هبطا في ظلام دامس، لكن التوهج الخفيف من حواجز آدم بفضل تأثير النيران الصادر عن التاج أضاء بقعة ضئيلة من الجدران حولهما.
همست إميليا: "لم أسمع بهذا المكان من قبل"، وتردد صوتها بين جدران البئر.
تمتم آدم: "مخفي في العيان. أتسااءل عما إذا كانت الأنقليسّات قد خُلقت كلها بواسطة أليفيريا لإخفاء هذا المكان. لا شك في أن جعل الأنقليسّات قادرة على تلويث الديدان يساعد أيضاً في إبعاد الناس".
أضافت إميليا ناهيك عن أن الحصول على سفينة قادرة على النزول إلى هذا العمق أمر مستحيل.
سأل: "حقا؟"
"نعم، حتى مع خطّ التثبيت، لا يمكنك النزول تحت طبقة السحب، لأنه لا توجد جزر طافية أسفلها لتشبث بها. أعتقد أن تأثير الطفو مرتبط بالسحب أيضاً، لذا حتى لو تمكنت من الاقتراب، ستسقط سفينتك سقوطاً حراً من السحب إلى القاع".
عبس آدم: "إذن فالنزول إلى هنا يعني الانتحار أساساً؟"
"إن لم تكن حواجزك موجودة، فنعم. رغم أنني أظن أن هناك بعض الآثار لاحقاً التي يمكنها جعلك تطير، لكن هذا يعني أن المتسلقين وحدهم هم من يستطيعون المجيء إلى هنا، إذ سيتعين عليك تمرير تلك الآثار إلى البداية عبر ترقية خانة الآثار".
تساءل: "هل نعود؟"
حذرت إميليا: "إذا وجدنا أليفيريا، فلنحرص على ألا نتورط بعمق في قتال معها".
"على الأقل تجعل حواجزي الهروب أمراً سهلاً بالنسبة لنا".
سألت إميليا: "أليفيريا تملك أجنحة، أليس كذلك؟"
أجاب: "كان لصورتهن المجسدة أجنحة".
"قد تشكل تلك مشكلة إذا اضطررنا للركض".
أضاء توهج حواجزه فجأة قاع البئر. كانت هناك فتحة مستديرة في الجدار تؤدي إلى مزيد من الظلام. التفت اثناهما إلى الخلف نحو المكان الذي قدما منه، فرأيا نقطة مضيئة صغيرة. لابد أنهما كانا على عمق كيلومتر أو أكثر داخل الصخور الصلبة للبحر الطافي. لم يكن بوسع أي أيدٍ بشرية صنع شيء كهذا، لكن لو أن أليفيريا رسمت العالم إلى حيز الوجود حقاً، لكان بإمكانها صنع هذا البئر المستحيل بسهولة.
أرسل آدم أحد حواجزه أمامهما، مشكلاً إياه على هيئة كرة لتعظيم توهجه. وكأنما استُثِيرت بمستشعر قربان، دبت الحياة في أحجار الشمس بالسقف وأضاءت المكان من الداخل. وكما توقع آدم، كشف الضوء عن مختبر. ألواح كبيرة تصلح لطاولات عمليات، أجهزة شبيهة بالعناكب في السقف مسلحة بمنابر وأدوات أخرى، أحواض جافة ربما رعت حياة جديدة يوماً ما، محفظات أحياء مختومة تحوي البقايا العظمية لسكانها السابقين، ومكتبة تعج بالكتب واللفائف.
ببساطة، كانت برج أليفيريا مصغراً، رغم افتقاره لغرفة طقوس.
عقبت إميليا: "يبدو مهجوراً".
بقيَا في الخارج على حاجز آدم بينما كان يحريك تعويذته الكروية حوله، محاولاً إطلاق أي فخاخ قد تربض بانتظارهما لحظة دخولهما. بل حولها إلى يد وبدأ يعبث بالأشياء بالداخل، لكن شيئاً لم يحدث. في مؤخرة المختبر كان هناك مدخل مقوس مستدير يؤدي إلى نفق يتعمق داخل مخبأ أليفيريا السري.
سأل آدم: "سيكون من الجيد الاستدارة والعودة، أليس كذلك؟"
قالت إميليا: "إن لم تنفذ المهمة، فستنال عقاباً".
عبس: "لا أُريد ذلك قطعاً، لكن لا مفر من أن يكون هذا فخاً".
أجابت: "سنكون حذرين فقط".
قال: "انتظر، لدي فكرة".
نزل آدم عن الحاجز وبدأ ينقر بيده المصنوعة من السبج على الأرض والجدران والمعدات داخل المختبر بينما تقدم ببطء، ممرراً صوراً خاطفة في ذهنه من قدرته الخاصة. ربما بفضل هية حارس المجلد، استطاع فرز تلك الصور السريعة بسرعة دون أن يفقد وعيه. رغم أنه رأى الكثير من التجارب القاتمة عبر تلك الصور الخاطفة، فلم تكن هناك علامات على وجود فخاخ، ومع تقدمه، برفقة إميليا لداعمه، بدأ آدم يلتقط أدلة عما قد يكون حدث.
قال: "كانت أليفيريا تبني شيئاً ما".
أظهرت ومضات الماضي شكلها الشرير منحنياً فوق طاولات العمل وطاولات الجراحة، وهي تحول ضحاياها إلى جزء من كليّ جديد أكبر.
أكمل: "كأنها أتت إلى هنا لبناء تحفتها الفنية الكبرى".
تبعت إميليا خطاه وهو يتجول، مقبلةً بعين حذرة على محيطهما. اجتاز محفظات الأحياء، لكن تبين أنها لا صلة لها بعملها العظيم، بل كانت مجرد مشروع جانبي لتلك الصانعة المجنونة للحوم، نظراً لشغفها العميق بصنع الكائنات الهجينة. بلغ المكتبة في النهاية. تبرز فائدة اليد الاسطورية بوضوح حين يتعلق الأمر بالكتب، إذ يمكنه بلمسة واحدة استيعاب كل المعرفة. الكثير مما استخلصه من المجلدات واللفائف التي احتفظت بها أليفيريا كان معرفة باطنية عن سحر الطقوس شك في قدرته على تحقيق استفادة تذكر منها، نظراً لاستحالة حصوله على معظم المكونات.
رغم أنها علمته كيف يستدعي ستة زعماء جدد إلى غرفة الطقوس في المرحلة السادسة، لا كأن ذلك سيفيده الآن. حين بلغ نهاية المكتبة، عثر على لفافة معدنية كبيرة. حاولت إميليا رفعها لتتمكن من بسط محتواها، لكنها عجزت حتى عن إزاحتها عن الأرض.
هتفت ساخطة: "من أي شيء صُنع هذا الشيء بحق الجحيم؟"
لمسها بيده.
قال: "تنگستن".
ثم استُوعبت بقية المعرفة في داخله وشعر بكيانه كله ينتفض، تزامناً مع وخزة باردة تخترق عقله.
صرخ: "آرغ!"
وسقط على ركبتيه، ممسكاً بجانب رأسه.
"أأنت بخير؟!"
قال لها: "لا تقراي تلك اللفافة. فهي ليست مصممة كي يفهمها البشر".
سألت: "ماذا تعني؟"
كشر آدم بينما كان مجرد استدعاء محتوياتها يجعل الوخزة في دماغه تؤلمه أكثر: "إنه نوع من... إنه طقس. طقس قوي. هذا ما كانت أليفيريا تحاول إنجازه".
"ماذا يفعل؟"
قال لاهثاً بينما اشتد الألم: "إنه يخلق مــــ..."
سحبت إميليا المسبحة من حزامها ولمست بها رأسه. سرت فيه مشاعر دافئة خففت الألم ووضحت ذهنه.
قال: "شكراً لك".
قالت: "لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة اضطريت فيها لاستخدام هذا".
نظر آدم إلى الأثر في يدها.
< < أثر > > < مسبحة (نادر) — تخزّن ومضة من طاقة مقدسة داخل هذا الأثر مع كل قتلة تحققها | عندما يلامس الأثر جسدك أو جسد شخص آخر، تفرّغ الطاقة المقدسة الكامنة، لتشفي نقطة واحدة من الصحة مقابل كل ومضة من الطاقة المقدسة >
قال آدام: "لا يبدو هذا عنصر شفاء فعّالاً للغاية".
فأجابت: "ليس كذلك. لكن له الكثير من الاستخدامات غير المدرجة، مثل القدرة على شفاء المشاعر وعلاج الصداع، حتى لو كنت بكامل صحتك. ويمكنه أيضاً إلحاق الضرر بالأموات الأحياء أو أي شيء يضعف أمام السحر المقدس. عادة ما أحيطه بقفازي عندما أحارب الزعماء الأخيرين في المرحلتين الثامنة والتاسعة، لأنه يعمل ضدهم جميعاً".
شفاء المشاعر؟ يبدو ذلك مريحاً، وإن كان مقلقاً. هل يمكنها مثلاً محو شعورها بالذنب؟ تذكّر آدام أن مورّيغان استخدَمت سلاح الكاهن أيضاً.
ثم سألت: "ما الذي كنت توشك قوله؟ ماذا كانت أليفيريا تحاول أن تصنع؟"
جزّ على أسنانه، مستعداً لوخزة ألم أخرى.
قال: "ملكاً"، لكن شوكة الثلج لم تأتِ قط.
أطلق آدام تنهيدة ارتياح.
"كانت تصنع كل أجزائه من قراصنة أسرتهم، وحيتان البزاق، وتنانين البزاق، وحتى من أشياء استدعتْها، مثل الشياطين. وكانت تنقلها إلى حجرة الطقوس".
تابعت إيميليا نظراته نحو المدخل المقنطر المؤدي إلى النَّفَق.
فسألت: "أتظن أنها فشلت؟ هذا المكان مهجور على أي حال".
قال آدام: "ربما استدعت شيئاً قتلها. لم أرَها تنتهي من الصنع في أي من الرؤى، لذا لا أظن أنها استطاعت ذلك. بعض متطلبات الطقوس كانت غامضة للغاية. مثل (أمل الخلاص المسحوق) و(جوهر براءة الطفولة)".
علّقت إيميليا: "هناك عدد غير قليلة من الطقوس المماثلة لاحقاً. يعشق الكثير من المطلقين هذا الهراء الغامض".
ابتسم آدام: "إذن، ألن نصنع لأنفسنا ملكاً؟"
فأجابت بضحكة خفيفة: "أنا بخير هكذا".
ثم قال آدام بحزم: "أظن وعلينا التعمق أكثر. رأيت شيئاً في إحدى الرؤى يبدو كسلح سحريّ".
سألت إيميليا: "أهو عصا سحرية؟"
أومأ آدام برأسه: "كيف عرفتِ؟"
"قال أرتورو إنه لم يستطع قط العثور على عصا أليفيريا".
علّق آدام: "أظنه لم يستغل حواجزه إلى أقصى حد إذن".
أخرج حواجزه أمامه وشطر اثنين إلى نصفين بحليّته. والحاجز الذي لم يشطره أبقاه الأقرب إليه، إذ سيكون ذلك (مركبة) هروبهم إذا ساءت الأمور. أما البقية فحركها أمامهما بينما كانا يشقّان طريقهما في النَّفَق. وكحال بقية المنشأة المخفية، نُحِت النَّفَق من الصخر الأساسي، وهو إنجاز يستحيل تكراره بأي أداة بالتأكيد. وكان من المشكوك فيه أن تستطيع حتى حواجزه فعل الكثير لكسر الصخر الداكن.
على الأقل لا داعي للقلق بشأن انهيار الأنفاق، فهي متينة للغاية. لم يكن التواجد تحت الأرض في مساحات ضيقة شيئاً يحبه آدام كثيراً، على الرغم من المرات العديدة التي أخضعته فيها المحاكمات لهذا السيناريو بالضبط، لذا سرَّ عندما انفتح النَّفَق على حجرة مقببة كبيرة. وفي الطرف الآخر كانت هناك فتحة نَفَق أخرى، لكن هذه كانت حجرة الطقوس بوضوح. كرر آدام الخطوة مع حواجزه، ماسحاً المكان بحثاً عن مفعّلات فخاخ مخفية، لكنه لم يجد شيئاً مرة أخرى.
كان يجب أن أستخدمها هكذا منذ البداية، مع أن مسح كل حجرة سيُبطئ التقدم كثيراً على الأرجح. ربما يمكنني ببساطة أن آمر الحواجز من خلال تفويض أليفيريا بالقيام بذلك تلقائياً عندما أُخطو إلى غرفة جديدة. عبرا الحجرة، فوجداها مقفرة تماماً. مرر آدام يده في مواضع مختلفة، لكن كل ما جناه كان ومضات قليلة من عمليات استدعاء سابقة، لم يؤدِّ أي منها إلى موته أليفيريا.
قال بعد أن رفع نظره إلى السقف المقبب: "أظن أن علينا المتابعة فحسب".
وُضعت جوهرة شمس كبيرة في القمة، لتضيء الحجرة بأسرها. عبرا النَّفَق التالي ووصلا إلى غرفة أصغر تشبه غرفة دراسة. كان هناك سرير وبعض المؤن القديمة. لكن الأكثر إثارة لاهتمام كان العصا المسندة إلى مرآة. مسح آدام الغرفة للتأكد فقط، ثم تقدما نحو العصا.
قالت إيميليا: "يا للتبغين اللعين".
< < تم الحصول على سلاح سري > > < فرشاة أليفيريا (أسطوري) — العصا السحرية التي استخدَمَتْها أليفيريا لطلاء بحر الذهب العائم >
سلاح اسطوري؟!
مررت إيميليا يدها فوقه وتساءلت بصوت مرتفع: "أآخذه؟"
كنت أفكر في الأمر نفسه... لكن ترابط ضرباتي الحالي ممتاز، وليست لدي أي فكرة عن كيفية عمل هذا الشيء. لكن ربما... لمس آدم العصا بيده المصنوعة من الأوبسيديان، محاولاً فهمها. تدفقت المعرفة عبر ذراعه وصولاً إلى عقله.
أدرك قائلاً: "إنه يستطيع صنع الأشياء بمجرد رسمها حرفياً، أشبه بطريقة عمل العصا، إلا أن المخلوقات تنبض بالحياة. لكنها لا تُحتسب كاستدعاءات، وهذا مؤسف".
قالت إيميليا: "الأسلحة الاسطورية قوية للغاية لدرجة أنها قد تستحق التخلي عن عتادك بأكمله فقط لاستخدام واحد منها. ذلك الذي في المرحلة الثامنة عشرة هو السبب الوحيد الذي جعلني أستطيع الذهاب إلى مدينة الغناء".
ذكرت ذلك المكان من قبل. يا ترى ما هي تلك المرحلة؟ ربما هي المكان الذي وجدت فيه عين آكلة نفسها؟
قال آدم: "إن لم تختاره، فسأفعله أنا. سأبدل عصاي به".
أومأت برأسها وقالت: "أظن أنها قد تكون فكرة جيدة. لا أريد العبث بالمسار الذي أسلكه بالفعل، لأني أعلم أنه ينجح".
كان آدم على وشك التقاطه عندما توقف في منتصف حركته. لقد استغرق لدرجة أنسته السبب الذي جعلهما يأتيان إلى هنا أصلاً. التفت حوله.
"أليفيليا ليست هنا".
حاجة إيميليا: "ربما غادرت".
ثم ترددت صدى ضربة مقرمشة عالية عبر النفق القادم من غرفة الطقوس. قطب آدم جبينه.
"تباً".
أخبرته إيميليا: "لا تمسك العصا بعد".
قال: "لقد وقعنا في فخ بالتأكيد..."
نخسته إيميليا في وجنته وقالت: "كف عن التشاؤم. لنذهب ونلقي نظرة".
غادرا غرفة الدراسة والسلاح الاسطوري ببطء بينما كانا يعيدان خطوتيهما نحو الغرفة ذات القبة. على عكس السابق، كان هناك الآن شيء ما على الأرض في المنتصف. كان جثة شخص له أربعة أذرع وذيلان وجناحان. إنها أليفيليا!
بدأت إيميليا تسأل قائلة: "كيف...؟"
بينما كانت تنظر إلى السقف، لكنها لم تكمل جملتها إذ اتخذت وضعية قتال بسرعة، متحركة أمام آدم. رأى ما رأته هي تماماً. هناك على السقف، فوق المكان الذي دخلا منه مباشرة تقريباً، تشبث شكل بشري. إلا أنه كان عملاقاً، وجسده مصنوعاً من الأوبسيديان تتخلله عروق ذهبية. كانت يداه تملكان سبعة أصابع، اثنان منها إبهامان، وجسده ضخماً كجسد غولم. وعلى عكس الرأس العادي، كانت له بداية رقبة تتحول بعد ذلك إلى حلقة عمودية.
قال آدم وهو يقطب جبينه، بينما كانت عينه المتجولة مثبتة عليه بقوة: "ما هذا الكيان؟"
هبط الكيان من السقف إلى الأرض، مستقراً على قدميه بارتطام قوي لدرجة جعلت آدم يتعثر. لم ترتجف إيميليا بأي شكل من الأشكال.
< < هدف مرحلة اختيارية سري < > < اقهرا تحفة أليفيليا الفنية >
جعل صوت الصخور المنهار آدم يدرك أن ظنه بأن النفق المؤدي إلى خارج الغرفة آمن كان حكماً خاطئاً. كانت إيميليا تتحرك بالفعل، وفكر آدم في استخدام فنون الموتى على جثة أليفيليا الميتة. لكنه تذكر كيف ساءت الأمور عندما حاول إحياء القبطان المجنون. أخرج عصاه بدلاً من ذلك وبدأ في استدعاء حاجز رابع. اجتاز خطوات الحصول على حاجز رباعي الاندماج بسرعة، ثم تشبّع بالمانا. كانت إيميليا قد نجحت بالفعل في احداث شقوق هائلة في السطح العاكس لتمثال الأوبسيديان.
تأرجح بعنف محاولاً الإيقاع بها، لكنها كانت أسرع منه بكثير.
صرخ آدم وهو يدور بحاجزه، بينما جعل الطنين القوي جسده يهتز من شدة القرب: "احذري!"
قفزت إيميليا فوق ذراع التمثال عندما تأرجح نحوها مرة أخرى، ثم تلت نقرة من عكازيها نقرة انفجارية مدوية وهي تركل من الجذع العلوي للزعيم وتطير عبر الهواء، محلقة فوق رأس آدم. فعلت جناح التنين وهبطت بسرعة خلف آدم. ثم أطلق مقذوفه. في المساحة الضيقة للغرفة ذات القبة، كان صوت الارتطام يشبه ضربة برق تصقع بجانبهما مباشرة، مما عطل حاسة السمع لديهما واستبدلها بأنين عالٍ. ملأ الغبار المتطاير من زجاج الأوبسيديان المحطم مؤخرة الغرفة حيث كان التمثال، حاجبًا إياه عن الأنظار.
لمست إيميليا مسبحتها برأس آدم بعد أن فعلت ذلك بنفسها، فعاد إليه سمعه.
قال: "تلك أثرية مفيدة".
ثم انطلق شيء من سحابة الغبار، وهو شكل مظلم يتلوى عبر الهواء بسرعة جعلت آدم بالكاد يملك وقتاً لرد الفعل، ولم ينجح سوى في استدعاء حواجزه للدفاع عن نفسه. اخترق الشكل الثلاثة جميعها دفعة واحدة. سعل آدم، متذوقاً طعم الحديد على لسانه. اختفى الهواء من رئتيه، وعجز عن استنشاق هواء لملئهما مجدداً. من خلفه، صرخت إيميليا. ضاق مجال رؤيته حتى أصبح أسود تماماً.
لهاث آدم، مستيقظاً على شيء ناعم. لا! صرخ داخلياً، لكنه أدرك بعد ذلك أن ما تحته لم يكن عشباً، بل غطاء السرير في غرفة دراسة أليفيليا. أنا حي! لقد أنقذتني خدعة الموت! جلست إيميليا على الحافة بجانبه. ابتسمت بضعف عندما استوى جالساً.
سأل: "ما الذي حدث؟"
"اجعل مكعبك يعيد عرض أحدث إعلان".
مرر آدم الأمر إلى العين العائمة بجانبه.
< < هدف مرحلة اختيارية سري < > < انجُ من المواجهة مع نسل الفراغ >
سأل وهو يقطب جبينه: "أكان للزعيم مرحلة ثانية؟"
أخبرته إيميليا: "الأمر ليس بهذه البساطة".
سأل: "ماذا تعنين؟"
قالت: "انتهت جلتنا يا آدم".
استقر مظهر هزيمة ساحقة على وجهها.
"سنموت هنا".
أرجح آدم ساقيه إلى جانب السرير ونهض. توجه نحو المرآة والتقط العصا الاسطورية. اختفت عصاه أثناء استبدالها، متحولة إلى غبار وتلاشية، إلى جانب جميع ترقياتها.
قال: "سنخرج من هنا. أعطني كنز فالو".
< < الغمد الثاني مُفعَّل > > < هل ترغب في التبديل إلى نوع سلاح ساحر الرسم؟ >
قال لمكعبه: "أرني خصائصه مقارنة بالأساسية الخاصة بالحارس".
< راسم السحر مقارنة بالحارس > < المستوى صفر > < الخصائص > < الصحة — خمسون > < التحمل — خمسون (-خمسة وعشرون) > < المانا — مائة (-مائة) > < الضرر — مائة بالمائة (+خمسون بالمائة) > < الدفاع — صفر بالمائة (-مائة بالمائة) > < السرعة — مائة وخمسون بالمائة (+خمسة وسبعون بالمائة) > < الحظ — عشرة (+خمسة) >
المزيد من الحظ والضرر والسرعة، لكنه أسوأ بكثير في كل ما عداها.
قال: "سأحتفظ بما لدي".
[مفهوم.]
قال لإيمليا: "حسناً، أنا جاهز. اعطني الأثر. سأضعه على العصا لتطلق سحرها الفريد وتدعمنا. سأكون أقل قوة بقليل من دون ترقيات عصاي السحرية، لكن لا بأس بذلك".
قالت له: "آدم، اجلس".
بقي واقفاً.
قالت: "لقد أفسدت الأمور".
"إن كان الأمر يخص رويمين والآخرين، فليس هذا وقت القلق بشأن ذلك. الزعيم محبوس في غرفة الطقوس، أليس كذلك؟ أظن أننا لن نخرج من هنا من دون المرور عبرها".
قالت: "ليس الأمر هكذا. ما أعنيه هو: لقد متُّ مرة من قبل".
أمش جفنيه مندهشاً.
"كيف؟ متى؟"
"في المرحلة الرابعة. حولت الشجرة العظيمة إلى صانعة تعفن، ظناً مني أنها الحيلة للوصول إلى السر الأخير، لكنها كانت أقوى بكثير مما توقعت. دفعتني نحو مبنى، فقتلتني وفعّلت ختم خداع الموت الخاص بي. رأيته بالأمس. لا بد أنك لاحظت أن ختمي يختلف عن ختمك".
كان آدم قد رأى الوشم في منتصف جسدها وتساءل عن سبب عدم تحركه مثل وشمه، لكنه كان وقتها شديد التركيز على ما كانا يفعلاه لدرجة منعته من التساؤل بعمق. رفع سترته والقمصان تحته، ليجد أن وشمه توقف عن الدوران أيضاً.
سأل: "ولكن، ماذا في ذلك؟"
"تحتاج إلى القدرة على خداع الموت لكي تحصل على العين الآكلة لنفسها. بعد أن متُّ، أقلعت عن محاولة الوصول إليها بنفسي. كنت أفكر في البحث عن شخص آخر ليقوم بذلك. ثم خضنا هذه المرحلة معاً وظننت أن بإمكانك تولّي الأمر".
"لكنني مت للتو إذن".
"ونحن محبوسان، لذا لم يعد للنقاش معنى".
قال: "إذن سأحفر طريقنا للخروج من هنا".
"حتى لو استطعت كسر الصخر، فنحن تحت كيلومترات منه. لن تنجو قبل أن تنتهي المرحلة".
صاح: "إذن ساعدني! توقفي عن الجلوس هكذا كمن استسلم للهزيمة!"
قالت إيمليا بحزم لتوقفه قبل أن يبدأ حقاً: "إنه كائن من الفراغ. وليس كائناً صغيراً. من المفترض ألا يظهروا قبل المرحلة الخامسة عشرة. يتطلب الأمر مجموعة من اللاعبين الكفؤين للغاية لقتل واحد منها، أو مادة استهلاكية سماوية لا نملكها. حتى أقوى اللاعبين يتجنبونها إن استطاعوا. الشخص الوحيد الذي رأيته يقضي على واحد بمفرده كان أرتورو، وذلك فقط لأنه أتقن سلاحه واستطيع توجيه ضرر كافٍ لقتله قبل أن يلاحظه".
سأل عاقداً حاجبيه متأثراً بالوصف: "ما الذي يجعلها بهذه الصعوبة؟"
"تتأقلم مع كل ما تلقيه عليها. أنت وأنا لا نملك سوى حفنة من الحركات أساساً، وسيكون قد حفظها كلها قبل أن نتمكن من إلحاق الضرر الكافٍ لقتله".
"لن تعرفي ذلك حتى نجرب".
"الطريقة الوحيدة لنخرج من هنا هي الجري متجاوزين إياه. لسبب ما، لا يمكنه مغادرة غرفة الطقوس".
سأل محبطاً: "إذن لماذا لا نفعل؟"
قالت: "لا تقتصر المسألة على صخور تسد النفق. لقد اصطدمت قشرة التمثال التي كان يرتديها بالفتحة، لتسدها هي الأخرى أيضاً. سيستغرق إبعادها عن طريقنا والسماح لنا بالمغادرة وقتاً طويلاً. وقتاً لن يمنحنا إياه كائن الفراغ".
لقد فعلت ذلك... لقد دفعته إلى داخل النفق بهجومي... عقد آدم حاجبيه.
"إذن، ماذا سنفعل؟ لا يمكننا الجلوس هنا وانتظار انتهاء وقت المرحلة ليقضي علينا".
قالت إيمليا: "ستلصق مؤخرتك بهذا السرير بجانبي. وبعدها سأخبرك بكل ما أعرفه عن محاكمات التحدي".
"أمتأكدة أننا سنموت إن واجهناه؟"
أجابت: "لقد رأيت هذه المخلوقات تقتل عدداً كبيراً من اللاعبين الأكثر استعداداً مني ومنك. لا أعتقد أن فرصنا كبيرة".
كان يجب أن أحتفظ بالعصا وأستخدم فن تحضير الأرواح لأجعل جثة أليفيريا إلهاءً... لكنني أظن أن عصا الفرشاة قادرة على خلق إلهاءات أيضاً.
سأل محبطاً: "إذن، ترغبين في إخبار بكل ما تعرفينه، لأكون مستعداً لدورتي القادمة؟"
"نعم. أريدك أن تجدني مرة أخرى وتذكرني بكل مشاعري نحوك الآن، وذلك بمنحي ميزان الذكرى".
عقد آدم حاجبيه.
"لن تعود".
"أعلم. وآدم الخاص بي لم يعد هو الآخر. لكني ما زلت أحب هذه النسخة منك، حتى وإن لم تكن مطابقة تماماً".
"قد لا ينجح الأمر حتى".
قالت: "سينجح. أنا أؤمن بذلك".
"هذا هراء".
قالت بابتسامة حزينة: "حسناً. إذن أمامك خيار لتتخذه. يمكنك الاستماع إلى ما أود قوله، أو يمكنك الركض إلى هناك والموت".
صك آدم على أسنانه إحباطاً، لكنه جلس في النهاية على السرير بجوارها. ثم شرعت إيمليا في الكلام. تحدثت لساعات، مستعرضة الأمور بأكبر قدر ممكن من التفصيل، لكنها ظلت تفتقر إلى أوصاف لكثير من الأشياء، مما أجبر آدم على مقاطعتها ليطلب منها التوضيح أكثر من مرة. في النهاية، حين كانا غارقين لا محالة في اليوم الثالث والأخير، من دون أن يناما أو ينالا قسطاً يذكر من الراحة، وصلت إيمليا إلى الجزء المتعلق بالعين الآكلة لنفسها.
شرحت بدقة الخطوات اللازمة للحصول عليها. وكانت الخطوة الأهم هي شرط خداع الموت، إذ كان من الممكن حرمان المرء نفسه منها. ففي جولتها الأولى، حين كان أرتورو هو من يتلاعب بالزمن، أهداها أثراً ترتبط به هذه القدرة، واستخدمته للوصول إلى القوة السماوية التي مكنتها من العودة إلى البداية، حاملة معها معرفتها. واستعرضت أيضاً البناءات التي رأت أنها تستحق السعي خلفها، ووصفت إعداداتها الخاصة بتفصيل دقيق.
كانت هناك أمور كثيرة يجب تذكرها، لكن آدم لم يشكك في قدرته على استيعابها كلها. لقد جعلته خطورة الموقف، وعبء المسؤولية والمعرفة التي نقلتها إيمليا إليه، أشياء أهم من أن تُنسى. نهضت إيمليا وآدم عن السرير، وعانقت إيمليا آدم بشدة.
قالت: "هذا ليس وداعاً".
قال لها بإصرار وهو يطبع قفلة على شفتيها: "سننجو من هذا".
ابتعدت إيمليا بسرعة، من دون أن تعقب بشيء. على الرغم من موقفها المستسلم، لم تمشِ عبر النفق المؤدي إلى غرفة الطقوس يبدو عليها الاستعداد للموت. بل تقدمت بخطى جلاد قديم، رغم إيمانها بأن الموت المحتوم ينتظرها في الحلبة. كان آدم قد أعد حاجزاً مزدوج الممانعة وحشاه بالمانا، متأملًا قبل رحيله ليضمن دخوله المواجهة بطاقة كاملة. كما كان يحمل في يده تميمة الكسل، وقد اختبر قدرة الاندفاع لسترة متزحلق السحب، واثقاً من قدرته على استخدامها لتفادي الهجمات.
انطلقت إيمليا من فم النفق، وبدا صوت نقر دعاماتها النابضة كطرق مطرقة مسطلاق يُطلق. ضربت قبضتها المدرعة الزعيم وأرسلته محلقاً نحو الجدار الخلفي، لكنها شرعت فوراً في التراجع بينما انطلقت مجسات سوداء كونية كضربات برق يستحيل على آدم التنبؤ بها. جعلت إيمليا الأمر يبدو وكأنها تملك القدرة على رؤية المستقبل وهي تقفز وتتراوغ لتفادي الهجمات. لكنها أخطأت فجأة، أو بالأحرى، حفظ كائن الفراغ نمطها وغير هجومه ليوقع بها.
صُفعت لتصطدم بالأرض، لكنها دفعت نفسها بسرعة إلى الخلف مبتعدة بينما ضرب مجسان المكان الذي كانت فيه، محدثين حفرتين كبيرتين في الأرض. أطلق آدم مقذوف حاجزه نحو المسخ بينما كان يتقدم دافعاً نفسه للأمام، كاشفاً عن جسد لا يعدو كونه عقدة من مجسات سوداء كونية شبيهة بالشعر. تشبه حزمة من الأفاعي انتُزعت من سيلة الليل. أحدث دوي الارتطام طنيناً في أذنيه، لكنه لم يكن بقوة الهجمات السابقة، واستعاد كائن الفراغ وعيه في جزء من الثانية تقريباً، مما أجبره على إعادة استدعاء حاجزيه والأمر بهما لاعتراض الهجمات التي أرسلها فجأة في طريقه.
اندفع مرتين ليبتعد عنه مسافة كافية، ثم فعل تميمة الكسل، فأخرج دراويش الكسل الذين طاروا فوراً نحو الزعيم. قتل كائن الفراغ أحد الدراويش بمجرد اقترابه، رغم أن حماسة الوقفة الأخيرة أبقته واقفاً. خلفه، قرب فم النفق، طفت عصا الفرشاة الذهبية. وأنهت أخيراً التعويذة التي كانت تعدها، فاندفع نحو الزعيم دُب مرسوم بألوان أطفال زاهية وله إرادة خاصة به. كان كنز فالو أبطأ بكثير في استخدام الأسلحة مقارنة بحملها من قِبل اللاعبين، لكن القدرة على إنجاز مهام متعددة كانت بالغة الكفاءة، ناهيك عن حقيقة أنها لم تتطلب أية مانا منه لإلقاء التعاويذ.
استخدم آدم حاجزاً ليدفع نفسه محلقاً نحو النفق المسدود نحو الحرية. وانطلقت إيمليا في الهواء بدعاماتها لتهبط بجانبه بعد لحظة. وبذلا معاً كل طاقتهما لتحريك تمثال الأبسيديان الأجوف، دافعين بحاجزيهما بأقصى قوة ممكنة. راقبا معاً كائن الفراغ، الذي سرعان ما قتل الدُب المرسوم وأطاح بالاستدعاءات الأخرى التي كانت تزعجه. ثم أضاء أحد مجسّاته باللون ذاته لتأثير الح Fervour، قبل أن يطعن مباشرة في أحد الدراويش، معطلاً تأثيره المدلل للحياة ومجعلاً إياه يختفي.
وضربة أخرى فاختفى الدرويش الآخر أيضاً. خلقت الفرشاة أرنبين صغيرين قفزا نحو الزعيم، لكنهما قُتلا فوراً بدورهما. لاحظ كائن الفراغ العصا في فم النفق، وبلمحة خاطفة مرعبة من الأطراف، عبر الغرفة نحوها وكسر السلاح نصفين. ظهرت الفرشاة مجدداً على ظهر آدم بينما سقطت كتلة كنز فالو الذهبية على الأرض. تباً! تمكنا من تحريك التمثال بما يكفي للمرور، لكن الصخور المنهارة خلفه كانت كثيرة، وإزاحتها ستكون أصعب بكثير.
أُجبر آدم على الاندفاع مرتين ليقذف بنفسه إلى الجانب الآخر من الغرفة، بينما بذلت إيمليا قصارى جهدها لتتفادى الإصابة، مستخدمة اللكمات والركلات لصد المجسات. لكن كائن الفراغ تأقلم مع ذلك أيضاً، وبعنفة مفاجئة واحدة، غرس مجساً طوال رأسها ونزولاً عبر جسدها، ثم سحبه ليقطر دمها في كل مكان على الأرض. انهارت إيمليا في مكانها، وتجمع بركة من الدم القاني حولها بسرعة.
صرخ آدم: "لااا!!"
مطلقاً حواجزه نحو المسخ، ومشكلاً أحدها في هيئة رمح والآخر في هيئة يد مخلبية. قذف كائن الفراغ بمجس نابض بلون منتصف الليل الأزرق ذاته لحواجزه. ثم تبخرت تعويذاته ببساطة. أعاد آدم استدعاء الحواجز وأمرها بصد الهجمات القادمة، لكن عقدة السواد الكوني أرسلت أطرافها مباشرة عبر التعويذات. لم يكن أمام خيار سوى الاندفاع لتفاديها، لكنه عندما هم بالاندفاع للمرة الثانية لكسب المزيد من المسافة، تعثر في قدميه وشعر بأن الهواء يحترق في رئتيه.
لقد استنفد كل طاقته بتحميل قدرة سترته بلا هوادة. انطلق مجس مباشرة نحو رأسه. قبل أن يغرق كل شيء في الظلام، راوده خاطر مزعج. كائن الفراغ لا يصدر أي صوت عندما يتحرك. ثم شعر بالظلام يتسلل إلى رأسه.
لاهَ آدمَ، واجِدًا عُشْبًا أَخْضَرَ وَناعِمًا تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ. بِعَكْسِ العَوْداتِ الثَّلاثِ السَّابِقَةِ، لَمْ يَتَقَيَّأْ بِعُنْفٍ عَلى الأَرْضِ هذه المَرَّةَ. بَلْ انْحَدَرَتْ دُموعٌ حارِقَةٌ وَلاذِعَةٌ عَلى وَجْهِهِ. صَرَخَ آدَمُ.