فترة الإعداد
قال بيل شانكلي: "كرة القدم ليست مسألة حياة أو موت. إنها أهم بكثير من ذلك."
١. أغلقت باب بيتي ولوحت لكاميرا المراقبة المثبتة عبر الشارع. ركبوها حين اشتبهت الشرطة في أن المستأجر القديم يبيع مخدرات. أعتقد أنهم اصابوا، إذ وُجدت بضع ثقوب لرصاصات في الطوب. عشت هناك الآن، ولم أكن أتاجر، لكن الكاميرا بقيت، ومثلها الثقوب. انطلقت مع نقرة في سماعات أذني، محاولاً تشغيل حلقة بودكاست متوقفة: كرة قدم بصوت هادئ. زر التشغيل استعصى. استغرق الأمر ثلاث محاولات لأجعله يستجيب.
خردة سوق السلع المستعملة. لا تقلق إن لم تستوعب كل المصطلحات الآتية. عدم الفهم هو المقصود.
المعلق الأول: "ما يقدمه زينشينكو يتجاوز مجرد خط دفاع من ثلاثة لاعبين أو ظهير جناح. بإمكانه الدخول للعمق، وهو بارع في المساحات النصفية. أشعر بالارتياح لوجوده في المركز ستة، فهو مقاوم للضغط للغاية، أو حتى كلاعب وسط هجومي أيسر في المركز ثمانية."
المعلق الثاني: "هذا صحيح. لديه مقارنات ججيدة مع نصف الفريق. سيكون القائد الفني، احفظوا كلامي."
الأول: "تظهر خرائط تمريراته مداه وقدرته على اللعب العمودي بالكرة، وتكشف خرائط حرارته عن معدل كده. إنه آلة ضغط. في الموسم الماضي عقدنا الأحمد على ألا يصاب تيرني. لكن زينشينكو يتفوق عليه في جميع المقاييس تقريباً."
الثاني: "تيرني لا يستطيع الدخول للعمق."
ضغطت على زر الإيقاف المؤقت وهززت رأسى. كنت أفهم معظم ما يقولون. ركلت الكرات قبل أن أتعلم المشي وشاهدت آلاف المباريات. لكن مستوى التحليل الفني أصبح جامحاً فى العامين الأخيرين. حتى المشجعين العاديين باتوا يتحدثون عن مواضيع مجردة مثل الأهداف المتوقعة، ويتجادلون حول ما إذا كانت الفرص الخطيرة المحدقة مقياساً أفضل حقاً من التمريرات الحاسمة، ويتبادلون عبر واتساب مخططات شبكية لأفعال اللاعب المستهدف الدفاعية.
كان الأمر أكثر من اللزوم بقليل. لا أقول إن البيانات والتحليل تسلب اللعبة كل متعتها، لكنها ابتعدت كثيراً عن القصص التي نشأت عليها. تعاقد أرسنال يوماً ما مع لاعب يدعى جون ينسن لأنه سجل هدفاً خارقاً منحهم بطولة أوروبا اثنتين وتسعين. شارك بعدها فى تسع وتسعين مباراة مع أرسنال مسجلاً هدفاً واحداً بالضبط. ليس تماماً لاعب الوسط غزير الأهداف الذي رأوه على شاشة التلفزيون.
أو خذ حالة علي ديال، وهو لاعب لا يفضلنا فى شيء، إذ خعب مباراة فى الدوري الممتاز لمدة نصف ساعة بعد أن احتال ليشق طريقه إلى فريق ساثمبتون. هذه القصص لن تتكرر اليوم — فالمخطط الشبكي سيظهر أن جون ينسن لم يكن يشكل أى تهديد تهديفي، وأن علي ديال لم يقدم حرفياً شيئاً يذكر. إذن نعم، بدا أن كرة القدم تتحول شيئاً فشيئاً إلى قاعدة بيانات عملاقة تُعرف فيها كل معلومة خاصة بكل لاعب.
ولا تبدأ حتى حديثى عن التخطيط. كنت أتابع مباراة ثم أستمع إلى الناس يتحدثون عن تعديلات تكتيكية مذهلة أجراها المدربون. عذراً؟ متى حدث ذلك؟ عجزت عن رؤية أى من ذلك! أوقفت المباراة أحياناً لأكتشف أن كلا الفريقين يصطفان فى تشكيلات دقيقة للغاية. لكن عجزت عن فعل أى شيء بتلك المعلومة. أعنى أن أسوأ الفرق بدت فى لقطات التوقف مطابقة تماماً لأفضل الفرق. لم أفهم شيئاً! لكن ماذا كان يفترض بي أن أفعله إذن؟
أن أصبح مهتماً بالسياسة؟ أن أنضم إلى نادي قراءة؟ لا توجد أندية قراءة فى الجزء الذي أسكنه من مانشستر. إنها المنطقة المعروفة محلياً بالوعرة. وبالحديث عن ذلك... كنت أعبر تلك الحديقة الصغيرة. أتجنبها أحياناً لامتلاءها الدائم بالمراهقين المشاغبين، لكننى حاولت مؤخراً إجبار نفسي على ارتيادها. لماذَا أفترض الخوف؟ أعنى أنني كنت خائفاً، لكننى أردت أن يقل خوفى. أفهمني؟ وعلى أى حال، أمضى المراهقون وقتهم فى لعب كرة القدم أو السلة أو الاستماع إلى موسيقاهم الرديئة.
شعرت بنظراتهم تحط عليّ أحياناً، كأنهم يتساءلون عما إذا كان سلبى ممتعاً. أم أن ذلك كان مجرد توهم منى؟ ربما لا، فالأمر بدا مختلفاً اليوم. وضع الأطفال بعض القمصان والحقائب لتكون قوائم مرمى، وكانوا يتخبطون هنا وهناك كأن ثمة مباراة مقامة. لكن لم تكن هناك مباراة، وتلك كانت أنباء سيئة للغريب البائس البريء الذي صادف دخوله حديقتهم فى التوقيت الخاطئ. الغريب فى الأمر أن الغريب لم يكن أنا.
كان هناك رجل طويل جداً ونحيل جداً يدفع دراجة. ارتدى بدلة سوداء، وبدت جورباه أطول مما يجب، واضعاً على رأسه قبعة قديمة الطراز حقاً. وتحرك بعض الأشرار نحوه. قطعوا طريقه وأمسك أحددهم بمقود الدراجة. ساءت الأمور لا محالة. أدركتهم فى بضع خطوات.
قلت: "يا جاك!"
كأنني مسرور برؤية صديقى القديم.
"ماذا تفعل هنا؟ ظننتك فى إجازة."
تفحصنى العجوز — تجعدت عيناه لكن عقلاً يقظاً اختبأ خلفهما — ثم ابتسم باتساع.
قال: "يا سيجموند! أحه، حسناً، ألغيت الرحلة. كيف حالك؟"
انتزعت المقود من يد الشرير المرتبك قليلاً وبدأت أدفع الدراجة. لم يبد الشرير أى مقاومة.
قلت: "بخير، بخير. أَتذكر حين حدثتني عن ذلك الكتاب؟ بندول فوكو؟ قطعة قذارة خالصة. كن جاداً الآن. لم تعجبك تلك القراءة حقاً. لم تقرأها أصلاً."
ابتعدنا مشياً وتركنا الأطفال وشأننا. فجأة، سقطت كرة من شجرة تلاها صبي. واستأنف اللعب. واصلنا هراءنا حتى غادرنا الحديقة.
قلت: "سأذهب إلى أسدا. وماذا عنك؟"
"أهى سوبرماركت؟ نعم، يمكنني الذهاب معك."
تفقدت يديه لأرى إن كانتا ترتجفان. بدا غير متأثر تماماً بالحادث. أما أنا؟ فخفق قلبى بجنون. وامتلت عروقى بالأدرينالين. ربما لم يكن بذاك الذكاء الذي ظننته. ربما كان أغبى من أن يدرك للتو أنه كان فى خطر. ومع إشراقة هذه الفكرة، رمقنى بنظرة حملت وميضاً مرحاً للغاية.
قال: "شكراً لمساعدتك. كان ذلك... طيباً منك."
لا أعرف سبب القشعريرة التي سرت فى ظهري. للحظة واحدة، بدا العجوز كأنه خاب أمله. كأنه أراد التعرض للضرب! مضت اللحظة وبدت الفكرة برمتها سخيفة.
قلت: "أجل، لا مشكلة. اسمي الحقيقي هو ماكس، بالمناسبة."
خفضت بصري نحو الدراجة التي كنت أدفعها. كانت ثقيلة للغاية. وغريبة الشكل. استغرقت وقتاً لأدرك ما أزعجني فيها، وانتهى الأمر إلى حقيقة واحدة — لا توجد أجزاء بلاستيكية فيها.
"الاسم سيجموند يناسبك أكثر."
"سيظل أولئك الأطفال ينادونني بسيجموند طوال الوقت الآن. وليست هذه طريقة لمكافأتي!"
ركن إلى نظرة أخرى. أكانت جائعة؟
"كنت أقرب كثيراً فى تخمينك. أنا نيك."
تصافحنا.
"أتحب كرة القدم يا ماكس؟"
"نعم."
"رأيت تغيرك حين ظهرت الكرة. ذكرتني بكلب. أردت فقط الجري والقبض عليها."
ضحكت.
"أفترض ذلك. يراودني خيال غريب كلما مررت قرب مباراة مماثلة، أن يصرخوا 'هى، أتريد اللعب؟' فأرد 'من، أنا؟' ثم أنزلق إلى خط الوسط وأتحصن كبارينبويك."
"أبارينبويك لاعب كرة قدم شهير؟"
"لا، إنه قائد فرقة موسيقية."
"آه! أرى ذلك. نعم، أرى. أتريد أن تصبح لاعباً شهيراً إذن؟ أم قائداً شهيراً؟"
فكرت فى الأمر. كان المتجر على مقربة. على بعد ثلاث دقائق مشى. وهذا العجوز الذي لن أراه مجدداً أمامي. لماذا لا أصارحه بما يدور فى ذهنى حقاً؟
"لست قائداً، لا. ولست بحاجة إلى الشهرة. لاعباً؟ ربما. على الأرجح لا. لست بذلك التميز، ولا أقترب حتى، ولست تنافسياً بما يكفي. أريد الفوز لكن ليس مثل هؤلاء النخبويين. لكن أتعرف ما فكرت فيه مؤخراً؟ هؤلاء المدربون الكبار مثل غوارديولا وكلوب. يرون كرة القدم بطريقة مغايرة تماماً لطريقتي. حرفياً — نحن نشاهد شيئين مختلفين. إنه لأمر مذهل نوعاً ما. أظننى أتمنى رؤية اللعبة بالطريقة التي يرونها بها."
وكأننا استجبنا لإشارة واحدة، توقفنا عن المشي فى الثانية ذاتها. رمقنى بنظرة غريبة أخرى، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية.
قال: "تملك وعياً ذاتياً كبيراً. ومثيراً للاهتمام جداً. لم أسمع بهذا من قبل. مر وقت طويل منذ أن سمعت شيئاً كهذا."
بدأت حدته تثير ريبتي، لكننا استأنفنا السير واضطررت إلى حفظ توازن الدراجة، فلم أملك وقتاً للتفكير فى الأمر.
خفض نيك رأسه مفكراً، ثم قال: "أتباع روحك لتصبح مدرب كرة قدم كبير؟"
ضحكت. هذا الرجل مجنون.
"لا. ماذا؟ إنه لأمر غريب أن أملك هذه الهواية وأقضي فيها وقتاً طويلاً دون إحراز أى تقدم حقيقي. بل إننى أتخلف للوراء. لكن لا بأس. ليس بالأمر المهم."
أومأ برأسه.
"أظن أن اختياري للكلمات خلق فجوة صغيرة بيننا. لست من هذا البلد، كما تعلم."
لم أكن لأتوقع ذلك. لم تكن فى لغته أى لهجة. ربما كان أحد أولئك السكاكين البولنديين الوافدين.
قال: "أعتقد أن ما أحاول قوله هو..."
أخرج ساعة جيب فاتنة للغاية وأمعن النظر فيها. ضبط عقاربها، وابتسم، ثم أعادها إلى جيب سترته رفقة السلسلة.
"وجدتها. أتريد رؤية كرة القدم كما يراها هؤلاء الناس؟"
قلت: "بالتأكيد."
"قلها فى جملة كاملة."
أكثر من سعيد بمساعدة أجنبي على تحسين إنجليزيته.
"أتمنى لو أستطيع رؤية كرة القدم كما يراها مدرب كبير."
"جيد. الآن اقرع الجرس ثلاث مرات."
كان الرجل مختلاً! لكننا صرنا على خطوات معدودة من المدخل. مدت يدي وقرعت الجرس. رنين! رنين! رنين!
قال: "رائع. نعم، هذا ممتاز للغاية."
قهقه. لم يبد صوته متناسباً مع ذلك الوجه. لكن وجهه بدا مختلفاً عما كان عليه حين التقيته أول مرة. ألم يكن كذلك؟ أكثر حدة؟ عدد أقل من بقع الكبد؟ أياً ما كان، لقد كان وسيماً. وسامة شيطانية. مد يده إلى جيب محفظته وأخرجها.
"أنت تشتري بعض الحاجيات الضرورية، أليس كذلك؟ أتمانع شراء أقراص صداع؟"
انتزع الدراجة مني. عبست.
"ستنتظر هنا؟ أعنى، لن أتاخر، لكن..."
"خذ كل ما تحتاجه من وقت. تفضل."
ناولني ورقة نقدية بمائة جنيه. لم أظن أننا نتعامل بها بعد الآن، لكن بالتدقيق بدا أنها اسكتلندية. من يدري بما يفعلونه شمال الحدود؟
قلت: "أه."
وتخيلت للتو عناء محاولة استخدام هذه فى الخروج. لكن لا يهم. أخذتها ودلفت إلى الداخل. كان عقار الباراسيتامول بأقل من جنيه واحد، لذا اشتريته بمالي الخاص، رفقة ورق تواليت، ونودلز وعصير وحلوى هوبنوبس بالشوكولاتة بالحليب. وحين خرجت لأمنحه أقراص الدواء ونقوده الغريبة، كان الرجل قد اختفى. يوجد حارس أمن فى أسدا. كما تعلمون، بسبب كل أولئك الأشرار. أخبرني أن العجوز انطلق بدراجته بمجرد دخولي.
يا له من أحمق مجنون!
* * *
شققت طريق البيت عبر الحديقة. لم أفكر قط في الالتفاف حولها كما اعتادت عاداتي. لم أرد رؤية أولئك الصبية لأيام قليلة. أردت منهم أن ينسوا تفاعلنا بأسره. لكنني كنت أشعر بشيء من الغرابة. لست مريضاً أو شيئاً كهذا، بل بغرابة وحسب. كأن أعصابي أطول من جلدي. بدا يداي منتفختين وثقيلتين. كان حلقي جافاً. لا شيء خطيراً. مجرد غرابة. مجرد شعور بالخلل. لحسن الحظ، كانت المباراة جارية على قدم وساق كي لا يجد الشباب حاجة لمضايقتي.
خفضت رأسي وأنا أمضي. لكن حركة على بعد عشرين ياردة خطفت بصري حينها — شاب يراوغ منافسه. لم أستطع منع نفسي عن التأمل. رميت يدي أمام وجهي ودفعت نفسي إلى الوراء. تعثرت، واستمررت في التعثر حتى علقت قدمي بجذر شجرة. ضحك الصبية حتى سقطت رءوسهم، لكنني بقيت ساكناً. كانت أنفاسي تتلاحق بعنف. أغمضت عيني، عددت حتى العشرة، ثم فتحتها من جديد. حين نظرت إلى الشجرة، بدا كل شيء عادياً. لم يكن في عينيّ أي سوء.
التفتُ بحذر إلى يساري ورأيت حاوية نفايات. كل شيء على ما يرام. لكن حين رفعت رأسي وتأملت الصبية، كانت لا تزال هناك. أرقام. أبعدت نظري — إنه يوم عادي في مانشستر ذات الطوب الأحمر. عدت بنظري إلى الصبية. أرقام. خذ الأقرب إليّ — ما زال يضحك بالمناسبة. كان يرتدي قميص مانشستر سيتي، مما يميزه كأبله من الدرجة الأولى وبأعلى مستوياتها. لكن حين استقرت عيناي عليه، ظهرت أرقام فوق رأسه.
كانت مصممة كقاعدة بيانات، رغم أن العديد من الخلايا بدت فارغة.
ستيفن ماكغوف
مولود في 4.4.2005 (العمر 17)
إنجليزي/إيرلندي
التسارع 5
التحمل 1
ضربات الرأس 4 القوة 2
الافكاك 4
القفز 2
الشجاعة 11
التقنية 1
السرعة 5 القدم المفضلة يمنى
التمرير 1
المراوغة 2
مدافع (قلب دفاع)
أحدث التحديق في أي لاعب آخر الأثر نفسه. كان الأمر مرعباً. استلقيت إلى الوراء ووضعت يدي على وجهي. أتى أحد الصبية أخيراً وسأل عما إذا كنت بخير. قلت إنني لست كذلك. عرض استدعاء سيارة إسعاف. قلت إنني سأرتاح قليلاً وأشق طريقي للبيت بعد هنيهة. قال إن ذلك ليس خياراً لأنني أفسد المباراة بموتي بجوار الملعب. قبض على ذراعي، وأنهضني، وساعدني في المشي نحو البيت. لا أذكر أنني تفوهت بشيء.
لدي ذكرى مبهمة لكون الشاب كثير الكلام. يحاول منعني من فقدان الوعي أو ما شابه.
ثم تناهت إلى ذكرياتي واقعة محددة حين قال: "يا صاح، بيتك مخترق بثقوب رصاص."
قلت: "تلك كانت زوجتي السابقة."
أصدر شخيرًا وقال: "حسناً يا سيغفريد. لقد أوصلتك للبيت كحارس شخصي. ألن تعطيني نصف تلك البسكويتات؟"
بدا كأنه يقف على قمة بئر بينما كنت عالقاً في القاع. بدا بعيداً. يتردد صدى صوته.
قلت: "آسف. أحتاجها."
"إذن لن ألقى شيئاً؟ يا رجل. تقول أمي دائماً إن لا فعل حسن يمر بلا عقاب."
رماني بنظرة مترددة.
"لكن بجدية، يمكنني استدعاء أحدهم."
قلت: "تباً"، وأغلقت الباب في وجهه.
تعثرت نحو المطبخ وتناولت حبتي باراسيتامول. لم أحاول حتى صعود السلم.