الفصل 44 – البث المباشر [6]
في اللحظة التي ظهرت فيها تلك العين، بدا وكأن العالم من حولي قد تجمّد فجأة.
استطعت أن أميز كل التفاصيل الدقيقة لتلك العين. كانت بنية، لكن أغمق مما ينبغي. أغمق كثيرًا. كانت الحدقة متسعة، على نحو غير طبيعي، تبتلع النور من حولها بينما تمر تموجات خافتة عبر القزحية، كشقوق تحت سطح زجاجي.
ورغم أنها لم تتحرك، شعرت بأنها تراني.
تراني حقًا.
وقفت حابسًا أنفاسي حتى…
بانغ!
تولت الغريزة زمام الأمور. ركلت الباب بكل ما أوتيت من قوة.
"أره!"
صرخة مكتومة دوّت بينما التفتت كل الأشكال ذات العباءات البيضاء نحونا. شعرت وكأن أكثر من اثنتي عشرة عينًا قد ركّزت انتباهها عليّ.
'تبًا!'
كان جيمي مرعوبًا. وبصراحة، كنت كذلك. معدتي انعقدت في عقد متشابكة، لكن ربما كل تلك الساعات التي قضيتها في لعب ألعاب الرعب قد آتت أُكلها — فقد تمكنت من الحفاظ على هدوئي بما يكفي للركض نحو المخرج.
"اركض…"
لحسن الحظ، كنت سريعًا بما يكفي لأفاجئ الرجال ذوي الملابس البيضاء، ووصلت إلى مخرج الغرفة بسرعة إلى حد ما.
كان جيمي خلفي مباشرة.
"متسللون!"
"أمسكوا بهما بسرعة! لقد رأوا كل شيء! لا يمكن أن نسمح لهما بالهرب!"
طاردنا الرجال، لكن البداية الصغيرة التي اقتنصناها في البداية منحتنا ما يكفي من المسافة لنظل متقدمين، على الأقل لبعض الوقت. غير أن تلك الفجوة كانت تضيق بسرعة.
'ما هذا بحق الجحيم!? هل هم رياضيون أولمبيون أم ماذا…!?'
أصابني الذعر عندما رأيت السرعة التي كانوا يلحقوننا بها.
لكن سرعان ما أدركت أن الأمر لم يكن كذلك.
نظرت إلى الأمام ورأيت جيمي يتجاوزني بعصاه السيلفي ومصباحه اليدوي، وسرعان ما أدركت المشكلة.
…أنـا كـنـت الـمـشـكـلـة.
تبًا!
'عليّ حقًا أن أبدأ بممارسة الرياضة!'
مواقف كهذه ستصبح أكثر شيوعًا. لم يكن لدي خيار سوى أن أتحسن، وإلا فإن نهايتي محتومة.
لكن الأهم من ذلك…
'لا يمكنني أن أسمح لهم بالإمساك بي! سيقتلونني حقًا إن أمسكوا بي!'
إن كنت غير متأكد من ذلك من قبل، فأنا الآن واثق تمامًا. أولئك الذين سُحبوا من قبل أولئك الغرباء بالملابس البيضاء… لقد ماتوا.
أثر الدم على الأرض كان دليلًا واضحًا على ذلك.
"لماذا يبدو هذا النفق طويلًا هكذا؟"
نظرت إلى الأمام وشعرت أن النفق المؤدي إلى تلك الغرفة الغريبة أطول بكثير مما كان عليه. كنت أعلم أنه مجرد وهم من خيالي، لكن رئتي كانت تحترقان بينما كانت المسافة بيني وبين الرجال في البياض تتقلص.
'آه، تبًا!'
يد امتدت بالكاد ولمست كتفي. عضضت على أسناني وأجبرت ساقيّ على الاستمرار بالجري.
"هناك!"
أخيرًا… سلالم. الطريق إلى الأعلى.
تباطأ جيمي بالقرب من السلالم، عينيه على الباب السري في الأعلى.
"لا تقلق بهذا. فقط اصعد!"
كنت قد أعددت نفسي مسبقًا لهذا السيناريو. ومع بقاء السائر الليلي فوقنا، أمرته بسرعة بإزالة التمثال من فوق الباب السري إن وُجد واحد.
"لكن…"
"لا خيار أمامنا!"
"حسنًا!"
عاضًا على أسنانه، اندفع جيمي صاعدًا الدرج واصطدم بكتفه في الباب السري. طراخ! انفتح الباب بصوت صرير حاد، واندفعت نسمات من الهواء البارد نحوي. أضاءت عينا جيمي بالأمل وهو ينظر إلى الوراء.
"لـقـد نـجـحـنـا!"
"بـسـرعـة!"
نظرت إلى الوراء ورأيت الرجال ذوي الرداء الأبيض على بُعد أمتار قليلة مني، وكاد قلبي أن يقفز من صدري بينما اندفعت صاعد السلالم. غير أنني، وبعد خطوتين، شعرت بشيء يمسك بكاحلي الأيسر.
"….!؟"
نظرت إلى الوراء برعب. كان أحد الرجال ذوي الرداء الأبيض قد أمسك بكاحلي بإحكام. وفي تلك اللحظة، انزلق الغطاء بما يكفي لأرى ما تحته.
"أمسكت بك!"
من تحت الرداء، لمحت وجهًا.
شاحبًا على نحو مَرَضي، بخدّين غائرين لدرجة أنه بالكاد بدا بشريًا. ارتفع شيء في حلقي بينما أخذتُ أرى المزيد من الشخصيات تظهر خلفه، كلهم كانوا بنفس القدر من الرعب. انقبض جسدي للحظة خاطفة قبل أن أنتزع ساقي بكل ما تبقى لدي من قوة.
"أوه، تبًا!"
وكأن جيمي أدرك مأزقي، التفت رافعًا عصا السيلفي.
طاخ!
ضربت الكاميرا يد الرجل. ارتجف.
"دع… ساقه!"
طاخ! طاخ!
مرة بعد أخرى، هَوَى جيمي بالعصا.
ثم—
بانغ!
بضربة أخيرة، تحطمت العصا. طارت الكاميرا إلى الخلف، وتراخى القبض على كاحلي.
"بـسـرعـة!"
أمسكت بيد جيمي الممدودة، والتقطت الكاميرا التي سقطت على مقربة مني، وانطلقنا معًا بعيدًا، والعرق البارد يتسلل نزولًا في ظهري.
'كـان ذلـک قـريـبًـا جـدًا!'
لبرهة هناك، ظننت أن نهايتي قد حانت.
لو لم يكن جيمي موجودًا، لكان…
لم أرد التفكير في الأمر. وعندما نظرت إلى الوراء ورأيت الرجال ذوي الأردية البيضاء لا يزالون يطاردوننا، أدركت أن الأمر لم ينتهِ بعد. ركضتُ إلى الأمام، وجيمي تبعني، وجهه شاحب تمامًا.
"أول… هاا… قاعة. المخرج. هناك."
كان هو الآخر مرهقًا، يتحدث بأنفاس متقطعة. لكنني فهمت ما قصده وأومأت، متجاوزًا غرفة العرض في طريقي إلى مدخل المتحف. ولكن، ما إن مررنا من غرفة العرض ودخلنا إلى القاعة الرئيسية، حتى استقبلتنا رؤية باب مغلق.
منذ متى؟
"تبًا!"
بانغ! بانغ!
ارتطم جيمي بكتفه في الباب.
لا شيء. لم يتحرك.
تسرب الذعر إلى قلبي كالماء البارد في الحذاء.
خاصة عندما…
خَطْو! خَطْو!
كان الرجال ذوو الأردية البيضاء خلفنا مباشرة.
أمسك جيمي المقبض، وهزّه مرات عدة وجذبه بكل ما أوتي من قوة، لكن دون جدوى. كان الباب مغلقًا بإحكام.
"أوه، لا…! إنه مقفل! لا أستطيع…"
حاولت أن أساعده، لكن دون فائدة. لو كان لدي المزيد من الوقت فحسب.
'لا، تبًا! أعلم أن مهمة من الدرجة الثانية من المفترض أن تكون صعبة، لكن ليس إلى هذا الحد!'
هل كان هناك سبيل لأنجح بها أصلًا؟
كلما طال الأمر، ازداد شعوري بأنه من المستحيل اجتياز هذا السيناريو. ومع التفكير في التعزيزات التي قد تصل قريبًا، علمت أن كل ما عليّ فعله هو الصمود.
وعليه، بينما نظرت حولي، ثبت بصري على الدرج البعيد وركضت نحوه.
جيمي تبعني بسرعة بينما كانت الدرجات تصدر صريرًا تحت أقدامنا.
"هناك!"
"إنهم يتجهون للطابق الثاني."
انقبض قلبي وأنا أشعر بالرجال ذوي الأردية البيضاء يندفعون من خلفنا. لم ألتفت إلى الوراء، بل واصلت صعود السلالم، ودخلت الطابق الثاني حين غمرتني فجأة ظُلمة لا نهاية لها.
لم أعد أرى إلى أين أتجه، ولم أرَ ضوء جيمي.
لحظة، جيمي…؟
نظرت خلفي فلم أرَ سوى الظلام. سمعت خُطى بعيدة بدت وكأنها تصدر من كل الجهات، فتشنج جسدي كليًا وأنا أمد يدي إلى الأمام، متلمسًا الجدار القريب.
'ماذا حدث؟ كنت متأكدًا أنه كان بجانبي. أين ذهب؟'
أردت أن أشتم، لكن مع اقتراب الخطى، عرفت أنني لا أملك ترف ذلك. دون تردد، وضعت النظارات الطيفية على وجهي، فغدا العالم أزرق داكنًا.
انخفضت الحرارة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي من الرأس حتى أخمص القدمين. امتد أمامي ممر، يتفرع إلى ثلاث طرق تصطف على جانبيها الأبواب.
الأبواب على جانبي الممر تمتد في الظلمة. ألقيت نظرة سريعة، ثم اندفعت في أول ممر، وقلبي ينبض بجنون وأنا أغوص أعمق فأعمق، آملًا أن أضيع الوقت، حتى جعلني شيء ما أتوقف فجأة.
"آه.."
هــا هــي.
كانت الفتاة الصغيرة واقفة في البعيد، تحدّق نحو باب بعينه.
حبست أنفاسي حالما رأيتها، لكن جسدي تحرك من تلقاء نفسه. شعرت بأنها ترغب في الشيء ذاته الذي أريده.
ولذلك، عرفت أنها في صفي.
…أو على الأقل، كنت آمل أن يكون ذلك صحيحًا.
لقد خضت المغامرة على كل حال.
صرير!
انفتح الباب بصرير، كاشفًا عن غرفة.
غرفة بدت عادية أكثر من اللازم لتكون في هذا المكان. غرفة نوم صغيرة، من النوع الذي قد تجده في أي بيت، إلا أن هناك شيئًا مريبًا فيها. سرير يتوسطها، يحيط به خزانة، وطاولات، وكراسٍ، كلها مرتبة تمامًا كما لو أن أحدًا لا يزال يعيش هنا.
رفعت بصري، فرأيت الفتاة الصغيرة جالسة على السرير، وقد تدلت ساقاها بينما أغلقت الباب خلفي وحبست أنفاسي.
وفي الوقت ذاته، شعرت بشيء ما، فنظرت إلى يدي.
عـنـدهـا رأيـتـهـا.
الكاميرا من قبل.
كانت موجهة مباشرة إلى وجهي، ونقطة حمراء بجانبها.
'أوه…'
لا أزال عـلـى الـبـث الـمـبـاشـر.