؟ هل تمزح؟」
سوبارو:「الشلال العظيم؟」
مال سوبارو برأسه، إذ لم يسمع بهذا المصطلح من قبل.
إذا لم تخنه ذاكرته، فإن كلمة [شلال] تشير إلى سقوط الماء من مكان مرتفع، لكنه لم يكن يعرف شيئًا تقريبًا عن جغرافية هذه المنطقة.
بل إنه لم يتعرف بعد على العاصمة نفسها، ولم تتجاوز الأماكن التي يعرفها في لوغونيكا شارع التجارة والأزقة والأحياء الفقيرة.
لم يكن وضعه مختلفًا كثيرًا عن حياته السابقة، حين كانت حياته تدور حول منزله وغرفته والمتجر القريب منه.
سوبارو:「عندما أفكر في الأمر، فأنا لا أزال بيتوتيًا حتى في عالم آخر! يبدو أن هذا طبع متأصل فيّ… يا لحظي السعيد!」
راينهارد:「لا يبدو أنك تحاول التهرب من الإجابة، لكن لا بأس، لنترك الأمر الآن. من الواضح أنك لست من سكان العاصمة. لا بد أن لديك سببًا للمجيء إلى هنا، أليس كذلك؟ تمر لوغونيكا حاليًا بظروف أكثر تعقيدًا من المعتاد. يمكنني مساعدتك إن أردت.」
سوبارو:「لا، لا، أليست هذه إجازتك؟ لا داعي لأن تضحي بوقتك لمساعدتي. لقد فعلت ما يكفي بالفعل… لكن لدي سؤال أريد طرحه عليك.」
هز سوبارو رأسه رافضًا عرض راينهارد، ثم رفع إصبعه كما لو أنه تذكر شيئًا فجأة.
ابتسم راينهارد وأومأ برأسه.
راينهارد:「اسأل ما تشاء.」
راينهارد:「قد لا أستطيع الإجابة عن كل شيء، فأنا لست مطلعًا على كل ما يجري في العالم.」
سوبارو:「لا، لا، لا بأس. أنا أبحث عن شخص، لذلك لن تكون الإجابة صعبة. أريد أن أسألك: هل رأيت فتاة ذات شعر فضي، ترتدي رداءً أبيض، في هذه المنطقة؟」
من خلال مراقبته للشوارع الرئيسية عدة مرات، عرف سوبارو أن مظهر ساتيلا المزيفة لافت للنظر.
فمثل شعره الأسود، كان الشعر الفضي نادرًا هنا، وكذلك الرداء المطرز بنقش يشبه الصقر. وعندما فكر في الأمر، بدا الرداء الأبيض باهظ الثمن أيضًا.
وفوق ذلك، كانت تحمل شارة مرصعة بالجواهر، ما جعله يظن أنها تنتمي إلى طبقة اجتماعية عالية.
راينهارد:「رداء أبيض وشعر فضي…」
سوبارو:「وأضيف إلى ذلك أنها فائقة الجمال. وكان برفقتها قط… رغم أنه على الأرجح لا يحمله ليتباهى به. هذا كل ما لدي من معلومات. هل تعرف أحدًا بهذه المواصفات؟」
لو أضاف سوبارو أنها ترافق روحًا تتخذ شكل قطة، لكان من المؤكد تقريبًا أنها ساتيلا المزيفة.
لكن هذه الروح كانت تختبئ عادة خلف شعرها الفضي، لذلك لم يكن يتوقع أن يتعرف عليها أحد بهذه الطريقة.
وبعد أن ذكر جمالها، تخيل سوبارو كيف سيبدو راينهارد واقفًا إلى جانبها. لا شك أن المنظر سيكون رائعًا، وهذا وحده أثار غيرته قليلًا.
راينهارد:「…وماذا ستفعل بعد أن تعثر على تلك الفتاة؟」
سوبارو:「لقد فقدت شيئًا، أو بالأحرى، أريد أن أعيد إليها شيئًا تبحث عنه. هذا كل ما في الأمر.」
مع ذلك، لم يكن الشيء الذي يريد إعادته إلى الفتاة في يده حتى الآن، بل ربما لم تفقده أصلًا.
ضيّق راينهارد عينيه الزرقاوين قليلًا، وظل يفكر بصمت قبل أن يجيب:
راينهارد:「همم… آسف، لا أعرف فتاة تنطبق عليها هذه المواصفات. لكن يمكنني مساعدتك في البحث عنها إن أردت.」
سوبارو:「لا أريد أن أحمّلك كل هذا العناء. لا بأس، سأجدها بطريقة أو بأخرى.」
رفع سوبارو يده رافضًا عرض المساعدة، وقرر أن يبدأ البحث من الشارع الرئيسي.
فقد يصادفها هناك كما حدث في المرة الثالثة.
بل يمكنه، إن سنحت الفرصة، أن يمسك فيلت في اللحظة التي تحاول فيها سرقة الشارة، ويمنعها من الهرب بها.
كلما فكر في الأمر، بدا له أن هذه الطريقة قد تكون الأسرع، ولذلك شعر بأنه لا ينبغي أن يضيّع المزيد من الوقت.
سوبارو:「المشكلة هي كيف سأتمكن من الإمساك بفيلت المراوغة… ربما أتحرك من جانب إلى آخر وأسد طريقها، مثل الدفاع الجماعي في كرة القدم!」
راينهارد:「هذه حركة غريبة. ماذا تقصد بها؟」
سوبارو:「إنها حركة دفاعية تضغط على الخصم وتمنعه من التقدم، حتى تتمكن من انتزاع الكرة منه. لا تنخدع بمظهري، فأنا معروف بمهاراتي الدفاعية! كما أنني أجيد التظاهر بالمشاركة في اللعب من دون أن أؤثر في حركة الكرة!」
ففي مباريات كرة المراوغة، كان سوبارو يقف قرب الخط، فلا يعرف أحد إن كان ضمن اللاعبين في الداخل أم خارج الملعب. ولم يكن غريبًا أن تنتهي المباراة من دون أن تصيبه الكرة ولو مرة واحدة.
سوبارو:「على أي حال، أول شيء يجب فعله هو الذهاب إلى شارع التجارة.」
راينهارد:「هل ستذهب الآن؟」
سوبارو:「نعم. لقد ساعدتني كثيرًا يا راينهارد، وسأرد لك الجميل يومًا ما. بالمناسبة، هل يمكنني العثور عليك في مقر الحراس؟」
راينهارد:「على الأرجح. إذا ذكرت اسمي، فسيعرفونني. وفي أيام إجازتي مثل اليوم، أسير في أنحاء العاصمة.」
سوبارو:「ليس لديّ هواية التجول في المدينة بحثًا عن رجل… كأنني في Otome Game (لعبة مواعدة)!」
رد سوبارو مازحًا، ثم رفع يده مودعًا إياه.
ابتسم راينهارد ابتسامته الودودة نفسها وقال:
راينهارد:「اعتنِ بنفسك.」
وكأن تلك الكلمات دفعته إلى الأمام، تمكن سوبارو من مغادرة الزقاق سالمًا، من دون أن يصاب بأذى أو يخسر أي شيء.
――لكن سوبارو لم ينتبه إلى العينين الزرقاوين اللتين ظلتا تراقبانه من الخلف، وكأن صاحبهما يحاول تقييمه.