بعد رحلة دامت أسبوع ووسط الضباب الكثيف الذي غطّى الأفق، واصل القارب الصغير تقدّمه ببطء عبر المياه الهادئة. كان ترافيس يراقب من خلال جهازه وينظر إلى الشاشة التي بدأت تظهر له معالم جزيرة تبرز تدريجيًا.
ضيّق عينيه محاولًا التركيز أكثر، ثم قال بهدوء: «أعتقد أننا قريبون من..»
وقبل أن يكمل كلامه التقطت أذناه صوت هدير مياه مفاجئ، فالتفت بسرعة ليجد في الأفق سفينة ضخمة تتقدم نحو الجزيرة.
ظهر رجل على سطح السفينة الأخرى يلوّح بيده وهو يصرخ بحماس: «لقد وصلنا يا رفاق!»
كان واضحًا أن السفينة تحمل مجموعة من المستكشفين، الذين يبدون أنهم يشاركونهم نفس الوجهة.
مع اقترابهم أكثر بدأ مشهد مروع يتكشف أمام أعينهم؛ حطام سفن متناثر على الشاطئ وألواح خشبية مكسورة، وأشرعة ممزقة ترفرف في الهواء كأشباح مفقودة. لكن الأسوأ لم يكن الحطام فحسب، بل ما كان بين الحطام! جثث مشوهة وأجساد مقطعة متناثرة على طول الساحل. بعضها تعرّض لعضّات وحشية والبعض الآخر غارق في الدماء، وملامحهم تكسوها علامات الذعر التي عاشوها في لحظاتهم الأخيرة.
وقف الجميع في صمت، والدم يتجمد في عروقهم والهواء نفسه بدا أثقل من أن يُستنشق. ثم دوى صوت هدير مخيف من البحر!
صرخ أحدهم من السفينة الأخرى. «ما هذا؟!»
من بين الحطام والجثث، برز وحش ضخم ذو وجهٍ مرعب كأنه خليط بين فرس النهر والتمساح. كان جسده مغطىً بجلد سميك وقاسٍ، وعيناه بلون أصفر شرس وأنيابه تقطر دمًا.
في تلك اللحظة انقضّ الوحش على السفينة بأسنانه الهائلة، فبدأ بعض الرجال بإطلاق النار عليه في محاولة لإيقافه إلا أن الرصاص ارتد عن جلده الصلب. واصل الوحش هجومه ممزقًا الطاقم بوحشية مع اختلاط صرخاتهم بصوت تمزق الخشب وتحطّم الأسلحة. حاول بعض الرجال القفز في البحر للنجاة غير أن الوحش لم يدع أحدًا يفرّ.
بعد أن أنهى مذبحة السفينة استدار الوحش نحو القارب الذي كان عليه الثلاثة. ثبت عينيه عليهم للحظة، ثم أطلق زئير مدويًا واندفع نحوهم مباشرة.
وقبل أن يصل إليهم، تقدّم باسل رافعًا يده.
«آمتورس!» وما إن نطق بالاسم حتى ظهر القفاز الحديدي على يده. أرجع السوار إلى الخلف ليضمن قوة إضافية، ثم اندفع بسرعة خاطفة موجّهًا لكمة عنيفة نحو فك الوحش.
ارتدَّ الوحش إلى الخلف وتراجع عدة أمتار تحت قوة الضربة، مترنحًا للحظة. ترافيس الذي كان يراقب من الخلف، تمتم بدهشة: «يااا للهولي… ما هذه القوة؟!»
أما حمزة فتراجع خطوة وهو ينظر إلى باسل: «مستحيل، لا أصدق. أهذا حقًا باسل!»
باسل لم يمنحهم وقتًا للدهشة، إذ قال: «لا وقت للاندهاش! أريد منكما مساعدتي حتى أتمكن من السيطرة عليه!»
وبلا تردد فكَّ اللفافة التي كانت تغطي يده اليسرى كاشفًا عن العلامة، ثم مدَّ يده محاولًا السيطرة على الوحش. وعندما حاول تفعيلها لم يحدث شيء!
تراجع باسل بصدمة وهو ينظر إلى يده، حيث كانت العلامة تضيء لكنها لم تؤثر في الوحش. «ماذا؟!» في تلك اللحظة زأر الوحش مجددًا وانقض نحوهم بسرعة غير متوقعة!
حمزة رفع سيفه وتأهب للهجوم، وعندما سدد ضربته انقضَّ الوحش وعضَّ النصل بين فكيه ليتكسر إلى شظايا متناثرة!
اتسعت عينا حمزة بصدمة ولم يكن لديه وقت لاستيعاب الأمر، إذ إن الوحش قفز عليه مباشرة رافعًا مخالبه العملاقة!
تحرك باسل بسرعة متدخلًا بمهارة ووجّه لكمة قوية إلى جانب رأس الوحش، مما أجبره على التراجع قليلًا!
استغل ترافيس الفرصة، فسحب مسدسيه من العجلة المثبتة على ظهره وقفز بحرعة بهلوانية، يدور في الهواء برشاقة وعيناه مثبتتان على هدفه، ثم صوب مباشرة نحو عين الوحش وأطلق النار. أصابت الطلقة عين الوحش، فأطلق صرخة ألم مدوية والدم يسيل من عينه المصابة. ومع ذلك لم يتوقف، بل زادته الإصابة هيجانًا وشراسة، فاضطر الثلاثة إلى التراجع وهم يلتقطون أنفاسهم بصعوبة والدم يسيل من عينه المصابة.
قال باسل بصوت لاهث: «هذا الكائن اللعين لن يسقط بسهولة… علينا أن نجد طريقة أخرى لإيقافه!»
قال ترافيس: «معك حق. ضرباتنا لا تؤثر فيه بسبب جلده السميك.»
قبض حمزة على مقبض سيفه المكسور بقوة: «علينا إنهاؤه الآن، وإلا سنكون نحن الضحية التالية!»
أطلق الوحش هديرًا غاضبًا اهتز له سطح البحر، بينما راقبه الثلاثة بحذر وهم يستعدون لمواجهته من جديد.
في تلك اللحظة وبشكل مفاجئ، ظهرت بطاقة ضخمة في السماء وانطلقت بسرعة خاطفة نحو الوحش لتخترق جسده وتشقّه إلى نصفين في لحظة!
ساد الصمت للحظات والوحش ما زال في مكانه، وكأنه لم يدرك ما حدث له. ثم انهار جسده وسقط بثقل في البحر، محدثًا دويًا هائلًا.
باسل وقد بدت الصدمة واضحة على ملامحه. «ما هذا الشيء؟!»
وقبل أن يتمكنوا من استيعاب ما حدث، ظهر فوق بقايا الوحش شخص مغطى بالكامل برداء أسود. كانت البطاقة الكبيرة التي استخدمها تتقلص قبل أن تعود إلى يده بهدوء. رفع الشخص غطاء رأسه كاشفًا عن وجهه الغامض. كان شعره طويلًا ذا لونين، نصفه أسود والآخر أبيض وعيناه بلونين متناقضين، إحداهما سوداء والأخرى بيضاء.
ضحك ضحكة قصيرة تحمل شيئًا من التهكم، ثم قال بصوت جهوري يملؤه الغموض: «أهلًا بكم في جزر العالم الآخر.»