عند وصول الثلاثة إلى الجزيرة، استقبلهم سكانها بحرارة إذ ظنوا أنهم الأبطال الذين قضوا على الوحش الذي كان يرعبهم. تجمّع السكان حولهم، يراقبونهم بفضول وترقّب.
تقدّم رجل كبير في السن ووجهه يعكس الحكمة والوقار، وعرّف نفسه قائلًا: «أنا زعيم قبيلة اللوران واسمي كايل. أشكركم على شجاعتكم. لقد خلّصتمونا من الوحش الذي منعنا من الخروج من الجزيرة والصيد في البحر. بفضلكم، تحررنا أخيرًا.»
تحدث حمزة وهو يسند ترافيس الذي كان يحاول التماسك رغم وضوح آثار الجروح والكدمات على جسده. «أيها الزعيم، صديقنا مصاب بجروح خطيرة. أيمكنكم مساعدته أولًا؟»
نظر كايل إلى ترافيس، ثم أشار بيده إلى مجموعة من الرجال الواقفين بجانبه: «خذوه إلى كوخ العلاج، وتأكدوا من أنه يحصل على أفضل رعاية.»
أخذ الرجال ترافيس إلى كوخ واسع حيث جلس المعالجون حوله وأحضروا الأعشاب والزيوت الطبية. استلقى ترافيس على الفراش وبدأ يشعر بوخز خفيف مع كل ضمادة تُوضع على جسده، فأغمض عينيه مستسلمًا للراحة دون أن يشكو.
شكر حمزة الزعيم، بينما نظر باسل إلى كوخ العلاج الذي كان ترافيس يتلقى فيه العلاج، ثم استدار إلى كايل: «أيها الزعيم، لدينا أمر مهم نخبركم به.»
«وما هو؟»
«في الحقيقة، لم نكن نحن من قتل الوحش. هناك شخص يُدعى جولينز، شخص غامض لا نعرف عنه الكثير، ظهر فجأة وقتله. وقبل أن يغادر، ترك لنا رسالة تحذير كُتب فيها: استعدوا، لأن أسطولًا من السفن سيغزو الجزيرة بعد ستة أيام.»
ساد صمت ثقيل وتحولت تعابير الفرح على وجوه الجميع إلى خوف وصدمة. تعالت أصوات السكان: «غزو؟! يا للهول… ستة أيام فقط تفصلنا عنه! ماذا سيحدث لنا ولأطفالنا؟ هل يمكننا صدهم؟»
ما إن انتشرت تلك الكلمات حتى دبّ التوتر بين السكان، وارتفعت الهمهمات من كل جانب، فنظر كايل إليهم وقال: «اهدؤوا…» ثم التفت إلى باسل وحمزة. «أيها الغريبان، إن كانت هذه الرسالة صحيحة، فلماذا يريدون غزو جزيرتنا؟ ما الذي يسعون إليه هنا؟»
أجاب حمزة: «أعتقد أن لديهم معلومات عن الجزيرة المفقودة.»
تبادل الحاضرون النظرات بتوتر وكأن شيئًا ما قد تأكد لهم.
تابع حمزة: «لا يمكننا التصدي لغزو محتمل دون استعداد لما هو آتٍ.»
أخذ كايل نفسًا عميقًا، ثم أشار إلى كوخ كبير يتوسط القرية وقال: «دعونا نناقش كيفية التصدي لهذا التهديد.»
أجاب باسل: «سنفعل ما بوسعنا لمساعدتكم»
بعد لحظات من الصمت المخيم على المكان، تنهد زعيم القبيلة: «يبدو أن الأمور ليست كما كنا نظن. إذا كانت هناك سفن قادمة لغزونا، فذلك يعني أننا في خطر أكبر من الوحش الذي أرعبنا لسنوات. علينا أن نستعد؛ لذلك نحتاج إلى فهم مدى قوة الأسطول الذي سيهاجمنا.»
تكلم حمزة: «إذا كان الأسطول قادمًا كما قال جولينز، فربما يكون عددهم حوالي عشرة آلاف مقاتل.»
ردَّ كايل بحزن: «للأسف لسنا بهذه القوة، فعدد مقاتلينا لا يتجاوز ألفين. وحتى مع شجاعة رجالنا فإننا لا نملك الموارد ولا الأعداد الكافية لمواجهة جيش بهذا الحجم.»
حمزة بنبرة جادة: «نريد أن نعرف المزيد عن الجزيرة. هل هناك قبائل أخرى أو أماكن مهمة يمكن أن تؤثر في هذه المعركة؟»
رد كايل: «نعم، جزيرتنا ليست معزولة تمامًا، فنحن لسنا الوحيدين الذين نعيش فيها. هناك قبيلة أخرى تسكن الجهة في الشرقية من الجزيرة تُدعى قبيلة "الأسوران". في الماضي كنا نعيش في سلام معًا، لكن ذلك السلام لم يدم طويلًا وتحول إلى صراع مرير.»
«بدأت الحروب بيننا بسبب الثأر والنزاعات على الأراضي ومصادر المياه، ومع مرور السنين تحولت إلى قتال دموي استمر لعقود، أنهك القبيلتين ودمّر الثقة.»
ساد صمت للحظات قبل أن يتدخل باسل قائلًا: «إذا كان عدد مقاتليكم ألفين فقط، وهناك قبيلة أخرى تعيش على الجزيرة، فأظن أن مواجهة الأسطول القادم ستكون صعبة على أي قبيلة بمفردها.»
ثم أردف: «نحن هنا لمساعدتكم، لكن يجب أن ندرك أن هذه المعركة ليست معركة اللوران وحدهم. إذا أردنا حماية الجزيرة من هذا الغزو، فعلينا أن نوحّد الصفوف ونسعى إلى التحالف مع قبيلة الأسوران.»
رفع كايل رأسه بسرعة، ونظراته حادة: «أتطلب مني أن أصافح من قتلوا أبناءنا ويتموا أطفالنا؟ لقد فقدت ابنتي وزوجها في حادثةٍ مأساوية خلال هذا الصراع، وما زالت آثاره تطاردنا حتى اليوم.»
قال حمزة بصوت حازم: «أعلم أن الأمر ليس سهلًا، وأتفهم غضبك. لكن الوضع الذي نواجهه الآن مختلف. سواء كنتم أعداء أم لا، فالأسطول القادم لن يفرّق بين اللوران والأسوران، وإذا سقطت إحدى القبيلتين فلن تنجو الأخرى وحدها. »
جلس كايل صامتًا وعيناه معلقتان بالأرض. كان يعلم أن كراهيته للأسوران لم تختفِ، لكن حمزة كان محقًا في أمر واحد؛ إن وصل الغزاة إلى الجزيرة فلن ينجو أحد.
تنهد كايل أخيرًا: «حسنًا… وما السبيل إلى تحقيق ذلك؟»
أجاب حمزة: «سنذهب إليهم ونحاول إقناعهم بالتحالف لصدّ هذا الغزو. إذا اتحدتم ستصبح فرصكم في مواجهة الأسطول الغازي والدفاع عن الجزيرة أكبر بكثير.»
صمت كايل للحظات: «لكن هناك عقبة أخرى. بيننا وبين قبيلة الأسوران نهر يفصلنا، وفي هذه الفترة يفيض النهر مرتين في السنة ويرتفع منسوبه بشكل خطير. نحن الآن في موسم الفيضان ولن يمكن عبوره إلا بعد ثلاثة أيام عندما تبدأ المياه بالانحسار.»
تبادل الاثنان نظرات متفهمة، مدركين أن أمامهم ثلاثة أيام فقط قبل أن يتمكنوا من عبور النهر والوصول إلى قبيلة الأسوران.