الفصل 9
مضت عشر سنوات أخرى في لمح البصر...
أصبح روبن الآن لا يستطيع المشي إلا بمساعدة عصا، وكادت عيناه تغمضان بسبب التجاعيد، ووصلت لحيته البيضاء إلى ركبتيه، وبدا وك أنه على وشك الموت في أي لحظة.
وبينما كان يأخذ قيلولته اليومية عند الظهيرة، إذ جاء صوت من بعيد: "يا أبي، لقد عُدت!"، وقد أزعج صوت الصياح العجوز روبن فأيقظه من نومه،
فنظَرَ إلى خارج الكهف ولعن قائلاً: "أيها اللقيط اللعين، ألا تَموت وحسب!!"
"مهلاً، أعلم أنك لا تقصد ذلك حقاً، هه هه، لن أموت قبلك!"، قال قيصر بابتسامة وهو يدخل الكهف ويقترب ليجلس بجانب روبن.
يبلغ قيصر الآن نحو عشرين عاماً وهو في المستوى 13، وقبل أربع سنوات استخدَم أحد أقوى القوانين الثانوية لمسار النار التي اكتشفها روبن لبناء ركائز النطاق فوق المستوى العاشر،
وبسبب انتقال القانون إليه مباشرة من المصدر، فقد أخذ معلومات وتوجيهات نقية، مكتسباً قوة أكبر مقارنة بمن هم في نفس مستواه.
لكنّه لم يجد أحداً ليختبر قوته الجديدة عليه، لذلك قرر التوجه نحو منطقة الوحوش الداخلية، حيث توجد وحوش تصل إلى المستوى العشرين.
بقوته الجديدة، بالإضافة إلى المعارك الدموية التي يخوضها يومياً هناك، اكتسب قيصر هالة قتل ثقيلة. لقد أصبح مقاتلاً حقيقياً يُحسب له ألف حساب. على العكس تماماً من والده، الذي ظل طوال حياته في المنطقة الخارجية، رافضاً الدخول كي لا تؤثر الاضطرابات المستمرة على أبحاثه.
اعتاد قيصر الآن على نمط حياته الخاص، فكان يتوجه إلى منطقة الوحوش الداخلية، ويبقى هناك لمدة شهر تقريباً قبل أن يعود ببضع جلود ونباتات ثمينة، ثم يأتي ليرى ما إذا كان والده يحتاج إلى شيء، قبل أن يذهب لبيع ما لديه ويشترى لفائف جديدة وباقي ضرورياته.
"كح كح... ابتعد عن وجهي أيها النذل ودعني أنهِ قيلولتي! لدي الكثير من الأبحاث الأخرى لأقوم بها عندما أستيقظ"، قال روبن وهو يجذب الغطاء ليغطي نفسه مرة أخرى.
"الأبحاث مرة أخرى؟ يا أبي، أنت عبقرية منقطعة النظير، يمكنك الصعود إلى المستوى 11 في أي وقت وتمديد حياتك.. لماذا تصر على العناد؟! العيش أهم من أي شيء!"، انزعج قيصر عندما سماع ما قُل...
هذه ليست المرة الأولى التي تدور فيها مثل هذه المحادثة، فكل سنة تمر تزيد من عجز والده وتقربه خطوة أخرى نحو قبره.
صمت روبن لبضع دقائق حتى ظن قيصر أنه قد غط في النوم، ثم سمع: "العيش.. ربما هو الشيء الأكثر أهمية بالنسبة لك... ليس لدي ما أعيش لأجله... ليس لدي شغف سوى طريق الحقيقة الذي قضيت حياتي عليه. إن لم أتقنه، فسأموت فحسب."
"عش لأجلي! أنت عائلتي الوحيدة، ألا يكفي هذا سبباً لك؟!"، قفز قيصر صارخاً وهو يبكي.
"اغرب! أنت لست ابني الحقيقي حتى"، أمسك روبن بكتاب وألقاه على قيصر.
"تباً لك! أعلم أنك لم تلدني ولكنك ما زلت أبي، ولن تأخذ هذا مني!"، قال قيصر وهو يدع الكتاب يصطدم بجبهته.
"...لقد كبرت بالفعل، لقد أعطيتُك كل خبرتي وسأترك لك كنز اللفائف هذا، وإذا بعتَها بشكل صحيح فسيكون لديك ما يكفي من المال والأراضي لتعلن مملكتك الخاصة! ألا يكفي هذا؟ جد فتاة جيدة وتزوجها.. أسس عائلتك الخاصة.. وانس أمر هذا العجوز"، قال روبن بصوت ضعيف.
"...كل هذا لن يعوضني عنك"، قال قيصر وهو يذهب لإعادة الكتاب إلى مكانه بجانب روبن ثم خرج من الكهف.
بعد حوالي عشر دقائق من الصمت داخل الكهف..."تشه~ الفتيان هذه الأيام يتصرفون كالإناث!"، ولكن كان واضحاً أن صاحب الصوت كان يبكي.
لم يكن روبن يدري أَيَبكي على حياته التي قضاه في أمور ستفيد الآخرين... أم على ابنه الوحيد، الذي لم يكن ابنه، ولكنه مع ذلك يتألم عند التفكير في أنه على وشك مفارقته...
وبعد 4 سنوات أخرى...
يبلغ روبن الآن 144 عاماً ولم يعد قادراً على الوقوف دون مساعدة قيصر.
قرر قيصر إيقاف رحلاته إلى منطقة الوحوش الداخلية ليقضي مع والده ما تبقى من حياته... لقد كانت حياة بسيطة ودافئة، قيصر يهتم بالضروريات بينما يركز روبن على التأمل في سريره الصغير وكتابة الملاحظات. بين الحين والآخر كان يمرر بعض النصائح الجديدة لقيصر حول القوانين والتي تزيد من قدراته القتالية وقدرته على البقاء.
على الرغم من أن قيصر الآن أقوى بكثير من والده، إلا أنه لا يزال يستمع بعناية ويطبق كل كلمة.. وبالفعل، كانت كل نصيحة تصيب هدفها وترفع قدرته إلى مستوى مختلف تماماً.
لكن هذا كان يزيْد من استياء قيصر تجاه قرار والده... فبعد أن بدأ يخرج للاستكشاف، عرف المزيد عن القوانين والمسارات ومدى صعوبة اكتشافها. لقد عرف ما كان يفعله والده في كهفه الصغير وعَرف ما يعنيه ذلك للعالم أجمع.
اكتشف روبن مئات القوانين الثانوية وسجل الحقائق الخاصة بها ومفاتيح إكمال تقنيات زراعتها، وعلى الرغم من أنه لم يتقنها بالكامل، إلا أن مجرد تسجيلاته ستختصر الوقت الذي سيستغرقه من بعده لإتقان القوانين...
سجلات روبن يمكن إتقانها وإكمال طريقة الزراعة في أقل من 4 سنوات إذا عمل عليها أي حكيم عادي!
نظَرَ قيصر بعمق إلى والده، الذي كان يشرح له قانوناً جديداً، بعيون تلمع بالدموع... مثل هذا العبقري يجب أن يبقى على قيد الحياة. إن موته جريمة بحق العالم أجمع.
بعد عامين...
روبن جالس على سريره، كالعادة، يتأمل الخلق من حوله عندما شعَرَ أن دقات قلبه قد توقفت...
'...وهه، يبدو أن وقتي قد حان، إذن هذا هو شعور الموت'، فكر روبن بينما بدأ انقطاع تدفق الدم يؤثر على سرعة تفكيره.
'ههه... لقد كشفتُ حقائق مئات القوانين طوال حياتي... لقد أتقنت العشرات منها وألقيت نظرات خاطفة على العديد من القوانين الكبرى المعروفة... لو أنني درست أحد تلك القوانين، لكنت قد أتقنته بحلول الآن.. ولكن كل هذا لم يكن كافياً للكشف الكامل عن طريق اللعين الذي اخترته..'
..هذا الشعور.. آه.. ربما يجب أن أستدعي قيصر.. لأخبره أن الموت هو أيضاً.. طريق سماوي.
بووووووم
فجأة بدا كل شيء حول روبن وكأنه توقف وأومض ضوء قوي في نهاية سريره.