الفصل السادس
مرت ست سنوات أخرى... والآن قد عاش هنا مدة أطول مما قضاها مع عائلة بيرتون.
وهو الآن في الثلاثين من عمره، وباستثناء تلك اللحية الكثيفة والندبة الصغيرة فوق حاجبه، لا يزال يبدو شاباً كما كان من قبل... كل ما في الأمر أن ابتسامته الزائفة تلاشت لتحل محلها ملامح غير مبالية ووجه أشبه بوجه ميت.
نادراً ما كانت تعابيره تتغير، أصبح جسده نحيلاً، وملابسه مغبرة وملطخة بالدماء من قمتها إلى أخمصها، لكنه لم يفعل شيئاً لتنظيف نفسه بينما كان يجلس على طاولة في مطعم.
نعم، مطعم! على الرغم من اعتياده على الوحدة منذ ولادته، إلا أنه كان لا يزال يرى الناس ويتفاعل مع الآخرين. لكن عندما اختبر الوحدة الحقيقية لأكثر من عقد من الزمان، أثر ذلك عليه كثيراً.
قبل ثلاث سنوات، لم يعد قادراً على تحمل نمط حياته، وبدأ بالخروج للتجول قليلاً في القرى المجاورة بعد كل بضعة أشهر من التأمل، لكنه لم يخشَ أن يتعرف عليه أحد. بملابسه البالية ولحيته الكثيفة، لم يكن يبدو مختلفاً عن أي صياد فقير.
بدأ العمل في سلخ الوحوش التي يصطادها ليبيع جلودها لأقرب قرية مقابل المال، ثم يشتري الملح ليضيف نكهة للحم المشوي الذي أصبح مثيراً للغثيان في الآونة الأخيرة. وكان يجلس في المقاهي أو المطاعم ليستمع إلى الأصوات البشرية التي اشتاق إليها... وكان اليوم واحداً من تلك الأيام.
وبينما كان جالساً كعادته، جاء رجل عجوز وجلس قبالته، "ها أنت ذا مجدداً، أيها الصياد الشبح! لقد تأخرت علينا هذه المرة ها ها. هل كان حصادك جيداً؟"
كان هذا صاحب المتجر الذي يشتري الجلود من روبن كل بضعة أشهر، وبعد بضع زيارات تعرف عليه وأصبح ينتظره بصبر، لقد أحب هذا الصياد الشبح!
في كل مرة كان يظهر فيها، كان يحضر معه عدداً كبيراً من جلود وأحشاء الوحوش التي يتجاوز مستواها المستوى الثامن، فهذه الوحوش نادراً ما تُرى، ونادراً أكثر أن تجد صيادين أقوياء بما يكفي لقتلها.
"لقد تركت الجلود.. في متجرك، وقد أخذت بالفعل.. أموالي.. من ابنك.." قال روبن بصوت متهدج، كما لو أنه لم يستخدم حنجرته للكلام من قبل.
"ها ها جيد! مهلاً.. أنت لا تنوي المغادرة بهذه السرعة مجدداً، أليس كذلك؟ هل تنوي الصيد طوال حياتك أم ماذا؟ استرح هنا لبضعة أيام على الأقل."
"..لا، لقد قررت القيام بشيء ما.. وعليَّ فعله مهما كلف الأمر.." تنهد روبن وهو ينظر إلى كوب القهوة في يده.
"وما المشكلة إن أنهيته غداً أو بعد غد؟ لقد كنت تصطاد لسنوات ولم أرَك ترتاح بشكل سليم أبداً. يجب أن تخفف الضغط عن جسدك وإلا سيؤثر التوتر عليك، وعندها ستتوقف عن تزويدي بالبضائع!! .. استمع إليّ، أنت أحد أهم موردِيّ وأنا أخشى على صحتك العقلية، ما رأيك أن تكون ضيفي اليوم؟ دعني أعتني بك ليوم واحد فقط وبعدها افعل ما تشاء!" قال العجوز.
كان روبن على وشك الرفض، لكنه تذكر فجأة أنه بعد شرب قهوته سيضطر للعودة إلى كهفه والجلوس على مؤخرته يتأمل لبضعة أشهر، ولن ينهض إلا لاصطياد تلك الوحوش الغبية!
لم يكن يريد ذلك!!
رفع رأسه وقال بصوت منخفض، "..حسناً، إن كان ليوم واحد فقط..."
-"ها ها ها، هذا ما أحب سماعه. لنذهب! يا صاحب المطعم، طعام وشراب هذا الرجل على حسابي!" ثم أمسك العجوز بيد روبن وسحبه خلفه.
بعد المشي لفترة اقتربا من مبنى ضخم مزخرف، وعند الباب وقفت بضع فتيات بملابس فاضحة يرحبن بكل من يدخل بابتسامة، حين رأى هذا اتسعت عينا روبن، 'تباً، هذا العجوز يخطط لإدخالي بيت دعارة!' فكر للحظة في العودة لكنه قرر في النهاية غير ذلك. إنه يوم واحد فقط، ماذا يمكن أن يحدث؟
سلم نفسه تماماً للعجوز ليختار ما سيفعله في تلك الليلة حيث كانت المرة الأولى التي يدخل فيها بيت دعارة في حياته... وكانت أفضل ليلة في حياة روبن!
الرقص، والغناء، والشرب، والضحك جعلته ينسى الهموم والمسؤوليات التي كان يحملها على عاتقه. في نهاية الأمسية، اقترح عليه العجوز إحدى الفتيات ليقضي الليلة معها، "هذه الفتاة هي الأغلى هنا ولم يسبق للكثيرين اختيارها، سأدفع أنا، وأنت فقط أنهِ المهمة ها ها!" ضحك العجوز بصوت عالٍ وهو يشير إلى فتاة.
'... حسناً، أظن أن معرفة هذا الشعور لن تضر.. فأنا في الثلاثين من عمري في نهاية المطاف، أقراني فعلوا ذلك في سن الثانية عشرة' فكر روبن قليلاً ثم وافق وذهب مع الفتاة إلى غرفة في جانب المبنى.
مرت خمس سنوات أخرى...
قضى روبن أكثر من نصفها في القرية المجاورة. بعد ذلك -في إحدى الليالي- عاد روبن إلى القرية بعد شهرين فقط من التأمل. وفي المرة التالية التي عاد فيها كانت بعد شهر.. ثم كل أسبوعين...
تغيرت مشترياته الرئيسية من الملح وضروريات الحياة إلى النبيذ وبعض الوقت مع نساء بيت الدعارة. وسرعان ما أصبح أحد أهم زبائنهم... ولكي لا تجعله النساء هناك محبوباً أكثر، قام بتهذيب لحيته، وشراء ملابس جديدة، وحتى عطور متنوعة.
تطور وضعه حتى أصبح شبه مقيم في القرية، ولا يخرج لصيد الوحوش إلا لفترة كافية لجمع المال اللازم لمواكبة نمط حياته الجديد.
في يوم اعتيادي في الحانة مع مضيفته ريتا، وبينما كان يضحك ويشرب، سألته وهي مستلقية على صدره العاري، "سيدي روب، أنت وسيم جداً ومهيب للغاية... هل أنت حقاً مجرد صياد؟ لمَ لا تخبر هذه الأمة الصغيرة من هو سيدي حقاً؟"
"ها ها ها لديك عين ثاقبة! أنا ابن عائلة بي-... أنا الـ... أنا... أنا...؟!" بدأت ملامح روبن تتغير مع كل كلمة قالها حتى تحول إلى شكل قبيح، دفع ريتا بعيداً عنه وقفز من النافذة، مسرعاً باتجاه كهفه.
.......
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآه~..."
بعد أن وصل إلى مدخل الكهف، نظر إلى الداخل لفترة، ثم نظر إلى السماء، وصرخ بصوت عالٍ، ثم جثا على ركبتيه واضعاً يديه فوق رأسه.
"ما الذي أفعله بحق الجحيم.. ما الذي أفعله بحق الجحيم؟! لو أردت كل هذا الهراء، لبقيت عبقرياً في عائلة بيرتون، ولحصلت على أجمل النساء وأغلى أنواع النبيذ في العالم، فما الذي جاء بك إلى هنا يا روبن؟! لتصبح أسطورة؟ لتغير العالم؟ ... أنا لا أملك حتى أبسط درجات السيطرة على أفعالي الخاصة!!" صرخ روبن وهو يضرب الأرض تحته حتى نزفت قبضتاه.
"في السنوات الخمس الماضية لم أستطع الكشف سوى عن بضع حقائق حول قانون سماوي ثانوي واحد... قانون لعين واحد! مرت 21 سنة منذ قراري ولا أزال لا أعرف حتى أي مسار يجب أن أسلك، لكنني تركت طموحي لألعب بصدري ريتا؟! ماذا فعل لي كل ذلك الهراء؟ تباً لي! .. تباً لي!!"
مع ارتفاع صوته، كانت الوحوش في المنطقة ترتجف خوفاً، لقد شعروا بغضبه. شبح الموت الذي كان يطاردهم بين الحين والآخر أصبح بالفعل كابوسهم، وكونه غاضباً لم يكن يوماً علامة جيدة!
"...انتظر لحظة.. الكشف عن بضع حقائق .... حقائق؟" هدأ روبن بسرعة عندما نهض من وضعية الجثو وجلس على الفور في وضعية التأمل، ولم تزعجه يده النازفة بينما كان يغرق في أفكاره....