الفصل 480: الجزار [6]
"….."
توقفتُ في مكاني.
أدرتُ معصمي وتفقدتُ الوقت، فعقدتُ حاجبيّ.
"لقد مكثتُ هنا لأكثر من ساعتين."
لقد انقضى الوقت قبل أن أُدرك ذلك.
'لا، بل الأمر أشبه بأنني لم أمتلك أصلًا ما يكفي من الوقت لأفكر في مقدار ما مرّ.'
لقد أمضيتُ الوقت بأكمله أقاتل الشذوذات، وفي الوقت نفسه أطارد 'الزعيم'. ومع ذلك، بدا هذا 'الزعيم' بعينه وكأنه يختبئ مني. وكان هذا رغم استخدامي للنظارات لجذب انتباهه.
"وفي النهاية… أنت تطاردني، ومع ذلك لا تكلف نفسك حتى عناء فعل أي شيء لي عندما أظهر أمامك."
قد يبدو أن ساعتين ليستا بالكثير، لكن لم يكن هناك ما يضمن أن البوابة لا تمتلك نوعًا من تمدد الزمن. هل كان الوقت داخل البوابة يجري بنفس وتيرته في الخارج؟
لم أكن أعلم، ولهذا كنت بحاجة إلى أن أكون سريعًا قدر الإمكان حتى لا تقع مواقف غير متوقعة.
'ثم مجددًا، أنا واثق أن سيد النقابة سيدعمني إن تأخرتُ فعلًا أكثر من اللازم.'
ومع ذلك، كنت قد سئمتُ هذا المكان بالفعل.
أردتُ العودة بأسرع ما يمكن.
"أظن أن هذا لم يعد ذا فائدة لي."
أعدتُ البوصلة إلى مكانها، وقررتُ التوجه إلى المنطقة التالية.
طَنّ!
متجاوزًا الباب التالي، توقعتُ أن أرى التخطيط ذاته الذي صادفته في المرات السابقة، لكن ما إن وطئتُ الغرفة الجديدة حتى استقبلني هواء دافئ ورطب، متناقض بشدة مع كل ما واجهته من قبل.
توقفتُ فجأةً في مكاني.
'…هناك شيء مختلف.'
طَك! طَك!
دوّى صوت تقطيع حاد.
ارتفع الصوت عاليًا، وكل ضربة كانت تشق الهواء بقوة ووضوح كصاعقة برق.
طَك!
شعرتُ بالأرض ترتجف بخفة تحت وقع الضربات المتكررة.
ضغط الدفء على وجهي، وكانت الرطوبة كثيفة لدرجة جعلت الجلد أسفل عينيّ يلسعني.
رفعتُ بصري.
كانت صفوف الخطافات تتدلى من السقف. تتمايل بخفة شديدة، بينما كانت أطرافها الحادة تحتك ببعضها بعضًا. توهج خافت نابض ظهر قرب الخطافات، لم يكن يومض تمامًا، بل كان يرتعش، كما لو أن الضوء نفسه غير مرتاح لوجوده هنا. تسرب الضوء عبر الخطافات الكثيرة، مرسمًا أشكالًا غريبة على الجدران والأرضية.
'…لا أستطيع الرؤية خلف الخطافات.'
كان عدد الخطافات المتدلية من السقف وحده كافيًا لحجب رؤيتي بأكملها. كما لو أنها صنعت ستارًا يسد طريقي.
طَنّ! طَنّ!
متجاوزًا الصف الأول من الخطافات، خطوتُ إلى الأمام.
حينها ضربتني الرائحة.
لقد كانت مختلفة عن رائحة الحديد التي سبقتها. كانت أثقل، تكسو داخل حلقي، وتجعل كل نفس غير مريح.
وبعد خطوات قليلة، اتسعت الغرفة أكثر.
وهناك كانوا.
[المترجم: ساورون/sauron]
"….."
طَك!
وقفت عدة شخصيات في نصف دائرة مترهلة، ظهورهم موجهة نحوي، وأكتافهم العريضة منحنية فوق طاولة العمل أمامهم. كانوا يتحركون بإيقاع مقيت. ترتفع الأكتاف. ترتفع الأكواع. تهبط الشفرات بالحركة المتكررة ذاتها.
طَك!
ثم ضربة أخرى.
طَك!
كان الصوت الرطب المتقزز تحت كل ضربة يملأ الهواء، ينهش صدري نهشًا.
لكن الصوت لم يكن ما جعلني أتجمد.
تحركتُ قليلًا إلى الجانب لأحصل على رؤية أوضح لما كانوا يعملون عليه، وما إن اتضحت الهيئة كاملة أمام ناظريّ، حتى سرت قشعريرة عبر عمودي الفقري.
كانت هناك جثث، تمامًا كالغرف الأخرى.
لكن هذه…
كان هناك شيء مألوف في هذه الجثث. أطرافها وأجزاؤها كانت أطول وأنحف من تلك التي اعتدتُ رؤيتها، وهيئة أجسادها مألوفة لي للغاية.
'…بــشــر.'
وليسوا بشرًا عاديين فحسب.
بل… ذوي هيئة مطابقة لهيئتي تمامًا.
"هااا…"
طَك! طَك!
توقف الجزارون أخيرًا، واستقر صمت خانق وثقيل فوق المكان بينما أبقيتُ بصري مثبتًا عليهم بإحكام. حاولتُ تقدير قوتهم وأنا أقبض على سكيني، مستعدًا للانقضاض في اللحظة التي يتحركون فيها.
ربما…
كانوا هم الذين أبحث عنهم.
"الزعيم" الذي كان عليّ القضاء عليه لكي أهرب من هذه البوابة.
تهيأتُ، وبدأت عقدي تدور في الوقت ذاته.
لكن حينها—
"…."
كما لو أنهم جميعًا انتبهوا إلى وجودي، تجمدوا في منتصف الحركة، وتصلبت أجسادهم بينما بدأت رؤوسهم تستدير ببطء… حتى واجهوني. واحدًا تلو الآخر، انكشفت ملامحهم أمام عينيّ. بقرة. خنزير…. شيء ربما كان حصانًا يومًا ما، فكه متدلٍ ومرتخٍ، يتأرجح قليلًا كما لو أن الأوتار قد استسلمت أخيرًا.
'…كم هو ملائم.'
بدا الأمر طريفًا على نحوٍ ما حين فكرتُ في مظهري الحالي.
لكن عندما وقع بصري على الشفرات الهائلة التي يحملونها، لم يدم ذلك الشعور سوى لحظات قليلة قبل أن أشدد قبضتي على السكين بينما أمسح بنظري المجموعة. استطعتُ أن أدرك من نظرة واحدة أنهم أقوى بكثير من أي شيء واجهته سابقًا، ومع ذلك، ظل يراودني إحساس مزعج بأن 'الزعيم'، أو ذلك الذي يطاردني، لم يتحرك بعد.
…على الأرجح أنه لا يزال يراقب.
ينتظر مني أن أُظهر ثغرة.
'للأسف، لا أملك الكثير من الوقت لأجاريه.'
كنت بحاجة لإنهاء هذا بسرعة.
لكن…
"همم."
بينما أحدق في 'الجزارين' أمامي، شعرتُ بوخز في يدي. أدركتُ بسرعة أن كلما أطلتُ الإمساك بالنصل، بدا وكأنه 'يفسدني' أكثر.
لم يبدُ الفساد دائمًا، بل كان موجودًا فقط في اللحظات التي أمسك فيها السكين. لكن كلما بقيت أصابعي ملتفة حول المقبض، بدأ شيء خفي يضغط على أطراف أفكاري، يدفعها، يغيرها، كما لو أنه يحاول إطلاق أفكاري الدفينة.
في العادة، كنتُ قادرًا على قمع ذلك الجزء المختبئ داخلي، لكن…
"هاا… هاا…"
ربما لأنني قتلتُ أكثر مما ينبغي اليوم، لكن بينما أحدق في الشذوذات الواقفة أمامي، لم أتراجع أو أتصرف بالحذر الذي أعلم أن عليّ التحلي به. بدلًا من ذلك، تسلل شيء آخر، أفكار مختلفة، أكثر هدوءًا… وأكثر سادية.
'دعني أقتلهم.'
كنتُ أدرك أنهم أقوى بكثير من أي شيء واجهته حتى الآن. وكان هناك أيضًا احتمال الكمين القادم من الشذوذ الذي يطاردني، لكن تلك الأفكار بدت وكأنها تتبخر تمامًا بينما خطوتُ إلى الأمام، متجهًا نحو الشذوذات.
سشششش!
ما إن تقدمتُ خطوة، حتى بدأ غشاء أسود ينساب فوق جلدي من تحت ملابسي. شعرتُ بجسدي أخف، شبه أجوف، وبدأت موجة من القوة تتدفق داخلي.
[نقل السمات]
باستخدام [نقل السمات] وربطه بالمتجول بين العوالم، استطعتُ تعزيز قدراتي الجسدية. أصبحتُ الآن أكثر ثقة في التعامل مع الشذوذات.
لكن بينما كنتُ أتقدم، شعرتُ بارتعاشة مفاجئة تنبعث من مؤخرة ذهني.
'دعني أخرج.'
'…لقد مر وقت طويل منذ خرجتُ. دعني أقاتلهم.'
'أستطيع الاعتناء بهم بدلًا عنك. لقد أصبحتُ أقوى من السابق.'
'دعني أخرج.'
استمر صوت المايسترو يتردد داخل رأسي، لكنني تجاهلته. لم يكن الأمر أنني لا أريد الاعتماد على المايسترو أو أنني أراه عديم الفائدة. بل العكس تمامًا. بوجوده، لن يكون لدي ما يدعو للقلق حقًا.
لكنني أردتُ فعل هذا وحدي.
'لا، هذا ليس صحيحًا تمامًا.'
صحيح أنني أردتُ فعل هذا وحدي، لكن ذلك لم يكن السبب الحقيقي.
الحقيقة هي…
أنـا… فـقـط لا أريـد لـه أن يـلـمـس فـريـسـتـي.