VOLUME ONE
فصل خاص: زينيث
part 1
إسميَّ هوَ زينيث غرايرات.
لقد ولِدتُ في البلدِ المُقدس ميليس. إنها دولةٌ ذاتُ تاريخٍ طويل. أرضٌ مشهورةٌ بتاريخِها الطويلِ وجمالِها العظيمِ ومبادئِها الأخلاقيةِ الصارِمة.
أنا الإبنةُ الثانيةُ لعائلةِ إيرل في ذلِكَ البلَد.
مِثلَ مُعظمِ الشاباتِ اللواتي نشأنَ في أُسرٍ ميسورةِ الحال، عِشتُ كطفلةٍ محميةٍ من كُلِ شيء. لذا إعتقدتُ أنَّ مُحيطيَّ الصغيرَ هو العالمُ بأسرِه. كم كُنتُ جاهِلةً وحمقاء.
على الرُغمِ من أنهُ ليسَ مِنَ المُناسبِ حقًا قولُ ذلِكَ بنفسي، إلا أنني كنتُ طِفلةً جيدةً.
لم أُعارِض أبدًا أوامِرَ والديّ، وكانتْ درجاتي في المَدرسةِ مُمتازة.
وأطعتُ جميعَ مُعلميَّ في كنيسةِ ميليس، وقضيتُ وقتًا سلِسًا في تَعلُمِ الآدابِ الإجتماعية.
حتى أنَني وُصِفتُ بـ 『سيدةِ ميليس المثالية』.
أنا مُتأكِدةٌ من أن والداي كانا فخورَينِ بي أيضًا.
لو إستمرتْ الأمورُ على ما هي عليه، أفترِضُ أنني كنتُ سأُعَرَفُ في حفلةٍ ما إلى رَجُلٍ إختارهُ والِدايَّ لي.
الإبنُ الأكبرُ لعائلةِ إيرل عشوائية، على الأرجح. مُهذَبٌ ولكِن فخور، يحملُ الإحترامَ المُطلقَ لتعاليمِ كنيسةِ ميليس. كنتُ سأتزوجُ هذا النموذجَ الأخلاقي، وأُنجِبَ أطفالَه، ثم أرى إسميَّ يُدرجُ في سجلِ النَبالة الخاصِ بميليس بإعتبارهِ مثالًا على مسيرةٍ مُحترمةٍ تمامًا.
كإمرأة من الطبقةِ الأُرستُقراطية، بدا أنَّ هذا هو مُستقبلي.
لكِن بالطبع، لم ينتهي بيَّ الأمرُ هكذا.
في اليومِ الذي وصلتُ فيهِ إلى سنِ البلوغ، في عُمرِ الخامسةِ عشرَ عامًا.
دخلتُ في شِجارٍ رهيبٍ مع والديّ. ثِرتُ على والديَّ وغادرتُ المنزِل.
لقد سَئِمتُ تمامًا من السماحِ لَهُم بالتَحكُمِ في كُلِ لحظةٍ من حياتي. إضافةً إلى رؤيتي لأُختي الصغيرةِ تيريز الحُرةُ دائِمًا، أعتقِدُ أنني شعرتُ بالغيرةِ منها أيضًا.
إجتمعتْ هذهِ العوامل، إلى جانبِ العديدِ من الأشياء الصغيرةِ الأُخرى، دافعةً إيايَّ بعيدًا عن المسارِ الذي كنتُ أتَّبِعُه.
من الصعبِ جدًا الإستمرارُ في العيشِ إذا إبتعدَ النُبلاءُ عن مسارهِم.
لكِنَ الشيء المحظوظَ هو أنني تعلَمتُ سِحرَ الشِفاء في مدرسةِ النُبلاء. وحتى أنني إستطعتُ إلقاء تعاويذِ الشِفاء من الفئةِ المُتوسِطة.
على الرُغمِ من أنَّ بلدَ ميليس المُقدس هو بلدٌ مُتقدِمٌ جدًا في سحرِ الشفاء وسحرِ الحماية، فإن مُعظمَ الناسِ سيتعلمونَ سِحرَ الشِفاء وصولًا إلى الرُتبةِ الإبتدائيةِ فقط. لو تعلمَ المرءُ سِحرَ الشِفاء حتى الرُتبةِ المُتوسِطة، فيُمكِنُ لهذا الشخصِ العملُ في مُستشفى كنيسةِ ميليس، لذلِكَ وبسببِ هذا الإنجازِ فُضِلتُ بشدةٍ في المَدرسة.
وهكذا، إعتقدتُ بغطرسةٍ أنني سأكونُ قادرةً على العيشِ بشكلٍ جيدٍ للغايةِ أينما ذهبت.
كنتُ ساذجةً جدًا.
أنا التي لم تعرِفْ حتى مكانًا للإقامةِ فيه، تعرضتُ على الفورِ للإستهدافِ من قبلِ بعضِ المُحتالين.
قالوا لي إنَهُم يوظفونَ حاليًا مُعالِجًا سحريًا، وظفوني مع عدمِ علمي بالقيمةِ الحقيقيةِ لأجرِ هذا العمل. كانَ عَرضُهُم أقلَ بكثيرٍ ممّا يتلقاهُ المُعالجين السحريين في المرتبةِ الابتدائية، لكِنَهُم أصروا على أنَّ عرضَهُم سخيٌ للغاية.
ومع كوني حمقاءَ بالكامِل، صدقتُ لُطفَهُم السطحيَّ الكاذِب. أعتقِدُ حتى أنني فكرتُ حينها بـ: أفترِضُ أن العالمَ بهِ بعضُ الأشخاصِ المُحترمين.
لو إتبعتُهُم في حينِها، على الأغلبِ كانوا سيَطلبونَ مني أن أفعلَ أشياء أسوأ بكثيرٍ من مُجردِ مُعالجٍ سحري. إستخدامي كدرعٍ بشري ضِدَ الوحوش، أو أن يُجبِرونَني على إستخدامِ السحرِ حتى يُغمى عليّ. وربما حتى طلبَ فعلِ أشياءٍ جنسيةٍ ملعونةٍ لهُم.
الشخصُ الذي مَنَعَ كُلَ هذا هو السيافُ الشاب باول غرايرات.
بعدَ تعليمِ هؤلاء المُحتالينَ درسًا، أعادَني بالقوةِ إلى مجموعةِ سفرهِ الخاصة.
ظللتُ أظنُ أن باول هو شخصٌ شرير، إلى أنْ قامتْ إيلاينا لايز التي هي إحدى رُفقائِه بشرح الأمرِ لي.
على أي حال. هكذا إلتقيتُ بزوجيَّ المُستقبلي.
في البداية، كرِهتُ باول.
إكتشفتُ فيما بعد أنهُ نبيلٌ سابِقٌ من آسورا، لكِنَ أسلوبَ كلامِهِ بدا مِثلَ أسلوبِ وغدٍ بلطجي. في كثيرٍ من الأحيانِ يكسرُ وعودَه، وهو شخصٌ مُتهَوِرٌ حقًا. هو أيضًا شخصٌ جشِع، عادةً ما يسخرُ مني، ويُحِبُ أن يتَحَسَسَ المؤخِرات، ولا يُخفي أفكارهُ المُنحرِفة أبدًا.
لكِنَني أعلمُ أنهُ ليسَ رَجُلًا سيئًا.
على الرُغمِ من أنهُ نَظَرَ إليَّ بإزدراء وسَخِرَ مني لعدمِ فهمي لكيفيةِ عملِ العالم، إلا أنهُ يقولُ دائِمًا 'ليسَ باليدِ حيلة'، ويأتي لمُساعَدَتي.
شَخصيةُ باول هي النقيضُ المثاليُّ لشخصيتي، لكِنَهُ موثوقٌ ويُعتمَدُ عليهِ، يملكُ روحًا حُرة وهو رجلٌ وسيم.
لم يستغرِق الأمرُ وقتًا طويلًا حتى وقعتُ في حُبِه.
لكِن…لديهِ العديدُ من السيداتِ الجميلاتِ من حولِه، وأنا من أتباعِ كنيسةِ ميليس، التي بَشَرَتْ بفضائلِ الزواجِ الأُحادي.
على الرُغمِ من مُغادرَتي للمَنزِل، إلا أنَّني نشأتُ مع هذهِ التعاليمِ من حَولي، ويتِمُ حتى تدريسُ ذلِكَ أيضًا في المدرسة على أنهُ المنطِقُ السليم، وبالتالي فإن تعاليمَ ميليس محفورةُ بعُمقٍ في قلبي.
لذا، في أحدِ الأيام، قلتُ له هذا.
"إذا إمتنعتَ عن النومِ مع أي إمرأة أُخرى، يُمكِنُني النومُ معَك."
وافقَ باول على ذلِكَ بإبتسامةٍ مُرتاحة.
كنتُ أعرِفُ أنهُ يَكذِب.
لكِنَني في مرحلةٍ ما، فقدتُ إهتمامي بهذا.
بمجردِ أن يكسِرَ وعدَه، يُمكِنُني التَخلي عنهُ بِكُلِ سهولة.
لكِن، يبدو أنَّني ما زِلتُ حمقاء وقتَها. مُهمِلةٌ جدًا. ساذجةٌ جدًا.
ذلِكَ لأنني لم أتوَقَع أن أحبِلَ منهُ بسببِ ليلةٍ واحِدة.
لم أعرِف ماذا أفعلُ حينَها. إرتَبكتُ جدًا.
لم أتوقَع على الإطلاقِ أن باول سيتَحَمَلُ المسؤوليةَ ويتزوجني.
والطِفلُ الذي أنجبتهُ هو…
روديوس غرايرات.
رودي الصغيرُ خاصتي.
part 2
يجلسُ روديوس حاليًا بجانبِ مهدِ أخواتِه.
مُظهِرًا تعبيرًا جادًا جدًا.
وجهُهُ يُذكِرُني بوجهِ باول.
مُغلِقًا شفتيهِ بإحكام، ويتناوبُ بإستمرارٍ بين النظرِ إلى نورن وآيشا.
"آه، آه – – – – -!"
في اللحظةِ التي غَمغَمَتْ فيها نورن، إشتدَ تعبيرُ روديوس.
وفي اللحظةِ التالية.
"بالـبالـبالواا~."
أخرَجَ روديوس لِسانهُ وصنعَ وجهًا مُضحِكًا.
"ها هااا!، بااا، باااا!"
إبتَسَمَتْ نورن بسعادةٍ وهي ترى روديوس المُضحِك.
أومأ روديوس برِضا على إبتسامةِ نورن، ثُمَ عادَ فجأةً إلى التعبيرِ الجاد.
"ااه، اااه!"
هذهِ المرةَ آيشا هي التي غمغمت.
إنتقلَ روديوس على الفورِ إلى جانبشها.
"أجوجوبلولو."
ضَغَطَ على وجهِهِ بكفيهِ وصَنَعَ وجهًا غريبًا.
"نياهاها، هااا~."
يبدو أنَّ آيشا سعيدةٌ بهذا أيضًا.
أظهرَ روديوس نفسَ الإبتسامةِ الراضيةِ التي أظهرَها عندما ضَحِكَتْ نورن.
إستمرَ روديوس على هذا الروتين لفترة.
"هيهيهي……"
ضَحِكتُ قليلًا عندما رأيتُ إبتسامةَ رودي.
ذلِكَ لأنَ رودي لا يَبتَسِمُ كثيرًا.
يبدو دائمًا وكأنهُ غيرُ راضٍ عن شيءٍ ما. بغضِ النظرِ عن تَعلُمِ السِحرِ أو السيف، فإنهُ يفعلُ دائمًا أي شيء بتعبيرٍ جاد.
لم يَبتَسِم أبدًا أمامَ والديه.
وحتى لو إبتَسَم، فهو يبتسِمُ إبتسامةً مُصطَنَعة.
لكِنَهُ يُظهِرُ هذا التعبيرَ لأخواتِه، ويبتَسِمُ بشكلٍ راضٍ بعد رؤيةِ إبتساماتِ أخواتِه.
أشعرُ بالسعادةِ بمُجردِ النظرِ إليه.
الأمرُ مُختلفٌ تمامًا عن ذي قبل.
"فيو……"
تَنَهدتُ عندما تذكرتُ رودي في أولِ سنواتِ حياتِه.
لقد شعرتُ بسعادةٍ غامرةٍ عندما رأيتُ موهِبةَ روديوس السِحرية، لكِن بعد فترة، بدأتُ أشكُ فيما لو إن روديوس يَنظُرُ إلى والديهِ بإزدراء، ولا يُحِبُهُما.
لأني لم أُحِسَ بالقُربِ من رودي على الإطلاق.
ولكن هذهِ ليستْ الحقيقة.
ما غيرَ رأيي هي حادِثةُ حملِ ليليا.
إكتشَفنا أن ليليا حامِلٌ وإعترفَ باول بأنهُ ولدُ طِفلِها.
في ذلِكَ الوقتِ شعرتُ أنني تعرضتُ للخيانة.
الخيانةُ من قبلِ باول. وحتى الخيانةُ من قبل ليليا.
خاصةً عندما كسرَ باول وعدَه. وَصَلَ غضبي تقريبًا إلى النُقطةِ التي كادَ ينفجِر فيها تقريبًا. لو فَشِلتُ في كبحِ جماحِ نفسي حتى لثانيةٍ واحِدة، لبدأتُ في الصُراخِ ثُمَ أُلقي ليليا خارجًا، أو أن أُغادِرَ بنفسي.
قبلَ زواجِنا، قلتُ لنفسي أنهُ بمُجردِ أن يكذِبَ عليّ، سوف أتخلى عنهُ وأهجرُه.
نسيتُ تقريبًا ذلِكَ الوعدَ الذي قطَعتُهُ على نفسي، لكن على ما يبدو فهذا الوعدُ قد إستمرَّ في الإقامةِ في قلبي.
تم دفعيَّ إلى الحافةِ حقًا حينها، لدرجةِ أنني كنتُ مُستعِدةً لتدميرِ العائلةِ نهائيًا.
لكِنَ روديوس بَدَدَ أفكاري.
تصرفَ مِثلَ الطفلِ وحلَّ الوضعَ بِدقة، بعد جَرِيَّ إلى فخِ العنكبوتِ الذي نصبهُ ليَّ بإستعمالِ لسانهِ العسلي.
على كُلِ حال ما فعلهُ لم يكُن صحيحًا.
وحتى لو صدقتُ قُصتَه، لم أستَطِع مُسامحَةَ باول.
لكِنَني رأيتُ مشاعِرَهُ الحقيقية في قُصتهِ المُلفقة.
وكأنهُ يحاوِلُ القول: "أنا غيرُ مُرتاحٍ بسببِ إنهيارِ الأُسرة."
في اللحظةِ التي أدركتُ فيها هذا، فَهِمتُ أن هذا الطِفلَ يعتزُ بأُسرتهِ بطريقتهِ الخاصة.
عندما وصلتْ أفكاري إلى هذهِ النُقطة، إختفتْ كُلُ شُكوكيَّ حولَ حُبهِ لنا.
وفي الوقتِ نفسه، سامحتُ باول وليليا بسهولة.
لولا وجودُ روديوس معنا، فلن يَمُرَ الأمرُ بهذهِ السهولة.
"همم، نورن تشان لطيفةٌ حقًا، سوف تُصبِحُ جميلةً مِثلَ الأُم. عندما تَكبُرين فلنَستَحِمَ معًا."
أمسكَ رودي يَدَي نورن الصغيرة لإقناعها.
روديوس المُعتاد، الجادُ دائِمًا، يتَملَقُ أُختَهُ بطريقةٍ طفولية. هذا حقًا—–
رودي الصغيرُ مَوثوقٌ حقًا.
لقد أدركتُ أن رودي مُذهِلٌ حقًا منذُ البداية. لكِن في الآونةِ الأخيرة، إكتشفتُ أنهُ شخصيةٌ يُعتمَدُ عليها أيضًا.
أحسَستُ بالإرهاقِ الشديدِ عندما وُلِدَتْ نورن وآيشا.
دائِمًا ما تَبكي الفتاتانُ ليلًا ونهارًا، ثُمَ بعدَ إطعامِهُما، يَتَقَيآن. عِندَ غَسلِنا لأجسادِهُما في الماء، يتَغَوطانِ هُناك.
على الرُغمِ من أنَّ ليليا تقولُ إن هذا أمرٌ طبيعي، وهذا هوَ الحالُ حقًا، لكِنَني ما زِلتُ لم أستطِع النومَ ليلًا.
لكِنَ روديوس قد فَعَلَ العديدَ من الأشياء للأطفال. إنهُ ماهِرٌ جدًا في الإعتناء بالأطفال.
كما لو إنهُ قد فَعَلَ ذلِكَ من قَبل.
ليسَ مِنَ المُمكِنِ أنهُ لا يزالُ يَتَذَكَرُ كيفَ تمَ الإعتناء به. لا بُدَّ أنهُ تَعلمَ من مُشاهدةِ ليليا تفعلُ ذلِك.
كما هو مُتَوقعٌ من رودي.
على الرُغمِ من أنهُ يَجعَلُني أحِسُ بعَدَمِ الرِضا عن أنهُ يفعلُ ذلِكَ أفضلَ من والديه، ولكِن في الحقيقة، إنهُ يُساعِدُنا كثيرًا حقًا.
لم أسمَع أبدًا أو أرى أي طفلٍ يُعتمَدُ عليهِ مِثلَ روديوس، الذي يُمكِنُهُ رعايةُ أخواتِهِ اللواتي ولِدنَّ للتو.
يُذَكِرُني رودي أحيانًا بأخي، الذي يُفتَرَضُ أنهُ لا يزالُ يَعيشُ في البلادِ المُقدسة. إنهُ مِثلَ رودي، جادٌ ومُجتَهِدٌ وموهوب. أخبرنا والدي دائمًا أن نتعلمَ مِنهُ. لكِنَهُ أيضًا كان بارِدًا تِجاهَ عائلتِه، وتجاهلَ أخواتِهِ الصغيراتِ تمامًا تقريبًا.
على الرُغمِ من أنهُ مُثيرٌ للإعجابِ بإعتبارهِ نبيلًا، لكِن…لا يُمكِنُني إحترامُهُ كأخي.
لكِن، من الواضحِ أنَّ رودي لن يكونَ هكذا.
سوفَ يُصبِحُ بالتأكيدِ أخًا مُحترَمًا من قبلِ أخواتِه.
في الواقِع، هو حتى يُخطِطُ لذلِكَ مُنذُ البداية. فهو عِندما نظرَ إلى أُختَيهِ مع باول عِندَ ولادتِهُما، أعلنَ "هدفي هو أن أكون أفضلَ وأروعَ أخٍ مثالي في التاريخ."
لا أستَطيعُ الإنتظارَ لأرى كيفَ سيكونُ الإخوَةُ الثلاثةُ عِندما يَكبُرون.
"آه! واااااه!"
بدأتْ نورن في البُكاء أثناء تفكيري في ذلِك.
إرتجَفَ جسدُ روديوس قليلًا بسببِ تفاجُئِه، لكِنَهُ سُرعانَ ما تداركَ الوضعَ وبدأ يصنعُ وجوهًا مُضحِكةً بسُرعة.
"هاا-! وااااااه!"
لكِنَ نورن لا تتوقَفُ عن البُكاء.
تَحَسسَ روديوس حُفاضاتِها للتَحقُقِ من أنَّها تتبول، ثُمَ حملها، ونَظَرَ إلى ظَهرِها بحثًا عن طفحٍ جلدي بينما إستمرَتْ نورن تَشهَقُ باكيةً.
لو كنتُ أنا، لصرَختُ بالتأكيدِ لطلبِ المُساعدةِ من ليليا. ثم سأتذَكَرُ أن ليليا قد خرجَتْ لشراء بعضِ الأشياء. ثُمَ سيُصيبُني الذُعرُ بالتأكيد.
لكِنَ روديوس لم يرتبِك.
بعدَ أن فحصَ وضعَها يبدو أنهُ إستنتجَ سببَ بُكائِها، بعدها صَفَقَ بيده، وقال لي:
"الأُم. حانَ الوقتُ لإطعامِها."
أدركتُ أنَّ الوقتَ قد حانَ عِندما قال لي ذلِك.
مشاهدةُ رودي يلعبُ مع أخواتِهِ يجعلُ الوقتَ يمرُ بِسُرعة.
"حسنًا. حسنًا."
"هُنا. تَفضَلي بالجِلوس."
جَلَستُ على الكُرسي وفقًا لتوجيهاتِ رودي.
كشفتُ عن صدري بينما حَمِلتُ نورن الباكية.
كما تنبأ روديوس، نورن جائعةٌ وبدأتْ تتغذى على الفور، شَرِبَتْ الحليبَ بإستعجال.
في كُلِ مرةٍ أُطعِمُها، تبدأ مشاعرُ الأُمومةُ القويةُ في الإرتفاعِ لدي.
"……هممممم؟"
فجأة، أدركتُ نظرةَ روديوس.
في كُلِ مرةٍ أُطعِمُها، يُحدِقُ روديوس دائِمًا في صدري.
وهذهِ النظرةُ ليستْ نظرةَ طفلٍ يبلُغُ من العُمرِ سبعةَ سنوات، ولكِنَها نظرةٌ مليئةٌ بالرغباتِ الفاسِقة.
لو تمَ وضعُ باول معه، فستَجِدُ أن الإثنَينِ لهُما نفسُ النظرةِ بالضبط. أشعرُ بأنهُ مُضحِكٌ كم أنهُ يُشبِهُ والِدَه، ولكِن عندما أُفكِرُ أنهُ بالفعلِ هكذا في هذا العُمر، أشعرُ بالخوفِ من المُستقبَل. هل سيكونُ مِثلَ باول ويَضَعُ يدَيهِ على العديدِ من الفتيات، ويُبكيهُن؟
"ما الخطأ رودي؟ هل ترغبُ في القَليلِ أنتَ أيضًا؟"
"هاه؟!"
بعدَ مُزحةِ هذِه، عادَ روديوس إلى وعيهِ وأدارَ وجهَهُ إلى الجانِب.
ثُمَ معَ وجههِ المُحمر، حاولَ إيجادَ عُذرٍ لشرحِ نفسِه:
"لا، لا أقصِدُ بنظري إليكِ هذا، لكِنَني أُفكِرُ في كم أنَّ نورن جائِعَةٌ لتشرَبَ بهذهِ الشراهة."
"هيهيهي."
لم أستطِع كبحَ ضَحكي عِندما أظهَرَ مِثلَ هذا السلوكِ اللطيف.
"لا يُمكِنُكَ الحصولُ عليهِ كما تعلم، فهذا ينتمي إلى نورن. رودي شربَ بالفعلِ الكثيرَ عِندما كانَ صغيرًا، لذلِكَ يجبُ عليكَ التحلي بالصَبر."
"……بالطبعِ يا أُمي."
رُغمَ أنهُ قالَ ذلِكَ بكُلِ سهولةٍ كما لو أنهُ حقًا لم يكُن يُراقِبُني، لكِنَني رأيتُ بعضَ الندمِ في عينيهِ.
نادِرًا ما يُرى هذا النوعُ من المشاعِرِ على وجهِ رودي. لطافتُهُ هذهِ تَجعَلُني أرغَبُ بالتنمُرِ عليه.
يوش، سأُمازِحُهُ أكثرَ قليلًا.
"لو إنكَ تُريدُ ذلِكَ حقًا، يُمكِنُكَ الإنتظارُ حتى تحصلَ على زوجةٍ وتَتَوسَلَ إليها."
"فِكرةٌ جيدة. سأُجرِبُ ذلِكَ يومًا ما."
اه…اوه. إعتَقَدتُ أنهُ سيَغضَبُ ويتشاجرُ معي، لكِنَهُ يبدو غيرَ مُهتَم.
هل إكتَشَفَ أنني أُحاوِلُ إزعاجَه؟
على الرُغمِ من أن هذا خَيَبَ آمالي قليلًا، لكِنَ هذا يتَناسبُ معَ شخصيتِه.
"……لا يُمكِنُكَ إجبارُها على ذلِك، حسنًا؟"
"أنا أعلَم."
هذا الردُ الجاد…دائِمًا ما يَجعَلُني أشعرُ بالوحدةِ قليلًا.
"كيرببب."
تجشأتْ نورن بعدَ الإنتهاء من وجبتِها، بعدَ ذلِكَ وضَعتُها في المهدِ الخاصِ بها.
ثُمَ إستخدمتُ قطعةَ قماشٍ لمسحِ صدري، وحدقَ روديوس بهِ مرةً أُخرى.
همممم. يبدو أن من ستَتَزوجُ هذا الطِفلَ ستواجِهُ وقتًا عصيبًا.
أقوى مُرشح هي سيلفي، لكَنَ تِلكَ الطِفلةَ هي دائِمًا مُطيعةٌ له. يبدو أنها حتى لو لم ترغَب في ذلِك، فهي لن تَرفُضَهُ بشِدة……
حسنًا.
حسنًا لو حَدَثَ ذلِكَ فسيكونُ عليَّ أن أُعلِمُ رودي درسًا.
بصفتي أُمهُ فهذا هو واجبي.
علمهُ باول فقط كيفيةَ السيطرةِ على الفتيات. سأُعلِمُهُ أنا عن الأشياء التي تأتي بعدَ ذلِك.
"قووو."
بعدَ تغذيةِ نورن، أظهرتْ تعبيرًا يَنِمُ عن الرِضا، وسرعُانَ ما بدأتْ في إصدارِ الأصوات.
إنها مُتعبةٌ على الأغلب.
"إشربي أكثر، ونامي أكثر. حتى تَنمَي بِسُرعة؟"
ربتُ على رأسِ نورن أثناء قولي هذا.
"آه! وااااااا!"
فَعَلَ رودي نفسَ الشيء الذي فعلهُ مع نورن لآيشا، حَمَلَها، فحص حُفاضاتِها، وتأكدَ من عدمِ وجودِ طفحٍ جلدي أو لدغاتِ حشرات……
في النهاية، حَمَلَ آيشا ونظرَ إليَّ بتعبيرٍ مُضطرِب.
نادِرًا ما يُظهِرُ روديوس تعبيرًا كهذا.
على الرُغمِ من أنهُ يُسعِدُني رؤيةُ أنواعِ التعبيراتِ المُختلِفة على وجهِه، إلا أنني لا أرغبُ حقًا في رؤيتهِ كئيبًا للغاية.
"ما الخطأ؟"
"امم، يا أُمي…السيدةُ ليليا قد تأخرتْ قليلًا اليوم، أليسَ كذلِك."
"هذا صحيح."
عادةً ما تعودُ بحِلولِ هذا الوقتِ لو خَرَجَتْ لشراء الأشياء.
هل حدثَ شيء؟
…لا. هُناكَ مجموعةٌ مِنَ التُجارِ الذين أتوا من مدينةِ روا. وقالت ليليا إنها ستَشتَري أشياء أكثرَ مِنَ المُعتاد، لذلِكَ ستتأخرُ أكثرَ قليلًا اليوم.
"حسنًا، كما تَرَين…بالنسبةِ لآيشا…"
"نعم؟"
"رُبَما تكونُ جائِعةً."
"أوه، فهِمت."
عند التفكيرِ في الأمر، بما أنَّ آيشا تتغذى مع نورن، فيَجِبُ أن تَشعُرَ بالجوعِ في نفسِ الوقت.
عادةً، أُطعِمُ نورن بينما تُطعِمُ ليليا آيشا.
لاحظتُ تعبيرَ رودي المُضطرِب الآن.
بِهذا التعبيرِ على وجهِه، قالَ رودي بخوف.
"حولَ ذلِكَ يا أُمي، لستُ مُتأكِدًا متى ستعودُ ليليا. رُبما يُمكِنُ تَركُ آيشا تَنتَظِرُ قليلًا، ولكِن إذا إستمرتْ آيشا في البُكاء، فسوفَ تبكي نورن أيضًا. وذلك……"
مع كوني مؤمِنةً بكنيسةِ ميليس، فبسببِ ذلِك، أنا ألومُ ليليا لكَسِرها مُعتَقَدَ الزوجةِ الواحِدةِ الذي قطعتهُ على نفسي معَ باول. أعلَمُ أنهُما ليسا من أتباعِ ميليس، لكِنَني لا أريدُ ثنيَّ أفكاريَّ الخاصة.
يَجِبُ أن يكونَ هذا ما يُفكِرُ فيهِ رودي.
'هل سيَجعَلُ والدتهُ حزينةً بسببِ كلمةٍ واحِدة.'
أو 'هل ستَفعَلُ شيئًا فظيعًا لأُختِه.'
لا بُدَّ أنهُ يَحمِلُ هذا القَلَقَ في قلبِه.
بالنسبةِ لرودي. بغضِ النظرِ عن نورن، آيشا أو أنا. الكُلُ عائلتُه.
لذا……بما أن الأمورَ قد آلت إلى هذا، فيَجِبُ أن أفعلَ ذلِك.
لكِن، هل هذا جيدٌ حقًا؟
هل سأشعُرَ بالتعاسةِ عندما أُطعِمُ آيشا.
وبعدها، لو رأى رودي تعبيري، هل سيَكرَهُني، أو يَنظرُ إليَّ بإزدراء؟
"شيش. ما الذي تقولُه؟ هيا. أعطِني آيشا بِسُرعة."
تَخَلَصتُ من مَخاوفيَّ الخاصة، وحاولتُ التكَلُمَ بأكثرِ نبرةٍ لطيفةٍ أستطيعُ إظهارَها، وقُلتُ لرودي.
"حسنًا"
سَلَمَ رودي آيشا إليَّ بحذرٍ شديد.
حملتُ آيشا، وتركتُها تَتَغذى على الجانبِ الآخر.
لو إمتنعتْ آيشا، فمِنَ المُحتَمَلِ أن أشعُرَ بالتعاسة. لكِنَ آيشا لم تَهتم، وتَغَذَتْ بِشراهة.
"……فيوووه."
تنهدتُ بإرتياح، لم أسمَح لرودي بسماعي.
نفسُ الشعورِ الذي يأتيني عِندما أُطعِمُ نورن.
شعورُ الأُمومة.
لماذا إعتَقَدتُ أنني لن أستطيعَ إطعامَ آيشا؟
لماذا إعتَقَدتُ أنني سأكونُ غيرَ سعيدةٍ عندما أُطعِمُها؟
لماذا إعتَقَدتُ أنني بحاجةٍ إلى تَحمُلِ ذلِك؟
كُلُ شيء بسيطٌ وسهلٌ على عكسِ ما توقعت، والسببُ في ذلِكَ واضِح…
لأنني أُم.
في النهاية، ليسَ هُناكَ فرق. أتباعُ ميليس أو أي شيء آخر.
"يبدو أنها تُمتِعُ نفسها."
"هذا لأن حليبَ الأُمِ لذيذ."
"من فضلِكَ لا تُجاملني الآن."
يبدو أن رودي يَستَمتِعُ أيضًا، مُشاهدةُ آيشا تتغذى عليَّ دونَ حدوثِ أي شيء، يبدو أن هذا يجعلُهُ يشعرُ بالإرتياح.
لا بُدَّ أنهُ يَعتَقِدُ أنهُ من ضمنِ مسؤولياتِهِ هو حمايةُ شقيقاتِه.
هذا مثيرٌ للإعجابِ حقًا.
يبدو إنها ليستْ كِذبةً أنهُ يَريدُ أن يكونَ أفضلَ أخ.
"هذهِ ليستْ مُجاملة. ما زِلتُ أتذكرُ الطعم."
"هل تَتَذكرهُ حقًا؟"
إبتَسَمتُ بينما رَبَّتُ على رأسِ آيشا.
بعدَ فترة، إنتهتْ آيشا من الشُربِ وتركتْ صدري.
وَضَعتُها في المهدِ هي كذلِك، وبدأتْ في النومِ مِثلَ نورن.
إستَخدَمَ رودي تعبيرًا ألطفَ مِنَ المُعتادِ للنظرِ إليَّ وآيشا.
"رودي"
"نعم، ماذا هُناك؟"
"هل تُمانِعُ لو لَعِبتُ بشعرِك؟"
"……ليستْ هُناكَ حاجةٌ لسؤالي حقًا. يُمكِنُكِ اللعِبُ بِشَعريَّ متى ما أردتي."
جَلَسَ رودي بجانبي وقَرَبَ رأسَهُ إليّ.
رَبَّتُ على رأسِهِ بهِدوء.
لم يُقلِقني رودي أبدًا مُنذُ ولادتِه، لذلِكَ لم أشعُر حقًا وكأنني أمٌ أثناء نشأتِه، لكِنَ الأمرَ مُختَلِفٌ مؤخرًا.
أشعُرُ من أعماقِ قلبي أنَّني والِدةُ هذا الطِفل.
"………"
شعرتُ بإنفجارٍ مُفاجئ من الدِفء، وإلتَفَتُ لأرى من أينَ تأتي هذهِ الحرارة.
توهجُ شمسِ الصيفِ يَتَدَفقُ مِنَ النوافِذ.
مشهدُ حقولِ القمحِ الذهبيةِ التي لا نهايةَ لها خارِجَ النافِذة.
أشعُرُ بالرِضا حقًا.
"إنهُ لأمرٌ رائِعٌ أن تَستَمِرَ الأمورُ على هذا النحو."
"نعم"
رودي يتَفِقُ معي.
يجبُ أن يَشعُرَ أيضًا بالسلامِ خِلالَ هذا الوقت.
ولكِنَ ما يجعَلُني أشعرُ بالسعادةِ هو وجودُ رودي.
لولا رودي، لكان شخصٌ من ميليس مثلي يَتَحَسَرُ على حقيقةِ أنني أصبَحتُ واحِدةً من زوجتَين، وكنتُ سأُغادِرُ هذا المَنزِلَ مع نورن، أو أُلقي باللومِ على آيشا وليليا.
لِحُسنِ الحظ، رودي غيرَّ هذا الشيء.
لو لم يكُن طِفلًا ذكيًا وحكيمًا، فلن أختبِرَ شيئًا كهذا الآن.
"رودي."
"نعم يا أُمي؟"
"شُكرًا لكَ على ولادَتِك"
بدا رودي مُرتبِكًا ومُحتارًا.
ثُمَ خَدَشَ رأسَه، وقالَ بإحراج.
"يجبُ أن أكونَ الشخصَ الذي يَشكُرُك."
صَحِكتُ مرةً أُخرى عِندما رأيتُ تَصرُفاتَ رودي اللَطيفة.