الفصل 49: فرسان إيريلون البيض أغنية ليران "وصلتِ". ضحك غرايمان وهو يستقبل ليران عند مخرج الكهف. "غرايمان. هل كان لقاؤنا مقرراً؟" حكت ليران رأسها. "لا، أنا هنا لأقبض أجري وأرافقك". وجّه غرايمان صوته الروحي نحو مخرج الكهف. "أليس كذلك يا دآر؟ لقد حصلت ليران على المطرقة. حان وقت دفع الرهان الذي خسرته". كان التنين يهندم جناحيه حين اخترق صوت غرايمان الروحي أذنه. "ذلك الساحر الماكر". تقزّز وألقى تعويذة لينتقل آنياً إلى مخرج الكهف. ببهائه التنيني، وقف أمام الساحر والبشر على الرمال. وتحت ضوء النهار القوي، راحت حراشف الوحش العنبرية البنية تلمع كالذهب الداكن، ممّا جعل منظرَه مهيباً. ابتسم غرايمان بخبث للوحش الذي يبلغ طوله عشرة أقدام. "واو". لاهثاً، ذهل رات. نفخ دآر بصوت عالٍ. "حسناً. الرهان رهان". رفرف بجناحيه ليبث سحراً فضياً حول جسده، متحولاً إلى ذكر بشري حكيم ومسنّ يرتدي رداء سحر فضياً وأصفر. وتطاير شعره الذهبي المنسدل على ظهرة حين خطا أمام ليران وأخرج ناياً من عظمة بيضاء ملساء ولامعة. "إن خذلك العود، فاعزفي بهذا لتواصلي أغنيتك". مدّ دراكو الناي إليها. "يا للهول، لم أملُك شيئاً بهذه..." غرقت عيناها بالدموع، "الفخامة قط". عبس دآر بحيرة. الناي الذي أمضى عمراً كاملاً يصنعه من حراشفه المتساقطة وُصِف بأنه مجرد فاخر؟! فتح فمه ليتذمر لكنه توقف، شاعرًا بالحرج حين اصطدمت به عناقاً مفعماً بالامتنان. انفجر غرايمان ضاحكاً. "خمسة آلاف سنة في هذه القارة وما زال هناك ما يشعرك بالحرج". تنهف دآر، شاعرًا بالإرهاق كأنه كان يجلس لمجرد مجالسة الأطفال المشاغبين. حتى إن لديه غرفة ألغاز أبقتهم مستمتعين لوقٍت ما. "على أي حال، بما أنك خارج ولا عمل أفضل لديك، أقلنا"، سأل غرايمان عرضاً. "أ... أقلكم؟" ارتعش حاجبا دآر. وانقضّ على الساحر، نافثاً مشاعره بأن طلب الرجل ووقح. "أنا لست خدمة عربات!" راقب الجميع القدامى وهم يتبادلون المزاح: مترددين في ردود الفعل التي يجب أن يبدوها. هادأت تعابير غرايمان. "يا دآر، علينا بلوغ إيريلون على عجالة. يعرف أولئك الراتيس الطريق لكنها تبعد فراسخ من هنا. نحن محكومون بوقت محدد". أمعن دآر التفكير ثم أومأ. تحول مجدداً إلى هيئته التنينية وانخفض لكي يصعدوا. "مقبول لقاء ثمانين سيادة. هذه المرة فحسب وأسرعوا قبل أن أغير رأيي". "أتتقاضى منا أجراً؟" زلت لسان رات. "أقدم خدمة من طيبة قلبي السماوي. يجب أن تشعروا بالامتنان أيها الفتات". حدق دآر مطولاً في الفأر الصغير، الذي انكمش متقدمأ باعتذاراته المتواضعة. "أهذا يفي بالغرض؟" أخرجت ليران كيسًا غليظًا ورأت عيني التنين تشتهيان ذهبه. "أغبياء. إنه لا يعني ذلك، أصحصيح؟" أبعد غرايمان الكيس عن مجال رؤية التنين. نقر خطم دآر بعصاه. "خذنا أو لا تفعل. لكن إن بُعث الكيميائي، فالهلاك مصيرنا جميعاً ولن تعود للسيادات قيمة". "لا داعي للجدية. كنت أمزح فحسب". نفخ دآر نافضاً الأمر بلا مبالاة. "لم يبدُ ذلك مزحة بالنسبة لي"، تذمر رات. "فقط اصعدوا". صعد الجميع على متن ظهره. انطبعت على وجه ليران ابتسامة عريضة، مستمتعة بالرياح وهي تداعب وجنتيها أثناء تحليقهما في السماوات. "هذا مذهل!" رفعت ذراعيها لاستشعار الهواء بينما مدت ساقيها على ظهره. جعلها رؤية فراسخ من الأرض تتسابق وتمر بسرعة فائقة تتلهف لتدوين الملاحظات. "امم، آنسة ليران، قد ترغبين في الإمساك بحرشفة عوضاً عن السقوط". تعرق إيدن، وهو يتشبث بقوة بواحدة، والتي كانت -لحسن الحظ- صلبة كالعظمة. نظر إلى الأسفل بشجاعة ثم أغلق عينيه، شاعرًا بمعدته تتقلب بغثيان ومصلياً كي تنتهي الرحلة قريباً. "أحدهم يخاف المرتفعات". ضحكت بوسنيا وهي تقف بجرأة على ظهر دآر بذراعيها المعقوفتين. "أنا لا أخاف، بل لست معتاداً على الأمر فحسب". تجشّم إيدن نظرة أخرى إلى الأسفل وابتلع ريقه قبل أن يحافظ على تركيزه وجسده ملتصقين بالحراشف التي تمسك بها بقوة. "أيتها الكيجين الغبية. ستسقين!" ذكّرها رات. هزّ رأسه حين أخذ دآر منعطفاً جعل بوسنيا تترنح بخطورة. انهارت على الحراشف وتمسكت بها. قهقه كلوفر وربت على ظهرها. هزّ الراتيس رأسيهما، لكنهما استمتعا بالرحلة في صمت. ضحك العفريت المزعج، شاعرًا بالتبريك لخوضه هذه التجربة. ابتسم غرايمان عندما بدأت ليران تؤدي تلويحة مضحكة بذراعيها، مما أثار المزيد من أنات دوار الحركة لدى إيدن. ما زالت الفتاة طفلة في الداخل. كان الطيران سريعاً لدرجة أن النهار تحول بسرعة إلى ليل. وتوهج برج إيريلون الأبيض كمنارة من الضوء السحري، داخل وديان الصحراء جنوب دآر'موث بعيداً. عبست ليران عندما تعرفت على القصر المرتفع المنحوت في جدار صخر الوادي. إنه ذاك القصر الذي رأته في رؤياها. "هيف، امم، سيدي دآر. أهذا هو نفسه الذي أريتني إياه؟" "أريتك إياه، نعم. هذا هو برج إيريلون الأبيض، الذي يستخدمه من يسمونهم البشر بالجيش الملكي الألفاريني". تسارع قلب ليران عند ذكر ارتباطات زوجها القديمة. "الجيش الملكي". أومأ غرايمان. "يستخدم المتدربون البرج للتدريب قبل إرسالهم إلى مواقعهم". "إذن، تواجد زاندر هنا يوماً؟" شعرت بدفء المطرقة المهدئ القادم من جيبها المكاني. "نعم. اتخذ الجيش من البرج قاعدة لهم ليكون تذكرة بتكلفة الإهمال". تنهدت. دار دآر حول المنطقة وحط تدريجياً على مساحة فارقة أمام الدرج الأمامي، المؤدي إلى وديان البرج. وأنزل الجميع. "سأترككم هنا". واجه ليران التي كانت تمدد أطرافها أمامه. "شكراً لك، أيها التنين الكبير". انحنت بلطف ورمشته بابتسامة دافئة. تنهد دآر. "أيها الألفار، أياً كانت الأشباح التي تجدونها هنا، اتركوها وشأنها. يجب ألا ينهض الأموات مجدداً". قبل أن تتمكن من الرد، رفرف بجناحيه ليثير الرمل والرياح حولهم. وارتفع وانطلق بسرعة عبر السماوات. "لنذهب". ربت غرايمان على كتفها. عدل عصاه الخشبية في يده وتقدم ليعتلي الدرج. كانت تنتظر على البسط العلوي فرقة من فرسان إيريلون الألفار يرتدون دروع روغ معدنية ثقيلة أو جلدية باللون الأبيض بالكامل. وبدا شعار الألفار الملكي المتمثل في السرخس الفضي بارزاً على دروع صدورهم. وعلى رأسهم وفي المنتصف كان قائد مخضرم. هذا الرجل الممتلئ ومتوسط العمر ذو البشرة الأدكن، وقف شامخاً في درع معدني أبيض ثقيل مع سيف ضخم معلق على ظهره. تحدقت عيناه الرماديتان إليهم بحزم. وحركت رياح الصحراء شعره البني القصير والخفيف. حدقت ليران في دروع الصدور: ذكريات زاندر بدرعه الثقيل تطفو لتداعب عقلها. "فرسان إيريلون البيض"، قال غرايمان. تقدم إلى الأمام وانحنى لقائد الألفار-أهي. "لي ماه ملازم أول مارك. نعتذر عن الهبوط دون سابق إنذار". أعادت التحية تركيز ليران إلى الحاضر. "لي ماه تراي غرايمان. يا لها من مفاجأة سارة لرؤيتك هنا". أومأ مارك. بقيتا عيناه معلقتين بليران، ثم التفت إلى رجاله وأعطاهم إشارة للاصراف. وبينما استدار الجنود في طريقهم للعودة إلى الحصن، توقف أحدهم ليحدق في ليران. "هل هي زان..." بدأ يسأل رفيق فريقه وتلقى توبيخاً صارماً ليُبقِي فمه مغلقاً. هز مارك رأسه وانتظر حتى غادر رجاله، قبل أن ينزل ليكون في مستواهم. وراقب بعناية تشكيلة الكائنات المتنوعة الواقفة أمامه. "مجموعة غريبة". أومأ غرايمان. "الأمر كذلك، لكني أضمن أن كل فرد هنا يملك قلباً جسوراً وساعداً ماهراً". "لا أشك في ذلك". ضاقت عيناك مارك عندما نظر إلى إيدن. "أنت، أيها الفتى، تحمل وجه الملك الأعلى". أومأ إيدن وقدم نفسه رسمياً بلا أي بهرجة: مجرد ذكر حقائق. "أمير بالاسم". فرك مارك ذقنه وهو يتأمل هوية الرجل. "ما مدى قربك من الأمير الأعلى الحالي؟" "دارين-تا؟ إنه أخي بالرابطة. لقد نشأنا معاً". أومأ مارك واقترب ليواجه إيدن. وربت على كتفه. "يسعني سماع ذلك". "أتعرف أخي؟" لم يخُن إيدن تفاجؤه. صرف مارك السؤال بالواجب. "اتبعني. سأحرص على حصولك على طعام وسرير تنام فيه". ووجه ملاحظاته التالية إلى إيدن. "لكن لا تنتظر راحة ملكية. نحن جيش لسنا نزلاً". تبع الجميع خطاه داخل المبنى. وعلى بعد أمتار قليلة واجهوا رئيس مارك. "نامتيلا"، قال رجل مسن من نهاية الممر الرخامي الرمادي المصقول الذي كانوا يمشون عبره. "لي ماه اللواء شاتولا". انحنى مارك برأسه لرئيسه، وتنهد عندما مر الرجل به ليقف أمام ليران. "لي ماه فو'جيلا-تا". انحنت برأسها احتراماً. "فو'جيلا. حماكِ؟" تنهد إيدن، غير القادر على كبح تفوهه ومفاجأته. عبست ليران وهزت رأسها. اعتذر. وقف الرجل المسن منتصب القامة ويداه متشابكتان خلف ظهره. وعلى عكس مقاتليه، كان يرتدي رداء سحر بحرياً من القطن الكثيف مقلماً بفضة منقوشة. وخيط الشعار الملكي على يمين صدره، ونقش على كتفيه الفضيتين، مما جعل جسده النحيل يبدو أعرض. وقد قُصّ شعره الرمادي الفضي بقصر ومُسد للخلف بحيث ظهرت أذناه المدببتان بوضوح. شعر إيدن أن الرجل كان ليبدو وسيماً في شبابه، إذ ما زال يحتفظ بقوام متماسك لخط فكه على شكل قلب. ومثل أغلب الألفار، فحتى في الشيخوخة الذابلة تحتفظ بشرتهم بنعومة. ألقى ليام شاتولا نظرة حول المجموعة وأومأ لغرايمان. "لي ماه غرايمان. من الجيد رؤيتك مجدداً. رغم أنك تصل بصحبة شيقة". أومأ غرايمان. "بالتأكيد. من الأفضل أن نتحدث على انفراد. هناك الكثير مما تحتاج لمعرفته". أمر ليام مارك بإعداد غرفة جانبية داخل قاعة عرشهم الصغيرة. "سيدي!" مدّ مارك ساعده الأيمن نحو صدره: غطت راحة يده منطقة قلبه. ولمست يده اليسرى جبهته المنحنية ثم استقرت فوق يده اليمنى. كانت هذه التحية الملكية. ثم مضى في طريقه عبر الممر لينفذ أمره. حدق ليام في ليران والكلمات تتشكل على شفتيه، لكنه كبحها وعوضاً عن ذلك أشار للجميع باتباعه. المؤلف: peanutspersonally القراء الذين استمتعوا بهذا قرأوا أيضاً: الجميع يتذكر البطل سواي دليل الفينيكس تاج الأكاذيب والسكاكين
أغنية ليران الفصل 49 — فرسان إيريلون البيض
اقرأ أغنية ليران الفصل 49 — فرسان إيريلون البيض باللغة العربية على مانجا تايم.