الفصل 7
أعلمَتني بتمديد فترة إقامتها في المشفى بلامبالاة غير متوقعة. ورغم قلقي، بدا أن المريضة نفسها قد توقعَت هذا القدر، لذا شعرتُ ببعض الارتياح. لن أعترف بذلك إلا في قرارة نفسي، لكن القلق استبد بي كثيرًا.
في ظهر يوم الثلاثاء بعد الدروس الإضافية، ذهبتُ لزيارتها. أوشكَت الدروس الإضافية على الانتهاء أيضًا.
"لم يتبقَّ من العطلة الصيفية سوى أكثر من النصف بقليل ها!"
قالت ذلك فقط بنبرة يمكن اعتبارها رثائية. كما لو أنها تحاول إيصال أن ذلك وحده يبعث على الأسف.
في الخارج، أشرقَت الشمس. بدا جناح المشفى المكيف كملجأ يحمينا من أشعة الشمس، لكنه جعلني أشعر بعدم الارتياح لسببٍ ما.
"هل كيوكو بخير؟"
"آه، أجل. يراودني شعور بأن نظراتها الغاضبة أصبحَت بطريقةٍ ما أكثر حدة من الأسبوع الماضي، لكن ربما عمل إقناعك كمهدئ، لذا لم تنقض عليّ بعد."
"توقف عن التحدث عن أعز صديقاتي وكأنها وحشٌ ما."
"لابد أنكِ لم تتعرضي لنظراتها الغاضبة بتلك العيون بعد. إذن هي تتظاهر بأنها قطة، ها. وحش سنوري إذن – ربما أسد."
لم أتحدث معها عن حادثة الأسبوع الماضي في المكتبة.
سكبتُ الخوخ المعلَّب الذي اشتريتُه كهدية في طبق، وبدأتُ في تناوله معها. بطريقة أو بأخرى، أعادت حلاوة الشراب ذكريات من أيام دراستي الابتدائية.
أثناء قضم الخوخ الأصفر بشكل غير طبيعي، حدقَّت نحو الخارج.
"لماذا أتيتَ إلى المشفى في يوم ذي طقس جميل كهذا؟ يجب أن تلعب كرة المراوغة أو شيئًا من هذا القبيل في الخارج."
"أولًا، أنتِ من استدعيتِني إلى هنا. ثانيًا، لم ألعب شيئًا مثل كرة المراوغة منذ المدرسة الابتدائية. وثالثًا، ليس لدي أي شخص لألعبها معه. مع أخذ النقاط الثلاث المذكورة آنفًا في الاعتبار، يُرجى اختيار ما تفضلين أن أفعله."
"كلاهما."
"جشعة ها – إذن، سأسمح لك بتناول حبة الخوخ الأخيرة."
بابتسامة طفولية، غرزَت شوكتها في حبة الخوخ وحشَتها بالكامل في فمها. حملتُ الطبق والعلبة إلى الحوض في زاوية الجناح. يبدو أنه يوجد نظام حيث تقوم الممرضات بالتنظيف إذا تركتُ الأشياء هنا. حتى أنهن سيحضرن الطعام أيضًا – لولا المرض الذي بداخلها، لعُدَّت هذه الغرفة جناحًا لكبار الشخصيات.
كجزء من باقة غرفة كبار الشخصيات، جاء تدريسي لها دون تكلفة إضافية. اليوم أيضًا، ورغم استيائها من الأمر، دونَت الملاحظات بجدية. سألتُها مرة من قبل عن ضرورة دراستها. بما أنها لن تخضع لامتحانات أو أي شيء من هذا القبيل. أجابَت بأنه إذا تدهورَت درجاتها، سيدفع ذلك من حولها للاعتقاد بوجود خطبٍ ما. فهمتُ الأمر، وأدركتُ سبب عدم شعوري يومًا بحاجة خاصة للدراسة بغض النظر عن الموقف.
اليوم، تأجَّل عرضها السحري. قالت إنه من غير الممكن الاستمرار في إعداد عروض جديدة بعد كل شيء. وبأنها تجهز ورقتها الرابحة، لذا يجب أن أتطلع لذلك، وهكذا-
"سأنتظر وعنقي ممدود."
"كيف ستقوم بمد عنقك؟ هل تقصد أن تجعل شخصًا ما يسحب رأسك؟"
"إذن أصبحتِ غبية لدرجة أنكِ لا تستطيعين حتى فهم تعبير مجازي؟ الآن لديك فيروس في رأسكِ أيضًا ها، كم هذا مروع."
"من ينعتُ شخصًا آخر بالغباء هو الغبي!"
"إذن أخطأتِ ها – أرجعتِ الأمر لإصابتكِ بمرض، لكنه ليس مرضًا."
"لا يوجد خطأ، مت وحسب! بما أنني سأموت أيضًا."
"هل يمكنكِ رجاءً ألا تستغلي الارتباك لإلقاء لعنة علي؟"
جرت نفس المحادثة المرحة كالمعتاد. أسعدني التمكن من خوض محادثات بلا معنى كهذه. لأن الإحساس بمثل هذا الجو الذي يسمح بالسخرية من بعضنا البعض أضحى دليلًا على حياة يومية لن تتغير.
كما هو متوقع، أنا – الذي ارتاحت نفسه بشيء يخلو من المعنى – أفتقر على الأرجح إلى ذلك الشيء المعروف بالتجربة الإنسانية.
بدأَت في كتابة شيءٍ ما في "مذكرات التعايش مع المرض"، ولذا، لسبب أو لآخر، حولتُ نظري إلى زاوية من الجناح. تساءلتُ عمّا إذا تغير لونه بسبب التصاق وتراكم أمراض المرضى السابقين.
"هل لدى ؟؟؟؟؟ كن أي خطط للعطلة الصيفية؟"
تزامن مناداتها لاسمي مع التفافي لمواجهتها، ولذا عاد نظري إليها في وقت أبكر مما توقعت.
"القدوم إلى هنا على الأرجح، وقراءة الكتب في المنزل. والواجبات المدرسية أيضًا."
"هذا كل شيء؟ يجب أن تذهب وتفعل شيئًا ما، إنها العطلة الصيفية بعد كل شيء. ما رأيكَ في الذهاب في رحلة مع كيوكو بدلًا مني؟"
"لا أمتلك المؤهلات المطلوبة لدخول قفص الأسد. وألم تخططي للذهاب في رحلة مع كيوكو-سان؟"
"إنه مستحيل نوعًا ما على أي حال. امتدَّت فترة بقائي في المشفى، وتلك الفتاة مشغولة بأنشطة النادي أيضًا."
هكذا قالت، مبتسمةً ابتسامة موحشة.
"أردتُ الذهاب في رحلة أخرى كما تعلللم."
…………هاه؟
جعلَت كلماتها الكئيبة أنفاسي تتوقف للحظة.
وفي تلك اللحظة، رأيتُ ضبابًا أسود يزحف إلى الغرفة. شعرتُ بذلك الشيء البغيض الغافي في صميم قلبي يشقّ طريقه صعودًا نحو حلقي. على عجل، أخذتُ جرعة من الشاي من زجاجته البلاستيكية، محاربًا الرغبة في التقيؤ. ماذا حدث للتو؟
قلبتُ كلماتها داخل رأسي. تمامًا كما يفعل محقق في رواية مع حوارات شخصية مهمة.
ربما يرجع ذلك لصنعي تعبيرًا مضطربًا على وجهي. سحبَت ابتسامتها الساخرة، وأمالَت رأسها إلى الجانب.
من شعر بالحيرة هو أنا.
إذن لماذا تفعل ذلك؟
في اللحظة التي أدركتُ فيها ذلك، طارت الكلمات مباشرةً من فمي.
"لماذا، هل قلتِ ذلك وكأنك لن تتمكني ألدًا من الذهاب في رحلة مجددًا؟"
بدت وكأنها أخذت على حين غرة. صنعَت تعبيرًا يشبه حمامة أُطلق عليها النار ببندقية بازلاء.
"…………هل قلتُها، هكذا؟"
"نعم."
"أرى – أظن أن لدي حتى أفكارًا تظهر بهذا الشكل هـ~ـا."
"مهلًا……"
تساءلتُ عن نوع التعابير التي أصنعُها. تضخم الاضطراب الذي دفن نفسه عميقًا في أعماق قلبي منذ زيارتي الأخيرة، وهدد أخيرًا بالانفجار من فمي. بيأس، حاولت تغطية فمي بيدي – لكن فمي تحرك قبل أن تتمكن يداي من ذلك.
"أنتِ لن تموتي، صحيح؟"
"هاه؟ سأموت مع ذلك. جميعنا سنموت، أنا وأنت من ضمنهم."
"لا أقصد ذلك!"
"إذا كنتَ تتحدث عما سيحدث بمجرد تعطل بنكرياسي، فحسنًا بالطبع سأموت."
"لا أقصد ذلك!"
ضربتُ براحتي المفتوحتين على زاوية السرير، وقفزتُ على قدمي دون تفكير. انقلب الكرسي الذي جلست عليه، ليملأ الجناح برنين معدني مزعج. تسمرَّت عيناي على عينيها، دون أن ترمش. هذه المرة، صنعَت تعبيرًا لا شك في أنه تعبير عن الصدمة. حتى أنا صُدمتُ من نفسي. لماذا فعلت ذلك للتو؟
أجهدتُ حلقي الجاف بحثًا عن آخر بقايا صوتي التي يمكنني حشدها.
"أنت ما زلتِ، لن تموتي، صحيح؟"
نظرًا لصدمتها المستمرة، لم ترد الفتاة، وخيم الصمت على الجناح. وخوفًا من الصمت، واصلت التحدث.
"تتصرفين بغرابة منذ فترة."
"…………"
"أنت تخفِين شيئًا أليس كذلك؟ إنه أمر واضح كما تعلمين. لعب الحقيقة أو التحدي، والتمسك بي فجأة أيضًا. وعندما سألتُ عمّا إذا حدث شيءٌ ما، بدا رد فعلكِ غريبًا. لقد توقفتِ بشكل غريب جدًا – هل اعتقدتِ أنني لن أستغرب الأمر؟ على الرغم من أن الوضع آل إلى هذا الحد، إلا أنني قلق عليكِ ببساطة لإصابتك بمرض خطير."
ثرثرتُ وثرثرت، مُتحدثًا بسرعة كبيرة لدرجة أنني لم أستطع تذكر ما قلتُه. انقطع نفسي بحلول الوقت الذي انتهيتُ فيه. لكن وجد سبب آخر لعدم التقاطي لأنفاسي. شعرت بالحيرة. بشأنها، هي التي تخفي شيئًا، وبنفسي، أنا الذي قرر إقحام نفسه في شؤونها أيْضًا.
محدقًا في الفتاة التي لا تزال علامات الصدمة التامة تعتليها، أنا – الذي عمل بمبدأ الهدوء عندما ينفعل شخص آخر أكثر – استعدتُ رباطة جأشي قليلًا، وأعدتُ الجلوس على الكرسي. أرخت يداي قبضتهما ببطء عن ملاءات السرير.
نظرتُ إلى وجهها. اتسعَت عيناها وأطبقَت شفتيها بإحكام. ربما ستهرب وتحاول إخفاء كل شيء تحت البساط مجددًا. تساءلتُ عمّا سأفعله إذا وصل الأمر إلى هذا الحد. تساءلتُ عمّا إذا كنتُ سأمتلك الشجاعة لملاحقتها أكثر. وتساءلتُ عمّا إذا وُجد أي معنى لذلك إن فعلت.
ماذا……أردتُ أن أفعل بالتحديد؟
أخرجت إجابة حبل أفكاري عن مساره.
في العادة، تتنقل بسرعة بين مجموعة متنوعة من التعبيرات. لهذا السبب لم أتوقع شيئًا سوى أن يفسح ذهولها المجال قريبًا لتعبير حيوي آخر. لكني أخطأت.
هذه المرة، تغيَّر لون وجهها ببطء شديد. التوت زوايا شفتيها المطبقتين نحو الأعلى بكل عجلة يمتلكها حلزون. ضاقَت عيناها المفتوحتان على اتساعهما ببطء، كالستائر المسدولة إِيذانًا بنهاية مسرحية. بدأت وجنتاها – المتجمدتان من الصدمة – في الذوبان، متمددتين للخارج.
رسمَت ابتسامة لن أتمكن من تقليدها أبدًا حتى لو أمضيتُ بقية حياتي في المحاولة.
"هل أخبركَ؟ عمّا حدث."
"……أرجوك."
شعرتُ بتوتر طفل على وشك التعرض للعقاب.
فتحَت فمها الواسع، وبتعبير من النعيم على وجهها، أجابَت.
"لا شـ~ـيء على الإطلاق. كل ما في الأمر أنني فكرتُ فيك."
"عني؟"
"أجل، عنك. ترى، لقد لعبنا الحقيقة أو التحدي حقًا لنيتي في سؤالكَ عن شيء تافه. إذا تعيّن علي قول ذلك، فكرت في كم سيكون رائعًا لو تمكنتُ من التوافق معك بشكل أفضل."
"……حقًا؟"
سألتُ بصوت مليء بالشك.
"حقًا. لن أكذب عليك بعد كل شيء."
ربما مجرد كلام معسول، ولكن مع ذلك، لم أستطع إخفاء ارتياحي. انهارَت كتفاي على الفور، بعد أن استنزفت قواهما. أدركتُ سذاجتي، لكني اخترتُ تصديقها.
"إيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيه."
"……ما الخطب؟"
"لاااا، أفكر فقط في أنني سعيدة حقًا الآن. قد أموتُ حتى."
"هذا ليس جيدًا."
"هل تريدني أن أستمر في العيش؟"
"…………أجل."
"إيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيهيه."
لا تزال تنظر إلى وجهي، ضحكَت، سعيدة بشكل غير طبيعي.
"وا~و، لم أتخيل أبدًا أنك ستحتاجني إلى هذا الحد. إنها نعمة عظيمة كإنسانة كما تعلم، أن أكون على الأرجح أول شخص يحتاجه شخص منعزل مثلك."
"من المنعزل هنا بحق؟"
هذا كل ما تمكنت من حشده كرد؛ شعرتُ وكأن رأسي سينفجر من الإحراج. قلقي عليها شيء لم أرغب في فقدانه، شيء أحتاجه على الأرجح. ولكن بينما شكّل ذلك الحقيقة، تجاوز الإحراج المنطوي على التعبير عن أفكاري مجرد التفكير فيها بأشواط. شعرتُ وكأن كل الدم في جسدي يندفع نحو رأسي. بدا الأمر وكأنني سأموت حقًا. بطريقةٍ ما، أجبرتُ نفسي على أخذ نفس عميق، والسماح للحرارة بالهروب من جسدي.
بابتسامة لا تتغير، واصلَت بإيقاع بدا وكأنه يشير لعدم امتلاكها أدنى نية لمنحي استراحة للتعافي.
"بما أنني تصرفتُ بغرابة، اعتقدتَ أنني على وشك الموت؟ دون إخبارك."
"……هذا صحيح، تمددَت فترة بقائكِ في المشفى فجأة بعد كل شيء."
بدأَت تضحك بصوت عالٍ، وتتشنج بعنف شديد لدرجة أنني ظننتُ أنها قد تمزق المغذي المتصل بذراعها. لم أستطع سوى الشعور بالإهانة لكوني هدفًا لمثل هذا الضحك الحماسي.
"أنتِ المخطئة لقولكِ أشياء يسهل إساءة فهمها."
"لكنني قلتُ ذلك من قبل! بأنه لا يزال هنالك وقت! وإلا، لما فعلتُ شَيئًا مثل التدرب على السحر كما تعلللم. ولكن بالنسبة لما قلتَه سابقًا، أتساءل عن سبب انزعاجك من توقف صغير بين كلماتي. أعتقد أنك حقـ~ـًا تقرأ الكثير من الروايات."
بمجرد انتهائها من التحدث، بدأَت في الضحك مجددًا.
"لا تقلق، لأنني سأخبركَ بشكل صحيح عندما يحين وقت موتي."
ثم انفجرَت في الضحك مرة أخرى. بعد أن ضحكَت علي كثيرًا، أصبحتُ غريبًا بعض الشيء أيضًا. بدا وكأنني ارتكبتُ خطأً فادحًا بطريقةٍ ما، وأواجه به الآن.
"تأكد من أكل بنكرياسي بشكل صحيح بمجرد موتي حسنًا."
"بأي حال من الأحوال، هل يعقل ألا تموتي إذا أُزيلت أجزاؤكِ السيئة؟ هل آكله لك الآن إذن؟"
"هل تريدني أن أعيش؟"
"إلى حد كبير جدًا."
في حالتي، سررتُ لكوني إِنسانًا تبدو كلماته الصادقة كالنكات. لأنه إذا نقلتُ مشاعري الصادقة، الصادقة حقًا، فأنا، الذي أهمل الانخراط مع البشر، سأشعر بإحراج شديد يمنعني من إظهار وجهي مجددًا أبدًا.
لم أعرف كيف تلقَّت الأمر، لكنها قالت مازحة، "يا~ي، أنا سعيدة جدًا،" وبسطَت كلتا ذراعيها نحوي. وجه الفتاة التي بدَت مستمتعة بوقتها أظهر الأمر وكأنها تمازحني.
"ألم تبدأين مؤخرًا في الإعجاب بحرارة جسد الآخرين أيضًا؟"
الكلمات التي قالتها بين ضحكاتها قصدت بالتأكيد كمزحة. لهذا السبب قررتُ الرد بمزحتي العكسية – متقبلًا كلماتها بصدق.
وقفتُ، واقتربتُ منها، ولففتُ يداي مازحًا حول ظهرها للمرة الأولى. "وااهوو،" قالت بطريقة مازحة مرة أخرى بينما لفّت ذراعيها حولي. السؤال عمّا إذا تواجد أي معنى لذلك سيعتبر سذاجة. لا ينبغي للمرء البحث عن المنطق في مزحة.
بقينا في نفس الوضعية لبعض الوقت قبل أن يخطر ببالي غرابة أمرٍ ما.
"همم، أظن أن كيوكو-سان لن تأتي في مثل هذا التوقيت اليوم، ها."
"تلك الفتاة لديها أنشطة النادي. في الواقع، ما رأيكَ في كيوكو؟"
"أظن، شيطانة تحاول التدخل في توافقنا."
ضحك كلانا، واغتنمتُ الفرصة لترك جسدها، لكنها لم تفلتني إلا بعد أن عانقَت ظهري بشدة مرة أخرى. ابتعدنا عن بعضنا، ومازحين حتى النهاية، ضحكنا حتى احمرّ كلا وجهينا.
"بالحديث عن الموت، كما تعلم."
طرحَت الموضوع بمجرد أن هدأ كلانا.
"إثارة أمر كهذا ربما لم تحدث من قبل ها."
"مؤخرًا، أفكر في أنه يجب علي البدء في كتابة وصيتي."
"أليس الوقت مبكرًا جدًا؟ كما ظننت، هل كذبتِ بشأن وجود متسع من الوقت؟"
"ليس الأمر كذلك، كما ترى، سأضطر لمراجعتها وتصحيحها عدة مرات، لرغبتي في أن تبدو مرتبة. لهذا السبب سأبدأ في تدوينها."
"إذا كان الأمر كذلك فأظن أن لا بأس. بما أن التعديل يستغرق وقتًا أطول من كتابة رواية."
"أرأيت، إذن لم أخطئ بعد كل شيء. لذا تطلع لقراءة وصيتي المكتملة بعد موتي حسنًا."
"سأتطلع لذلك."
"تقصد أنك تريدني أن أموت عاجلًا؟ كم هذا فظيع. أو هكذا سأقول، ولكن بما أنك تحتاجني، فلن ترغب في موتي هـ~ـا."
ابتسمَت باتساع، ولكن بما أنني أوشكتُ على بلوغ حدودي عاطفيًا، توقفتُ عن إيماء رأسي بصدق. وعلى الرغم من عبوسي في وجهها بعيون غير مستمتعة، استمرَّت في الابتسام، غير مبالية. ربما يمثل ذلك عرضًا لحالة أخرى.
"هذا صحيح، بما أنني جعلتكَ تقلق بلا داعٍ، كاعتذار سأسمح لكَ بأن تكون أول من أستمتع معه حين أخرج."
"يبدو هذا مغرورًا بعض الشيء بالنسبة لاعتذار، هاه."
"ألا تريد ذلك؟"
"ليس الأمر وكأنني لا أريد ذلك."
"؟؟؟؟؟ كن، لديك حقًا ذلك الجانب بك هاه."
تساءلتُ عن أي جانب تتحدث، لكنني فهمت نفسي نوعًا ما، لذا لم أسألها عن ذلك على وجه التحديد.
"في يوم خروجي، سأتوجه إلى المنزل أولًا، لكنني سأكون متفرغة بعد ذلك، لذا سيكون الموعد في فترة ما بعد الظهيرة إذن."
"ما الذي سنفعله؟"
"همم، ما الذي ينبغي لنا فعله – ألن تأتي لزيارتي بضع مرات قبل أن أخرج؟ لنفكر في الأمر."
هكذا ببساطة، منحتُ موافقتي. بعد ذلك، وفي غضون الأسبوعين اللذين سبقا خروجها، تحولّت الخطة – والتي قررَت هي تسميتها "موعدًا موعودًا" رغم استيائي – إلى زيارة للشاطئ، وهو أمر أملَت القيام به. بالإضافة إلى ذلك، سنمر بمقهى في مكانٍ ما، وستؤدي لي الخدعة السحرية التي لا تزال في خضم التدرب عليها.
بصدق، حين وعدتُها بالخروج معها بعد خروجها، ساورني القلق من حدوث أمر بالغ الخطورة بين ذلك الحين ويوم خروجها. لكن الأيام حتى ذلك الوقت مضَت دون حدوث أي شيء من هذا القبيل. هذه المرة فقط، اعتقدتُ ربما أن الأمر تمامًا كما قالت – لقد قرأتُ الكثير من الروايات.
خلال هذين الأسبوعين، انتهَت الدروس التكميلية، واستقبلنا العطلة الصيفية. أجريتُ لها أربع زيارات. في الأولى، صادفتُ الصديقة المقربة-سان. في الثانية، ضحكنا حتى اهتز سريرها. في الثالثة، أُصيبَت بنوبة غضب حين حان وقت عودتي إلى المنزل. في الرابعة، لففتُ كلتا ذراعي حول ظهرها. لم أعتد على حدث واحد منها.
ألقينا الكثير من النكات، تشاركنا الكثير من الضحكات، وجّهنا الكثير من الانتقادات اللاذعة لبعضنا البعض، ومنحنا بعضنا الكثير من الاحترام. صدمني الأمر – أنا المتفرج الأبدي بخلاف ذلك – كيف أصبحتُ أحب الحياة اليومية التي قضيناها كطلاب مدرسة ابتدائية. ما الذي حدث بحق السماء؟
سأقول ذلك لنفسي التي تنظر إلى الحاضر. سُعدت بانخراطي مع شخصٍ ما. إنها المرة الأولى التي أفعل فيها ذلك منذ ولادتي – أن أكون مع شخصٍ ما، ولا أفكر ولو لمرة واحدة في رغبتي بالبقاء وحيدًا.
بينما أُعتبر بالتأكيد الشخص الأكثر عاطفية في العالم بشأن الانخراط مع شخصٍ ما، فقد ضُغط أسبوعاي داخل جناحها. اقتصرَت المدة على أربعة أيام، لكن تلك الأيام الأربعة شكلت مجمل أسبوعيَّ.
ولأنها لم تتجاوز الأربعة أيام، حلَّ يوم خروجها على الفور.
في يوم خروجها المقرر، استيقظتُ باكرًا في الصباح. بطبيعتي، أستيقظ مبكرًا – أنهض باكرًا سواءً أمطرت أم أشرقت، بغض النظر عن امتلاكي أي خطط لليوم أم لا. بالمصادفة، بدت السماء اليوم صافية، وامتلكتُ خططًا بالفعل. فتحتُ النافذة، وكدتُ أرى نسيم الصباح يطرد الهواء الراكد في غرفتي. حلَّ صباح جميل.
غسلتُ وجهي في الطابق السفلي، وتوجهتُ إلى غرفة المعيشة تمامًا مع تأهب والدي للمغادرة. وجهتُ له بضع كلمات من التقدير، وبابتسامة، ربتَ على ظهري قبل مغادرته المنزل. يتمتع بالنشاط طوال العام. لطالما وجدتُ من الغريب إنجاب أب كهذا لطفل مثلي.
وُضع إفطاري بالفعل عند وصولي إلى طاولة الطعام. شكرتُ والدتي على الطعام، أخذتُ مقعدي، وقلتُ "شكرًا على الطعام" مرة أخرى للوجبة التي على الطاولة قبل أن أشرع في تناول بعض حساء الميسو. أُعجب بشدة بحساء الميسو الذي تعده والدتي.
بينما تذوقتُ طبخها، جلست والدتي – التي انتهت من غسل أدوات المطبخ في الوقت الحالي – أمامي، وبدأَت في الشرب من كوب قهوتها الساخنة.
"مهلًا، أنتَ."
حتى الآن، الوحيدتان اللتان نادتاني بكلمة "أنت" بمثل هذه الطريقة غير الرسمية هما والدتي والصديقة المقربة-سان.
"أجل؟"
"إذن لقد حصلت على حبيبة هاه."
"…………ماذا؟"
ما الذي تقوله هذه المرأة كأول شيء في الصباح؟
"إذن، لقد وجدتَ فتاة تعجبك هاه. أيًا كان الأمر، أحضرها في المرة القادمة."
"ليس هذا ولا ذاك، لذا لا يوجد من أحضره."
"هممم، كنتُ متأكدة من هذا."
تساءلتُ عمّا تسبب في هذا، لكن ربما اقتصر الأمر على عمل حدسها كوالدة. حتى لو توصلَّت إلى بعض الاستنتاجات الشنيعة.
"إذن، مجرد صديقة عادية هاه."
لم يصح ذلك أيضًا.
"لا يهم أيًا كان الأمر. يسعدني ظهور شخص ينظر إليك بشكل لائق للمرة الأولى."
هاه؟
"أنتَ، هل اعتقدتَ حقًا أنني أعجز عن التمييز حين تكذب؟ لا تستخف بالأمهات."
بشعور من الامتنان، حدقتُ بتمعن في وجه المرأة التي لم أعد أستطيع التقليل من شأنها. والدتي، والتي – على النقيض التام مني – حملت نورًا قويًا في عينيها، بدت سعيدة حقًا. بصدق، يا له من موقف يبعث على التواضع. لم تستطع زوايا شفتي سوى الارتفاع. واصلَت والدتي مشاهدة التلفاز بينما تشرب قهوتها.
نظرًا لجدولة خططي مع الفتاة في فترة ما بعد الظهيرة، قضيتُ الصباح في قراءة كتبي. لم يحن بعد دور "الأمير الصغير" التي استعرتُها منها. استلقيتُ على سريري، أقرأ رواية غموض اشتريتُها قبل فترة وجيزة.
مر الوقت مسرعًا، وقبل حلول الظهيرة، بدلتُ ملابسي إلى زي بسيط وغادرتُ المنزل. ونظرًا لرغبتي في الذهاب إلى مكتبة، وصلتُ إلى المحطة في وقت أبكر بكثير من المقرر، وزرتُ مكتبة كبيرة قريبة.
اشتريتُ كتابًا بعد التجول لفترة من الوقت، وبدأتُ في التوجّه إلى المقهى حيث اتفقنا على اللقاء. تطلبّ الأمر مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام من المحطة، وبما أنه يوم من أيام الأسبوع، بدا داخل المتجر فارغًا نسبيًا. طلبتُ قهوة مثلجة وأجلستُ نفسي على مقعد بجوار نافذة. تبقّى حوالي ساعة حتى موعد لقائنا المفترض.
حظي المتجر بتكييف هوائي، لكن حرارة الصيف ظلَّت تتشبث بجسدي. بأخذ جرعة من القهوة المثلجة، شعرتُ بإحساس ممتع – بدا الأمر وكأن القهوة تدور في جميع أنحاء جسدي. لكن لو صح ذلك حقًا، لفارقتُ الحياة بالفعل، لذا اقتصر الأمر في النهاية على مجرد مسألة تتعلق بمخيلتي.
بعد استعارة قوى المكيف الهوائي والقهوة لإزالة عرقي، تذمرت معدتي. نظرًا لاتباعي أسلوب حياة صحي، شعرتُ بالجوع بالتحديد مع حلول الظهيرة. خطرَت فكرة الحصول على شيء لآكله في بالي لثانية، ولكن بما أنني وعدتُ بتناول الغداء مع الفتاة، منعتُ نفسي. سيُشكّل إحضاري إلى بوفيه مفتوح آخر مباشرة بعد إرضاء شهيتي هنا ألمًا حقيقيًا. فهي تمتلك ذلك الجانب بها في النهاية.
متذكرًا اليومين المتتاليين اللذين انضممت فيهما إليها لتناول الغداء على مضض، ابتسمت. إذن لقد مر أكثر من شهر منذ ذلك الحين، هاه.
قررتُ انتظار الفتاة بهدوء. وضعتُ الكتاب ذي الغلاف الورقي الذي قرأته سابقًا على الطاولة.
بطبيعة الحال، فكرتُ في قراءته، لكن بشكل غير متوقع، لسبب أو لآخر، تحول نظري إلى الخارج. لم أفهم السبب. إذا تحتم علي اختيار سبب، يمكنني فقط القول بأنه مجرد شيء حدث وقمتُ به. بدا سببًا لا يشبهني، لكنه يذكرنا بطبيعة الفتاة الخالية من الهموم.
تحت أشعة الشمس القاسية، جاء وذهب جميع أنواع الأشخاص. بدا ذكر يرتدي بدلة يشعر بالحر الشديد تحديدًا. تساءلتُ عن سبب عدم خلعه لبدلته. توجهّت أنثى شابة ترتدي قميصًا بلا أكمام نحو المحطة بخطوات خفيفة. ربما خططت لشيء ممتع. برز ثنائي مكون من ذكر وأنثى في سن المدرسة الثانوية يمسكان بأيدي بعضهما البعض. مثّلا أحد تلك الأزواج. ظهرَت أم تدفع طفلها في عربة أطفال……
فكرتُ في الأمر، وأُخذتُ على حين غرة.
هؤلاء الأشخاص الذين يمشون خارج النافذة لن تربطهم بي أي صلة أبدًا في هذه الحياة – بما لا يدع مجالًا للشك، يمثّلون غرباء.
فكرتُ في سبب تفكيري بهم، بالرغم من كونهم غرباء. شيء كهذا لم يكن ليحدث من قبل أبدًا.
لطالما اعتقدتُ بافتقاري للاهتمام بالأشخاص من حولي. لا، خالف ذلك الصواب. لقد قررتُ ألا أهتم بهم. ذلك النوع مني-
دون تفكير، انتهى بي المطاف أضحك مع نفسي. أرى ذلك، إذن لقد تغيرتُ بهذا القدر، هاه. بدا الأمر مسليًا، ولذا انتهى بي المطاف ضاحكًا.
تبادر إلى ذهني وجه الفتاة التي من المفترض أن ألتقي بها اليوم.
لقد جرى تغييري. دون أي شك، لقد جرى تغييري.
في يوم لقائي بها، أصبحَت طبيعتي كإنسان، ويومياتي، ووجهات نظري حول الحياة والموت جميعها قابلة للتغير.
آاه، هذا صحيح، لو سألتُها، لربما قالت إنه مع كل الخيارات التي اتخذتُها حتى الآن، اخترتُ أن أغير نفسي.
اخترتُ التقاط الكتاب ذي الغلاف الورقي الذي تُرِكَ في الخلف.
اخترتُ فتح الكتاب ذي الغلاف الورقي.
اخترتُ التحدث معها.
اخترتُ تعليمها كيفية القيام بعمل لجنة المكتبة.
اخترتُ قبول دعوتها. اخترتُ تناول الطعام معها.
اخترتُ المشي بجانبها. اخترتُ الذهاب في رحلة معها.
اخترتُ الذهاب إلى أي مكان أرادته. اخترتُ النوم في نفس غرفتها.
اخترتُ الحقيقة. اخترتُ التحدي.
اخترتُ النوم على نفس سريرها.
اخترتُ مساعدتها في أكل بقية إفطارها. اخترتُ مشاهدة فنان الشارع معها.
اخترتُ اقتراح السحر عليها.
اخترتُ شراء ألترامان لها. اخترتُ الهدية التذكارية لشرائها.
اخترتُ الإجابة بأن الرحلة بدت ممتعة.
اخترتُ زيارة منزلها.
اخترتُ لعب الشوغي. اخترتُ التقدم عليها.
اخترتُ دفعها لأسفل. اخترتُ إيذاء الصبي الذي مثّل ممثل فصلنا.
اخترتُ السماح له بإيذائي. اخترتُ التصالح مع الفتاة.
اخترتُ زيارة الفتاة. اخترتُ الهدايا لإحضارها.
اخترتُ تدريس الفتاة. اخترتُ متى أعود إلى المنزل.
اخترتُ الهروب من الصديقة المقربة-سان. اخترتُ مشاهدة خدعها السحرية.
اخترتُ لعب الحقيقة أو التحدي. اخترتُ السؤال لطرحه.
اخترتُ عدم الهروب من ذراعيها. اخترتُ الضغط عليها للحصول على إجابات.
اخترتُ الضحك معها. اخترتُ معانقتها.
بغض النظر عن عدد المرات التي تحتم علي القيام بذلك فيها، لاخترتُ الشيء نفسه.
بعد أن اخترتُ بلا إنكار بمحض إرادتي الحرة على الرغم من تحتم اتخاذي لخيارات مختلفة، وقفت هنا. وبصورة مختلفة عني في الماضي، تواجدت هنا.
أرى ذلك، فهمتُ الآن.
لا أحد، ولا حتى أنا، يمثّل حقًا قاربًا من القصب. لنجرف بعيدًا أم لا – نحن من اخترنا.
من علمتني ذلك، بلا شك، هي. الفتاة التي افتُرض موتها قريبًا، ولكن بالرغم من ذلك، استمرَّت في مواجهة الأمام أكثر من أي شخص آخر، ومضَت في جعل حياتها ملكًا لها. الفتاة التي أحبَّت العالم، أحبَّت الناس، وأحبَّت نفسها.
مرة أخرى، راودتني تلك الفكرة.
أنا……أنتِ.
اهتزَّ الهاتف الخلوي في جيبي.
"وصلتُ إلى المنزل للتو! قد أتأخر قليلًا، آسفة (تتعرق). أرتدي شيئًا لطيفًا من أجلكَ في النهاية (تضحك بصوت عالٍ)."
رأيتُ رسالتها، وبعد التفكير قليلًا، أجبت.
"مبارك على خروجكِ. فكرتُ بكِ للتو."
وصل الرد على الرسالة التي أرسلتُها مازحًا على الفور.
"حسنًا ألا تقول شيئًا مبهجًا على غير العادة! ما الخطب، هل أنتَ مريض؟ [وجه يغمز]"
بعد توقف، أجبت.
"على عكسكِ، جسدي سليم رغم ذلك."
"كم هذا فظيع! لقد آذيتَني! كعقاب، وجّه لي مجاملة!"
"لا شيء يتبادر إلى ذهني رغم ذلك – أتساءل عمّا إذا ارتبطت المشكلة بي أم بكِ؟"
"إنها أنتَ، بنسبة 100%. هيا، باشر بذلك."
وضعتُ هاتفي الخلوي على الطاولة، طويتُ ذراعيّ معًا، وفكرت. مجاملة لها. شيء يتعلق بها يمكنني مجاملته – توفّر حقًا ما يعادل جبلًا من هؤلاء. بالتأكيد كثرت لدرجة عجز ذاكرة هاتفي الخلوي عن تخزينها كلها.
بلقائي بها، تعلمتُ حقًا الكثير من الأشياء. علمَتني أشياء جهلتها حتى الآن.
مثل تبادل الرسائل على هذا النحو أحد تلك الأشياء التي علمتني إياها. ولأنني تعلمتُ للمرة الأولى متعة إجراء محادثات مع الناس، اخترتُ كلمات بدت وكأنها ستثير ردودًا مثيرة للاهتمام منها.
في بادئ الأمر، تجسّد الأمر المذهل حولها في جاذبيتها الشخصية الواسعة، وهو أمر بدا خاليًا من أي علاقة بمتوسط عمرها المتوقع. بالتأكيد، لطالما امتلكتُ تلك الطبيعة. بالطبع، تمت صياغة تلك الأفكار شيئًا فشيئًا، وازدادَت الكلمات ثراءً تدريجيًا، لكن الأساس لها ربما لم يمتلك أي صلة بمسألة موتها خلال عام أم لا.
هي، بطبيعتها تلك، مذهلة. واعتقدتُ بأن ذلك مذهل حقًا.
سأعترف بذلك، في كل مرة تُعلمني فيها شيئًا، فكرتُ بأنها مذهلة. إنسانة تمثل النقيض القطبي لي. الأشياء التي عجزتُ أنا الجبان، الذي احتفظ دائمًا بكل شيء لنفسه، عن فعلها – جسدت إنسانة قادرة على قولها وفعلها بلامبالاة.
أخذتُ هاتفي الخلوي بين يدي.
أنتِ شخص مذهل حقًا.
لطالما اعتقدتُ ذلك. لكنني عجزتُ دائمًا عن إيجاد الكلمات المناسبة.
ومع ذلك، فهمت الأمر حينها.
حينها، عندما علمَتني ما يعنيه أن تعيش.
امتلأ قلبي بالفتاة.
أنا…………أنتِ.
"أردتُ حقًا أن أصبح أنتِ."
أن أصبح إنسانًا يعترف بالناس، أن أصبح إنسانًا معترفًا به من قبل الناس.
أن أصبح إنسانًا يحب الناس، أن أصبح إنسانًا محبوبًا من قبل الناس.
عند صياغتها في كلمات، تمكنتُ فقط من إيجادها ملائمة للغاية لقلبي – بحيث تغلغلَت في جميع أنحاء عضوي ذلك. بطبيعة الحال، انتهى بي المطاف برفع زوايا فمي.
ما الذي تحتّم علي فعله لأصبح أنتِ؟
ما الذي ينبغي لي فعله لأصبح أنتِ؟
ما الذي ينبغي لي فعله؟
أخيرًا، أدركت. إن تذكرتُ بشكل صحيح، توجد مقولة حملَت نفس المعنى.
فكرتُ قليلًا، وعند التذكر، قررت تقديم ذلك لها.
"أريد غلي الأوساخ التي تحت أظافركِ وشربها."
كتبتها بنية كتابتها فقط، وحذفتها على الفور. أدركتُ بأن مجرد هذا لن يغدو مثيرًا للاهتمام. بالرغم من قدرتها على إسعادها، انتابني شعور بوجود كلمات أكثر ملاءمة.
الآن، بالتفكير مرة أخرى، طفَت الكلمات من زاوية، لا، ربما من صميم ذكرياتي.
شكّل العثور على تلك الكلمات بهجة. لدرجة أنني أصبحت فخورًا بنفسي.
لم تتوفر كلمات أكثر كمالًا من هذه لتقديمها لها.
الكلمات التي جسَّدَت كل شيء بالنسبة لي – أرسلتُها إلى هاتفها الخلوي.
أنا……
"أُريدُ أَن آكلَ بنكرياسكِ."
وضعتُ هاتفي المحمول على الطاولة وانتظرت، متطلعًا إلى ردها. شيء كالتطلع إلى رد شخصٍ ما – بالتأكيد، يُعد هذا أمرًا ستجده نسختي من بضعة أشهر ماضية غير قابل للتصديق. لكن بما أنه اختار أن يصبح نسختي الحالية، فلا يحق له الشكوى.
انتظرتُها بجدية.
بجدية.
ومع ذلك، لم يأتِ ردها أبدًا.
مضى الوقت فحسب، وازداد جوعي.
بحلول الوقت الذي اتفقنا عليه، بدأتُ – عوضًا عن ذلك – أتطلع إلى الرد الذي ستقدمه عند ظهورها.
ومع ذلك، لم تصل هي الأخرى أبدًا.
طوال ثلاثين دقيقة، واصلتُ الانتظار دون قلق كبير.
بمرور ساعة – ثم ساعتين لاحقًا -، وكما هو متوقع، بدأ القلق يساورني.
بمرور ثلاث ساعات، حاولتُ الاتصال بها للمرة الأولى. لم تُجب.
بمرور أربع ساعات، تحول المشهد الخارجي إلى مشهدٍ مسائي. غادرتُ المتجر. علمتُ بوقوع خطبٍ ما، غير أنني لم أعرف ماهيته. ورغم المخاوف الغامضة التي اجتاحَت قلبي، لم أمتلك أي وسيلة لمحوها، فأرسلتُ لها رسالة. وبعد استنفاد خياراتي كافة، قررتُ العودة إلى المنزل.
بوصولي إلى المنزل، بدأتُ أفكر في احتمالية – وربما مجرد احتمالية – أن والديها أخذاها قسرًا إلى مكان آخر. يُمثّل هذا السبيل الوحيد لتهدئة المخاوف التي استحوذت على قلبي.
ساورني القلق طوال الوقت. ليت الزمان في جميع أنحاء العالم توقف في تلك اللحظة.
راودتني هذه الفكرة أثناء مشاهدة التلفاز، والقلق يتملكني، وأنا على وشك ملء معدتي بالعشاء الذي أمامي.
في تلك اللحظة، عرفتُ للمرة الأولى سبب عدم حضورها.
كذبَت.
وأنا كذبتُ أيضًا.
أخلَت بوعدها بإخباري عند اقتراب موعد وفاتها.
ونكثتُ بوعدي بإعادة كل ما استعرتُه منها حتمًا.
لن أتمكن من رؤيتها مجددًا أبدًا.
رأيتُ الأخبار.
عثر أحد السكان المجاورين على زميلتي في الفصل ساكورا ياماوتشي مغشيًا عليها في زقاق داخل حيها السكني.
استُدعيت سيارة إسعاف لنقلها فور اكتشافها، لكنها قد فارقت الحياة رغم المحاولات اليائسة لإنعاشها.
قرأ مذيع البرنامج الحقيقة فحسب، دون أدنى قدر من التعاطف.
ودون تفكير، أسقطتُ على الأرض عيدان تناول الطعام التي لم أستخدمها بعد والتي أمسكتُ بها.
عُثر عليها مع سكين مطبخ متوفرة تجاريًا مغروزة بعمق في صدرها.
أصبحَت الضحية الأحدث في سلسلة الهجمات العشوائية التي أثارَت ضجة منذ وقتٍ مضى.
وقُبض على المجرم – شخص مجهول بالنسبة لي من مكان أجهله – على الفور.
ماتت.
اعتمدتُ على ذلك.
وما زلتُ أعتمد على ذلك في هذه المرحلة.
كنت أعتمد على ما تبقى لها من وقت والذي يعادل عامًا واحدًا.
وربما فعلت هي ذلك أيضًا.
على أقل تقدير، أخطأتُ بشأن حقيقة أن غدَ أيّ شخص ليس مضمونًا.
ظننتُ بديهيًا أن الفتاة التي لا تملك الكثير من الوقت ستحظى بغد.
جهلتُ حال نفسي التي لا تزال تملك وقتًا، لكني اعتقدتُ أن الفتاة التي لا تملك وقتًا وُعِدت بغد مضمون.
يا له من منطق أحمق.
آمنتُ تمامًا أن الدنيا ستتساهل فقط مع حياة الفتاة التي لم يتبقَّ لها الكثير من الوقت.
بالطبع، لن يحدث شيء كهذا. ولم يحدث.
لم يُميّز العالم بين الناس.
أبى أن يرحم سكانه – سواءً أكانوا بشرًا أصحاء الأجساد مثلي، أم تلك الفتاة المصابة بمرض عضال والتي تقف على حافة القبر.
أسأنا الفهم. غدونا حمقى.
لكن، أيمكن لأحد أن يسخر منا لسوء فهمنا؟
المسلسل التلفزيوني الذي حُدِّدت حلقته الأخيرة لن ينتهي حتى حلقته الأخيرة.
المانغا التي تقرر إلغاؤها لن تنتهي حتى موعد إلغائها.
الفيلم الذي عُرض مقطع ترويجي لجزئه الأخير لن ينتهي حتى جزئه الأخير.
توجّب على الجميع العيش وهم يؤمنون بذلك. وتوجّب عليهم تعلم هذا القدر.
وأنا أيضًا اعتقدتُ ذلك.
آمنتُ أن الرواية لن تنتهي حتى تصل إلى صفحتها الأخيرة.
ربما ضحكَت قائلةً إنني قرأتُ الكثير من الروايات.
حتى لو سُخر مني، لم أُبالِ.
رغم رغبتي في قراءتها حتى النهاية. ورغم نيتي في قراءتها.
انتهَت قصتها مع بقاء الصفحات المتبقية فارغة.
مع إهمال كل التراكمات، والتلميحات، والأدلة المضللة.
لن أتمكن من معرفة أي شيء أبدًا.
ولا نتيجة العبث الذي أعدّته باستخدام الحبال.
ولا محتوى الخدعة السحرية التي أسمتها "الورقة الرابحة" أيضًا.
وما اعتقدَته عني حقًا كذلك.
لن أتمكن أبدًا من معرفة ذلك.
………… هذا ما اعتقدتُه.
وبسبب موتها، فقدتُ الأمل في ذلك.
لكني أدركتُ لاحقًا عدم صحة ذلك.
حتى بعد جنازتها، وحتى بعد أن لم يتبقَّ منها سوى عظامها، لم أذهب إلى منزلها.
حبستُ نفسي في غرفتي، وأمضيتُ الوقت في قراءة الكتب.
وفي النهاية، احتجتُ إلى عشرة أيام تقريبًا لأجد الشجاعة والسبب للذهاب إلى منزلها.
وقبيل انتهاء العطلة الصيفية مباشرةً، تذكرتُ ذلك.
الصفحات القليلة المتبقية من قصتها – ربما توجد طريقة واحدة فقط لقراءتها.
ذلك الشيء الذي يمكن تسميته ببداية علاقتي بها.
"مذكرات التعايش مع المرض" – توجّب عليّ قراءتُها.
**********************************************************************
الترجمة: Nobody
تاريخ الترجمة: 14 / 3 / 2026
__________________________________________
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، "الوحدة القتالية"، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول الترجمة، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
لا تنسوا ترك تعليق واحد على الأقل للتعبير عن تقديركم ودعمكم لجهودي في تدقيق هذا الفصل، ولا تنسوني من دعائكم بالتوفيق ~